أزمة العراق لن تنتهي... سلاح الحشد في مواجهة التغيير الديمقراطي!

الجمعة 3 ديسمبر 202102:50 م

لم يخفّف إعلان نتائج الانتخابات النهائية من الحساسية بين السياسيين العراقيين، التي ترافقها شائعات عن قرب الصدام العسكري، أو إعلان حالة الطوارئ، إذ نقلت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تصريحاً منسوباً إلى القيادي في تيار الحكمة، فهد الجبوري، عن اتجاه رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، نحو إعلان حالة الطوارئ في البلاد، مستغلّاً حل البرلمان. إلا أن الجبوري نفى صحة هذه المزاعم التي عدّها "غير دقيقة".

ولا تزال مخاوفٌ من اقتراب الصدام المسلح، تُخيّم على البلد المُنهك من الحروب، والاقتتال الذي لا يتوقف، بعد انتشار شائعات عن رغبة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، في الانقلاب المسلّح على حكومة الكاظمي المؤقتة، بدعمٍ من الحشد الشعبي، والأحزاب الرافضة لنتائج الانتخابات، والتي هي في غالبيتها أحزاب وتنظيمات مسلّحة.

لا تزال مخاوفٌ من اقتراب الصدام المسلح، تُخيّم على البلد المُنهك من الحروب، والاقتتال الذي لا يتوقف، بعد انتشار شائعات عن رغبة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، في الانقلاب المسلّح

يفسح استمرار الأزمة السياسية المجال أمام انتشار هذه الشائعات التي بدأت بعد الدعوة إلى حصر السلاح، وتصفية الحشد الشعبي من بعض عناصره، والتي أطلقها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وردّ عليها بطريقةٍ غير مباشرة، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، إحدى تنظيمات الحشد الشعبي، أبو آلاء الولائي، بتغريدةٍ أعلن من خلالها عن "فتح باب التطوع ضمن فصائل المقاومة، استعداداً للمواجهة الحاسمة ضد الاحتلال الأمريكي، نهاية العام الجاري".

ويشهد العراق انقساماً سياسياً غير مسبوقٍ، بين رئيس الوزراء المسنود من التيار الصدري الفائز بالأكثرية النيابية، وبين الأحزاب الخاسرة المتكتلة ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، "الذي يضم أحزاب الدعوة، والحكمة، بالإضافة إلى تحالفَي النصر والفتح".

يشهد العراق انقساماً سياسياً غير مسبوقٍ، بين رئيس الوزراء المسنود من التيار الصدري الفائز بالأكثرية النيابية، وبين الأحزاب الخاسرة المتكتلة ضمن الإطار التنسيقي

يستبعد المحلل السياسي، الدكتور عثمان الموصلي، احتمال الانقلاب المسلّح، ويعدّه "مجرد تهديدات، خاصةً أن الأحزاب أدركت ضعفها شعبياً، بعد خسارتها في الانتخابات، وتالياً فإن غياب الدعم الشعبي يحدّ من قدرتها على اتّخاذ هكذا خطوة، حتى وإن رغبت فيها، إلا أن الاحتمال يبقى قائماً في حال تواصل المالكي مع القيادات العسكرية التي تجمعه بها علاقات قوية تعود إلى أيام رئاسته مجلس الوزراء، وإمكان كسبهم عن طريق الإغراء بالمناصب".

وشكّلت الانتخابات الأخيرة صدمةً لقوى سياسية كانت تسيطر على السلطة منذ عام 2005، بعد أن حاز التيار الصدري على الأكثرية العددية، بنيله 73 مقعداً برلمانياً، بينما لم تحصل أحزاب الإطار التنسيقي مجتمعةً، على ما يقارب هذا العدد، إذ حاز تحالف دولة القانون على 37 مقعداً، وتحالف الفتح على 17، بعد أن جاء في المرتبة الثانية بـ48 مقعداً في انتخابات 2018، ولم يحصد تحالف قوى الدولة، الذي يجمع تياري الحكمة برئاسة عمار الحكيم، والنصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، سوى على أربعة مقاعد، في تراجعٍ كبيرٍ عن الانتخابات السابقة التي حاز فيها العبادي على 21 مقعداً، والحكيم على 19".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، كتاب الميزان، أن "احتمال الصدام المسلح قائمٌ، منذ صدور النتائج الأوّلية للانتخابات، وتلوّح به الفصائل الولائية، كوسيلةٍ للضغط على الحكومة لتغيير هذه النتائج المعلنة، أو الاتجاه نحو التصعيد، لنيل مكاسب أكبر في الحكومة المقبلة".

احتمال الصدام المسلح قائمٌ، منذ صدور النتائج الأوّلية للانتخابات، وتلوّح به الفصائل الولائية، كوسيلةٍ للضغط على الحكومة لتغيير هذه النتائج المعلنة

حسب المحلل السياسي، غانم العابد، فإن الكاظمي "استبق إعلان النتائج النهائية للانتخابات، ووجّه رسالةً إلى المعترضين والمتّهمين ضمنياً بمحاولة اغتياله، عبر تصريحات مستشار الأمن الوطني، قاسم الأعرجي، الأخيرة مفادها "أنه لدينا أدلة سنعرضها في حال تصعيد الأزمة، ونشاركها مع مجلس الأمن، والقوى الدولية، بما يؤدي إلى تصنيف المتهمين ضمن المنظمات الإرهابية، وتالياً خسارة مكتسباتهم السياسية".

وكان المستشار السياسي لرئيس الوزراء، مشرق عباس، قد أشار إلى قرب الكشف عن المتورطين في محاولة اغتيال الكاظمي بالأدلة، إلا أن تصريحات الأعرجي الأخيرة عن مجريات التحقيق، لم تأتِ بأي دليل، مكتفياً بعرضٍ موجزٍ عن تفاصيل العملية.

شرع الكاظمي إلى مواجهة الجماعات المسلحة، من خلال إضعافها أمنياً وسياسياً وإعلامياً، تمهيداً للمرحلة القادمة، وهي الحد من نشاط هذه الجماعات عسكرياً

ويعتقد المحلّل السياسي، محمد نعناع، أن "الصدام قد بدأ فعلياً تحت مسمّى ‘فخ الاستنزاف’، إذ شرع الكاظمي إلى مواجهة الجماعات المسلحة، من خلال إضعافها أمنياً وسياسياً وإعلامياً، تمهيداً للمرحلة القادمة، وهي الحد من نشاط هذه الجماعات عسكرياً، من خلال مداهمة معسكراتها، ومخازن الأسلحة المقذوفة على وجه الخصوص، كالطائرات المسيّرة والصواريخ، وتقويض العمليات المسلّحة التي تعتمدها الفصائل، للحفاظ على استمرار زخمها، ووجودها، وشرعيتها الاجتماعية".

ويضيف: "القوات الأمنية سبق أن داهمت مجامع مسلّحة، وتجنّبت الإعلان عن ذلك، لتفادي ردود فعلٍ من بقية الأطراف المسلحة، كما شنّت عملياتٍ أمنيةً نتجت عن العثور على منصّات صاروخية في محيط بغداد، وفي شرقها، في مناطق ما بعد محمد القاسم، وممرّ القناة التي تُعدّ منطقة نفوذ هذه الميليشيات".

ويشير نعناع، لرصيف22، إلى أن "خطة الكاظمي يدعمها الصدر، وسياسيون آخرون، بالإضافة إلى مسعود برزاني، بعد أن أخلّت هذه الجماعات بهيبة عاصمتهم، بعد قصفها للقنصلية الأمريكية في أربيل، ويُعتقد أن المالكي قد وافق على هذه الخطة، على الرغم من أنه من محور الفصائل، لقاء نيله مناصب مناسبة".

خطة الكاظمي يدعمها الصدر، وسياسيون آخرون، بالإضافة إلى مسعود برزاني، بعد أن أخلّت هذه الجماعات بهيبة عاصمتهم، بعد قصفها للقنصلية الأمريكية في أربيل

وتتجاوز الأزمة الحالية الاعتراض على نتائج الانتخابات، إلى "رفض المعترضين تقويض قوّتهم السياسية الطامحة للحصول على مواقع سيادية، إلا أنها فشلت في تحقيق غايتها، بعد أن خذلتهم جماهيرهم في الانتخابات، ورغبتهم في الحفاظ على اتصالاتهم بالقضاء، ومنع محاسبة رموزهم وقياداتهم، بالإضافة إلى الحفاظ على دورهم الإقليمي في المنطقة، ومنع إضعاف نفوذهم ضمن محورَي المقاومة والممانعة"، حسب نعناع.

حاول الإطار التنسيقي، بعد الاجتماع الذي جمعهم بالصدر، بثّ أجواء إيجابية حول فحوى الاجتماع، وحول اتّفاقٍ وشيكٍ على حكومة يكون الإطار جزءاً منها

وحاول الإطار التنسيقي، بعد الاجتماع الذي جمعهم بالصدر، بثّ أجواء إيجابية حول فحوى الاجتماع، وحول اتّفاقٍ وشيكٍ على حكومة يكون الإطار جزءاً منها، إلا أن هذه الأجواء لا تعكس توجّه الصدريين الذين يرون أن الحكومات التوافقية لم تأتِ بأي نتيجة إيجابية في السنوات الماضية.

وعن احتمال التصعيد، يشير الباحث في الشؤون السياسية غانم العابد، لرصيف22، إلى "ارتباط هذا الأمر بكيفية استجابة الميليشيات مع رسالة الكاظمي الضمنية. ففي حال رفضها، وتوجهها نحو الفوضى، وهي ورقتها الوحيدة المتبقّية، لن تبقى حكومة طوارئ، أو غيرها، بسبب عدم قدرة البلاد على الخروج من الفوضى، إلا عن طريق الاقتتال الداخلي، والحرب الأهلية، أو التقسيم".

من جهته، يعتقد الموصلي بأن "استمرار الاضطراب سيوّلد تدخلاً عسكرياً أمريكياً، لمنع ازدياد نفوذ إيران في المنطقة، وهو الدافع ذاته الذي يحثّها على التهدئة، والحفاظ على تواجدها العسكري في العراق"، مشيراً إلى أن "الأحزاب السياسية أدركت هذا الواقع، وتحاول تلافي الصدام، والوصول إلى تفاهمات جديدة، وتنازلات أخرى، لقاء الحفاظ على بعض مكتسباتها السياسية".

في هذا الوقت، ليس أمام العراقيين سوى أمل ضئيل بالخروج من الأزمة الحالية، لتفادي حربٍ أهلية، أو دولية أخرى، من شأنها الانحدار بهم نحو مستنقع أسوأ من الذي يغرقون فيه الآن، وهم مقتنعون بأنه ستكون أمامهم سنوات عديدة للخروج منه. توتر وترقّب اعتاد عليهما العراقيون، الذين يدفعون دائماً ثمن تهوّر سياسييهم، وطموحاتهم الشخصية التي لا تنتهي، والسلاح لمواجهة التغيير الديمقراطي الذي حصل في صناديق الاقتراع، قبل أكثر من شهر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard