عن مفهوم "الصفقة" في السياسة اللبنانية

الأربعاء 22 ديسمبر 202105:19 م

خرج رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، في 20 كانون الأول/ ديسمبر، بعد لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، غاضباً ومتجهماً, وعند سؤاله عن "الصفقة"، قال إنه غير معني بها! قالها بصوت مرتجف وكأن الدنيا شارفت على الإطباق على رأسه وعلى رؤوسنا.

لكن ما يُحكى في كواليس السياسة، وما نعرفه عن ميقاتي وعن النظام اللبناني برمته، يدلّنا على أن تصريح رئيس الوزراء المذكور هو جزء من مسار البحث عن شروط مناسبة أكثر يحصّل فيها مكاسب أكثر.

و"الصفقة" التي سئل عنها ميقاتي هي عبارة عن عملية مقايضة تضرب ثلاثة عناصر أساسية، أو سلطات أساسية، تشكّل عنواناً لأي نظام سياسي ديمقراطي. العنصر الأول هو حقّ الناس في الاقتراع، وما تطلبه تلك "الصفقة" هو التلاعب بالنتيجة الممكنة عن طريق حصر المقترعين المغتربين في دائرة واحدة بحيث ينعدم تأثيرهم أو يقلّ إلى درجة صفرية. والعنصر الثاني هو كفّ يد القضاء عن استكمال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. والثالث هو ربط استكمال السلطة التنفيذية لمهامها بتحقيق الشرطين أعلاه.

تطال "الصفقة" إذاً السلطة التشريعية عن طريق التحكّم بتشكيلها ومحاولة ضبطها لمصلحة أحد أطراف القوى السياسية، وكذلك تطال السلطة القضائية عن طريق الوصاية عليها ومنعها من استكمال مسار التحقيق، وتصل مفاعيلها إلى تقييد السلطة التنفيذية بشروط غير مرتبطة بالعناية بهموم الناس، في زمن الانهيار، إنما بأهواء "القيادات" السياسية التي تريد التحكم بكل صغيرة وكبيرة في هذه البلاد.

ليست "الصفقة" الحالية التي يُعمل عليها في كواليس السياسة في لبنان، والتي يخرج الحديث عنها بوقاحة إلى العلن، والتي أُعلن عن سقوطها المؤقت، حالة استثنائية في مسار النظام اللبناني. فعند كل تأزم سياسي، يجري الحديث عن البحث عن ثعرات قانونية ودستورية وعن "صفقات". كما لو أن الثابت في الدستور هو ثغراته، وأن الاستثناء فيه هو متنه الثابت المرتبط حكماً بسكون العلاقة بين القوى النظام المتصارعة.

كلما توترت العلاقة بين مكوّنات من قوى السلطة، يكون مصير الدستور مزيداً من "الخردقة"، بحثاً عن ثغرة ما، ومزيداً من التهميش والذبح على عتبة "الصفقة".

"كلما توترت العلاقة بين مكوّنات من قوى السلطة، يكون مصير الدستور مزيداً من ‘الخردقة’، بحثاً عن ثغرة ما، ومزيداً من التهميش والذبح على عتبة ‘الصفقة’"

في النظام اللبناني، يكون الدستور في حالته الطبيعية معلّقاً، ويكون النظام الدستوري الحقيقي عائقاً أو مانعاً يمنع النظام من استكمال أهدافه المتمثلة لا بالعدالة الاجتماعية ولا بحق تمثيل فئاته كافة إنما بضبط العلاقة بين "قيادات" أعلى من الدستور والقوانين.

هو نظام لا يحسن الوصول إلى تنظيم طريق الوصول إلى العدالة في ما يخص المسائل الجنائية إلا إذا رضيت "القيادات" وسمحت بذلك، تلك القيادات التي، للمفارقة، تكون هي الجانية في أغلب الأوقات. وهو نظام يشرط حق المواطنين في اختيار ممثليهم بسماح "القيادات" بذلك: وويل للمقترعين إذا شمّت إحدى "القيادات" رائحة تبدّل في مزاجهم وتبدّل قد يزعزع ركناً من أركان المنظومة.

وهو لا نظام، أو هو انتظام مهترئ، ينّظم العلاقات بين قوى تتترس بـ"حقوق الطوائف" للحفاظ على حالة "حرب دائمة" بين الناس، والنفخ في "حرب الجميع ضد الجميع"، إذا استخدمنا تشبيه توماس هوبس حول الحالة الطبيعية الأولى.

"النظام اللبناني هو انتظام مهترئ، ينّظم العلاقات بين قوى تتترس بـ‘حقوق الطوائف’ للحفاظ على حالة ‘حرب دائمة’ بين الناس، والنفخ في ‘حرب الجميع ضد الجميع’"

يضع النظام اللبنانيين في مساحة لا تندلع الحرب فيها بشرط عدم التعدّي على المساحات التي تحجزها كل "قيادة" لنفسها. ولذلك، يكون الانتظام مرشحاً دائماً للانهيار في أي لحظة. وتكون حالة الحرب المرجّحة دائماً هي السبب الذي يمنع انتظام أية حالة دستورية حقيقية.

عند كل محطة وكل أزمة، يروّج هذا الانتظام لفكرة البحث عن ثغرة دستورية يستغلها لبقاء الأمور على ما هي عليه. الدستور صار "خرقة" تمسح "القيادات" بها أخطاءها، لا بل تشرعنها عن طريق مفهوم الثغرة و"الصفقة".

تضرب فكرة "الصفقة" مبدأ الفصل بين السلطات الذي لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يخرج عليه. وفي النهاية، قد لا تنجح "الصفقة" بين عناصر النظام، ليس لعدم شرعيتها، بل لانعدام الثقة المؤقت بين القوى الباحثة عنها، فيكون عدم النجاح هذا أرضية تؤسس لـ"صفقة" أخرى.

وفي كل الأحوال، يُحجب الدستور وتعطَّل القوانين، ويُضرب بعرض الحائط مبدأ الفصل بين السلطات، وهي سلطات وجودها معلّق على رغبات الرؤوس القادرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard