"هرباً من دمشق"... سوريون يصطفّون في طابور "الإمارات"

الأربعاء 22 ديسمبر 202111:03 ص

في أثناء المرور من منطقة البرامكة، في العاصمة دمشق، عابراً باتجاه العمل، أو أي مقصدٍ آخر، حشد من المواطنين يصطفّون في طابور طويل أمام مبنى إدارة الهجرة والجوازات، منتظرين حصولهم على وثيقة تخوّلهم السفر إلى بضع وجهات محددة، في ظل امتناع الغالبية الكبرى من دول العالم عن استقبال السوريين، أو منحهم تأشيرات الدخول.

طابور كفيلٌ بأن يعكس مدى سوء الحال الذي وصلت إليه البلاد، بعد سنوات الحرب العشر، ويصوّر حقيقةً مفادها رغبة كثيرين في الخروج بحثاً عن مستقبل جديد، في بلادٍ ضاق فيها الأمل حتى انعدم، عند فئة كبيرة من سكانها، لا سيما الشباب منهم، لأن معدّل البطالة العام الذي سجل نسبة 14.9%، و35.8% لبطالة الشباب بين 15 إلى 24 سنةً، عام 2011، أي في آخر سنوات الهدوء، قد وصل إلى مستويات أكثر خطورةً، حددها رئيس المكتب المركزي للإحصاء، الدكتور إحسان عامر، بنسبة تُقدّر في عام 2019 بنحو 31.2 في المئة، من قوة العمل البالغة 5،396 مليون نسمة، في حين كانت قد وصلت إلى 48.4 في المئة في عام 2015، الأمر الذي يبرر استمرار نزيف الطاقات الشابة، واختيار نسبة كبيرة من الخريجين والخريجات الجامعيين، قرار السفر.

بعد سنوات الحرب العشر، هناك حقيقة واضحة تُفيد برغبة كثيرين في الخروج بحثاً عن مستقبل جديد، في بلادٍ ضاق فيها الأمل حتى انعدم، عند فئة كبيرة من سكانها، لا سيما الشباب منهم

مع اشتداد حدّة الحرب، وما تبعها من أزمات اقتصادية ومعيشية، طافت قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط، وبحر إيجة، محمَّلةً بعشرات آلاف السوريين المهاجرين غرباً، واحتشد غيرهم على حدود اليونان ودول شرق أوروبا قادمين من تركيا، فيما غصّت مخيمات اللجوء في لبنان والأردن باللاجئين، خلال سنوات الحرب الأولى، وكانت النتيجة خروج أكثر 6.7 مليون سوري طلباً للجوء في 130 دولة حول العالم، 5.5 مليون منهم في دول الجوار، حسب تقرير نشرته الأمم المتحدة في آذار/ مارس 2021.

وجد السوريون طريقهم نحو دولٍ أكثر قرباً، كمصر والسودان والإمارات العربية المتحدة والعراق، مستفيدين من الأجواء الدبلوماسية التي شهدت تحسّناً ملحوظاً 

اختلف الأمر في العامين الأخيرين، بعد إغلاق الدول الغربية بوابات اللجوء، وما تبعها من إغلاق عالمي بفعل أزمة كورونا، فوجد السوريون طريقهم نحو دولٍ أكثر قرباً، كمصر والسودان والإمارات العربية المتحدة والعراق، مستفيدين من الأجواء الدبلوماسية التي شهدت تحسّناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وبدأت أعداد المغادرين باتجاه تلك الدول تأخذ منحى تصاعدياً، لا سيما باتجاه الإمارات التي أعادت فتح بوابة التأشيرات لمختلف أنواع الإقامات للسوريين.

واستفاد السوريون من انخفاض كلفة التأشيرة إلى الإمارات، والتي تجاوزت ثلاثة آلاف درهم عام 2012، للإقامات المؤقتة، فيما أشارت دوتشيه فيلليه الألمانية إلى أن كلفة الإقامة لمدة سنتين وصلت إلى نحو ثمانية آلاف دولار عام 2014 للسوريين الراغبين في الإقامة في الإمارات.

يؤكد الشاب أنس ملا، أن "أحد أهم أسباب انتقاله إلى الإمارات مؤخراً، هو غلاء المعيشة، وغياب أقل ما يمكن من مقوّمات العيش الكريم"، قائلاً: "أقل الحقوق صارت معدومةً في سوريا. كل إنسان يتمنى أن يتأمن كل شيء له في وطنه، وأن يعيش بين أهله، ولكن وصلنا إلى وضعٍ لا يُحتمل".

أقل الحقوق صارت معدومةً في سوريا. كل إنسان يتمنى أن يتأمن كل شيء له في وطنه، وأن يعيش بين أهله، ولكن وصلنا إلى وضعٍ لا يُحتمل

ويضيف ملا لرصيف22: "وصلت إلى الإمارات، ورأيت حياةً مختلفة تماماً، مقارنةً مع سوريا. كل شيء هنا مؤمَّن. ولأن البلد مفتوح أمام كل مواطني بلدان العالم، اختار السوريون أن يأتوا إلى هنا".

تُرجّح الأرقام التقديرية، كونه لا توجد أرقام رسمية بعد، أن عدد السوريين الإجمالي الذين حصلوا على تأشيرة الإقامة، أو يقطنون في الإمارات، وصل عام 2018 إلى نحو 430 ألفاً، فيما أفاد سفير الإمارات في كندا، محمد سيف هلال الشحي، في تصريحات صحافية عام 2017، إلى أن دولته "احتضنت على أراضيها نحو 250 ألف مقيم سوري، منهم 30 ألف طالب في مختلف المراحل التعليمية والأكاديمية في الدولة".

تُرجّح الأرقام التقديرية، كونه لا توجد أرقام رسمية بعد، أن عدد السوريين الإجمالي الذين حصلوا على تأشيرة الإقامة، أو يقطنون في الإمارات، وصل عام 2018 إلى نحو 430 ألفاً

وحسب المعطيات السابقة، فإن الأعداد تضاعفت بعد أزمة كورونا، وصارت "الفيزا الإماراتية" موضع استثمار في سوق السفر السوري، إذ وصلت كلفتها لشهر واحد بين 160 و180 دولاراً، وبين 300 و400 دولار للإقامة ثلاثة أشهر، وما بين 2600 و2900 دولار لإقامة السنتين، وذلك بعد تواصل رصيف22 مع عشر شركات متخصصة بالسياحة والسفر في دمشق ومحافظات أخرى، فيما حددت السلطات الإماراتية الكلفة للذكور والإناث بـ550 درهماً للفيزا التي مدّتها شهر، أي نحو 149 دولاراً، و1100 درهم للفيزا التي مدّتها ثلاثة أشهر، أي 299 دولاراً، ما يعني أن الشركات تركت لنفسها هامش ربحٍ يتراوح في غالب الأحيان بين عشرة دولارات للإقامات القصيرة، ونحو 100 دولار للإقامات المتوسطة.

أرخت الحرب في سوريا بثقلٍ كبير على كاهل سكانها، لا سيما الشباب منهم، وتعددت أشكال الطوابير، على محطات الوقود والأفران وبائعي الغاز وغيرها، حتى وصل الحال بهم إلى الاصطفاف في خطوط طويلة للحصول على وثائق السفر، بحثاً عن فرص جديدة ليبدأوا منها صناعة مستقبلهم الذي كادت الحرب أن تقضي عليه، تاركين وراءهم خلافات السياسة، وتركات الأزمات المتعاقبة.

يقول الشاب يوسف حمود، لرصيف22: "اخترت الإمارات لأنها البلد الوحيد الذي غالبية الناس فيه يشعرون بالانتماء. الموضوع غريب، ولكن هذا ما شعرت به حين أتيت، والإنسان حين يجتمع بأولاد بلده في الخارج، يشعر بالفرح والسعادة في الوقت نفسه"، مشيراً إلى أنه في دبي يقيم الموالون والمعارضون الذين "يحمّلهم مسؤولية تركه سوريا".

غادرت سوريا لأنني شعرت بأنها تحاربني، وعود لا تتحقق، أبسط المقوّمات مفقودة، كالكهرباء والمياه. البلد صار مظلماً، أحلامي فيه ماتت

ويضيف حمود، الذي لم تكن لديه مشكلة الخدمة الإلزامية كغيره من الشباب: "غادرت سوريا لأنني شعرت بأنها تحاربني كمواطن، نتيجة الوعود التي لا تتحقق، وأبسط المقوّمات المفقودة، كالكهرباء والمياه. البلد صار مظلماً، وماتت أحلامي فيه"، وتابع أنه يشعر بأنه "ضحية صراع وصمود".

بدوره، يؤكد الفنان الشاب طارق معروف، أن "أهم سبب لمغادرته إلى الإمارات، هو قضاء مدة زمنية تخوّله دفع بدل الخدمة الإلزامية"، قائلاً: "موضوع عدم تحديد مدة الخدمة العسكرية هو أهم موضوع. أنا قادر على الإنجاز لبلدي، وفي بلدي، على الرغم من ضعف الإمكانية، لكن موضوع الخدمة هو الذي جعلني أغادر. لديّ في دبي فرص أكبر، وهم يساعدونك في كل شيء"، واصفاً حالته بـ"الحزينة، فالغريب يمدّ لي يده، فيما القريب لم يساعدني".

وراء السفر إلى دبي خليط من أسباب اقتصادية، ومغامرة للحصول على فرص عمل، وعدم إدراك للواقع الحقيقي، معتقدين أن الحصول على عملٍ أمر بسيط في الإمارات

وترى الخبيرة الاجتماعية هبة موسى، أن "لهجرة السوريين أسباباً عديدةً، منها البحث عن مخارج للضغوط التي يعيشونها، بهدف الحصول على الراحة والرفاهية وفرص العمل، لتجاوز الواقع الاقتصادي المتأزم"، مشيرةً إلى أن "الهجرة إلى دبي صارت بمثابة تراند بالنسبة إلى السوريين، ومنهم كثر تأثّروا بما تم الترويج له عبر التواصل الاجتماعي"، مؤكدةً أن "الحالة خليط من أسباب اقتصادية، ومغامرة للحصول على فرص عمل، وعدم إدراك للواقع الحقيقي، معتقدين أن الحصول على عملٍ أمر بسيط في الإمارات".

ويصف كثيرون اليوم دبي بـ"دمشق" الثانية، نظراً لكثرة أعداد الوافدين السوريين إليها، وافتتاح العديد من المطاعم والمقاهي والمحال التجارية ذات الطابع السوري، والدمشقي، والحلبي، الأمر الذي يعكس أيضاً حجم الاستثمارات المالية الضخمة التي نقلها السوريون إلى الإمارات، والتي لا يمكن حصرها برقمٍ محدد، وترجح بعض المصادر غير الرسمية وصولها إلى مليارات الدولارات، والتي في كل الأحوال لا تشكّل سوى جزء بسيط من حجم الاقتصاد في الإمارات.

ويشير أحد الناشطين السياسيين السوريين، الذي غادر إلى الإمارات مؤخراً، وتحفّظ عن ذكر اسمه، إلى أن "رجال الأعمال السوريين غير قادرين أبداً على المنافسة في أسواق الإمارات، لا مادياً ولا إدارياً"، عادّاً أن "كثافة الهجرة السورية إلى الإمارات مؤخراً، هي بسبب حاجة السوريين إلى العمل، وليس حاجة الإمارات إلى العمالة السورية، لأنها قادرة على استقطاب العمّال والموظفين من كافة أنحاء العالم بسهولة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard