العيش بالحدّ الأدنى... شبكات الحماية الاجتماعية للأحزاب في ظلّ غياب "الدولة"

الأحد 19 ديسمبر 202111:44 ص

الزمان: قبل نحو ثلاثة أشهر تقريباً، في آب/ أغسطس الماضي تحديداً. كان الحديث بيننا يدور حول مسألة رفع الدعم عن المحروقات. اتفقنا على أن هناك رفعاً للدعم عن المحروقات، والسلع كافة، التي كانت لا تزال مدعومةً في الماضي القريب، وأجمعنا على أنه إذا رُفع الدعم، سيكون هناك إجراء ما تتخذه الدولة.

أجمعنا على أن شيئاً ما سيحدث، وأن فراغاً ما سيُملأ... لكن "الدولة" خلقت الفراغ، وكفّت يدها عن شؤون مواطنيها، وتركتهم فريسةً للجوع، أو الخوف منه، ويبدو أنها ستستمر في كفّ يدها، وخلق الفراغ في الأفق المنظور.

بعد ثلاثة أشهر، في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2021، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي إطلاق المشروع الطارئ لشبكة الأمان الاجتماعية، ومشروع منصّة دعم البطاقة التمويلية الممولَين بقروضٍ من البنك الدولي.

يغطّي البرنامج الأول 150 ألف أسرةٍ من  الأكثر فقراً في البلاد، بتقديماتٍ تبلغ 25 دولاراً تُضاف إليها 25 دولاراً أخرى عن كلّ فردٍ في الأسرة، وحتى ستّة أفراد، كما يقدّم مبلغاً عن كلّ تلميذٍ من أبناء هذه الأسر المسجّلين في المدارس الرسمية، مع دفع الرسوم المدرسية مباشرةً إلى المدارس. أما المشروع الثاني، فيغطّي 750 ألف عائلةٍ أخرى، بتقديماتٍ قدرها "25 دولاراً لكلّ فردٍ، مع 15 دولاراً إضافياً للشخص الذي يفوق عمره الـ64 عاماً، على أن يكون الحدّ الأقصى للأسرة الواحدة 162 دولاراً".

تبدأ هذه المساعدات في الأول من آذار/ مارس 2022، بمفعول رجعي عن شهرَي كانون الثاني/ يناير، وشباط/ فبراير.

وفي هذه الأثناء، وفي انتظار تحقق وعودٍ طال انتظارها، بدأت الأحزاب (كلّ حزبٍ ضمن نطاق انتشاره الجغرافي)، بإطلاق برامج خاصّة لدعم العائلات المحتاجة في مجالات الصحة والطاقة والغذاء والملبس، وغير ذلك، وفق ما أسمته في أدبياتها، وعبارات ناشطيها، بـ"حماية الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي للناس".

كيف يرى الناس هذه المساعدات، وأهدافها؟ وكيف توزّعت خريطة ملء فراغ الدولة؟ وكيف تعمل الأحزاب السياسية المختلفة في ظلّ الانهيار؟ وكيف تخلق شبكات تماسكٍ اجتماعيٍّ في مناطقها، في بلادٍ طال الفقر ثلاثة أرباع سكّانها؟

شكرٌ يغطّي البلاد

رجل يسأل جاره عن كيفية حصوله على حصّةٍ غذائية. امرأة تسأل صديقتها عن الرابط الخاص بالمنصّة التي توزّع علب حليبٍ للأطفال، أو أدويةً. هنا توزيع للخبز، وهناك "كرتونة" مواد غذائية عليها ملصقات حزبٍ ما. هنا مركز توزيع أدوية، ومستوصف، وهناك أحاديث عن مبالغ مالية توزَّع على المحازبين، وعلى الناس المحيطين بهم. إعلان عن مطابخ متنقّلة في المناطق. منصّة تسجيلٍ حكوميةٍ معطّلةٍ، أو مؤجّلة، أو بلا تمويل.

هذا حال اللبنانيين اليوم، وهذا ما يشغلهم. وبين حديثٍ وآخر، لا تتأخّر عبارات مثل "أمّنلي علبة الدوا بكون ممنونك"، و"وصلتك الكرتونة؟".

على وسائل التواصل الاجتماعي، تنتشر عبارات الشكر لهذا الحزب، أو تلك الحركة، أو تيك الجمعية، لوقوفها إلى جانب هذه المجموعة، أو تلك، في محنتها.

صورة البلاد العامّة اليوم، تُختصر بمقدّمي الخدمات الطبية والصحية والاجتماعية، ومتلقّين وشاكرين. مساعدتهم مشروطة طبعاً بالانتماء إلى جماعةٍ سياسيةٍ ما، وبالتأكيد ترتبط بتطابق مذهبهم الديني، مع مذهب الجهة المساعدة.

حزب الله ينشط في مناطق انتشاره، عبر توزيع الأدوية، وتقديم الخدمات الطبية، من فحوصاتٍ سريريةٍ، ومخبريةٍ، وصور أشعّة، وعبر تأمين بطاقات حسومات على السلع الغذائية، كبطاقة "السجّاد". ويعلن ناشطوه على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الحصول على هذه البطاقة مفتوح للجميع، وليس محصوراً بمناصري الحزب أو بالشيعة، فحسب.

كذلك ينشط الحزب في مجال توزيع المحروقات للتدفئة، أو لاستخدامها في تشغيل مولّدات الكهرباء، وكان أمينه العام قد أعلن عن دفعاتٍ جديدةٍ من شحنات الوقود الإيراني، ستصل عن طريق مرفأ بانياس السوري، وتدخل عبر الحدود اللبنانية السورية، كما دفعات سابقة دخلت على وقع الاحتفالات، وإطلاق الزغاريد، والرصاص، والمفرقعات، ابتهاجاً. قسم من المازوت الذي يوزّعه الحزب عبر محطاته، يبيعه بسعرٍ أقلّ بقليل من السعر الرسمي، وآخر يوزّعه على البلديات، ودور الرعاية، والمستشفيات.

بدوره، يقوم حزب القوات اللبنانية بتوزيع حصصٍ غذائيةٍ، ويقدّم الخدمات الطبية عبر مستوصفاته الموزّعة على مناطق مختلفة. وتبرز في هذا المجال خطّة "​النقل المشترك​ النموذجي"، التي أعلن عنها نائب القوات اللبنانية زياد حواط، في منطقة جبيل، والتي تهدف، حسب ناشطين قواتيين، إلى تخفيف كلفات النقل على القاطنين في تلك المنطقة، وتعزيز تنميتها، عبر وصل ساحل جبيل بجبلها، بعد أن "تخلّت الدولة عن كلّ واجباتها"، حسب ما قال حواط.

كذلك ينشط الحزب التقدّمي الاشتراكي، عبر مؤسساته، كمؤسسة الفرح، ويوزّع حصصاً غذائية، ومواد طبيةً، وخدماتٍ عبر المستوصفات المنتشرة في المناطق التي يتواجد فيها، بالإضافة إلى دعم مشاريع زراعية، وصناعات محلية.

المنوال ذاته تسير عليه مجموعات كثيرة، كالتيار الوطني الحرّ، وتيار المستقبل، وحركة أمل التي تنشط بشكلٍ أساسيٍّ في مجال الربط مع الاغتراب الشيعي، عبر جمعيات خيرية يديرها مغتربون، وتتولى توزيع الإعانات، وتوزّع مساعداتٍ ماليةً محدودةً على الأسر المحازبة لها.

كما دخلت مجموعات جديدة على الخطّ، مثل الدور الذي تلعبه المؤسسات التابعة لبهاء الدين الحريري، كمجموعة "سوا للبنان"، و"مؤسسة نوح"، وغيرها، والمنتشرة في المناطق ذات الأكثرية السكانية السنّية.

"المساعدات حقّ"

يستفيد ن. ح. (44 عاماً)، وهو موظّف في شركةٍ خاصّةٍ مقيم في بيروت، من المساهمة التي يقدّمها حزب الله عن طريق بطاقة السجّاد، ويستحصل على حسوماتٍ على المواد الغذائية، وغيرها، تصل إلى 30%.

بالإضافة إلى إيمانه بخطّ هذا الحزب، في ما خصّ المقاومة والخيارات السياسية الكبرى، يرى أن المساعدات حقّ، ومسألة ضرورية من أجل استمرار الناس على قيد الحياة. يقول: "نحن الذين انتخبنا لوائح الحزب في الانتخابات النيابية الماضية، بناءً على معايير كثيرة، ووضعنا ثقتنا بهذا الحزب، لذا أصبح من الواجب عليه في المقابل أن يساعدنا. وأنا قلت قبل فترةٍ للّذين يعنيهم الأمر في الحزب: أنا انتخبتكم، وأنتم مجبَرون على مساعدتنا".

رجل يسأل جاره عن كيفية حصوله على حصّة غذائية. امرأة تسأل صديقتها عن الرابط الخاص بالمنصة التي توزع علب حليب للأطفال، أو أدوية... هذا حال اللبنانيين اليوم، وهذا ما يشغلهم. وبين حديث وآخر، لا تتأخّر عبارات مثل "أمّنلي علبة الدوا بكون ممنونك" و"وصلتك الكرتونة؟"

هذا الرأي حول عملية تبادل المنافع، منتشر بشكلٍ كبير. وبالإضافة إلى ذلك، نجد الآراء التي تربط المساعدات بالإستراتيجيات الكبرى. فأحمد (45 عاماً)، الذي يمتلك متجراً لبيع المواد الغذائية في ضاحية بيروت الجنوبية، يرى أن المساعدات التي تقدّمها مؤسسات حزب الله "من الهيئات المكلَّفة بتوزيع المازوت على القرى والبلديات، إلى الأدوية والفحوصات التي تتكفّل بها الهيئة الصحية الإسلامية، وصولاً إلى المساعدات التي توفّرها بطاقة السجّاد، تعني أن حزب الله يقف إلى جانب ناسه وأهله وبيئته، في ظلّ هذه الأزمة، وهذا الحصار على بيئة المقاومة الذي يهدف إلى حشر الناس معيشياً، من أجل أن يبتعدوا عن خياراتهم السياسية".

برأيه، ما يجري في لبنان حرب اقتصادية. ويرى أن مساعدة الناس ليست مسألةً غريبةً عن حزب الله، الذي "كان السبّاق في مساعدة الناس دائماً"، ويضرب المثال الآتي: "في الفترة التي كانت تتعرّض فيها الضاحية لظلمٍ في توزيع مياه الشرب، في فترة الحرب الأهلية، كنّا نرى خزّانات المياه منتشرةً في كلِّ زاويةٍ من زواياها"، في إشارةٍ إلى خزّاناتٍ كان يملأها حزب الله بمياهٍ صالحةٍ للشرب، ليستفيد الناس منها مجّاناً. ويختم: "طالما السيّد (حسن نصر الله) موجود، فنحن بألف خير".

تخلق المساعدات وحدة حال بين الناس والأحزاب التي تقدّم مساعدات. فمثلاً، لا تخفي م. ع. (60 عاماً)، القاطنة في منطقة الشويفات، تعاطفها الشديد مع "الجانب الإنساني" الذي يميّز الحزب التقدمي الاشتراكي في التعامل مع أبناء منطقته، "فالناس بحاجةٍ في هذه الظروف الصعبة إلى العون، وإلى مَن يمدّ لهم يد المساعدة، وتلك الفئة من النّاس لم تجد إلا هذا الحزب إلى جانبها، في وقت الأزمات"، تقول وتضيف: "في وقت الأزمات تظهر معادن الناس".

لكن هناك في المقابل كثيرين يرفضون مسألة تبادل الخدمات هذه، ويرفضون تلقّي الإعانات والمساعدات من الأحزاب، على الرغم من حاجتهم إليها.

من هؤلاء ج. ب. ( 27 عاماً)، المقيمة في بلدة برجا، في منطقة الشوف، وهي بلدة سكّانها من الطائفة السنّية. تعبّر عن امتعاضها من عملية امتصاص النقمة الشعبية التي تقوم بها الأحزاب، وتقول: "في المنطقة حيث أقيم، كانت هناك نقمة كبيرة على كل الأحزاب إبّان الثورة، على (رئيس الحكومة الأسبق سعد) الحريري، وغيره، لكن التقديمات ساهمت في عودة الناس إلى دعمها".

وتشير إلى دخول تنظيماتٍ أخرى إلى مجال السياسية، عبر توزيع الإعانات، أو عبر توظيف شبكة عاملين يتلقّون أجورهم بالدولار. تتحدث عن "مؤسسة نوح" التي تديرها حسناء الحريري، زوجة بهاء الدين الحريري، وتنشط في مجال تقديم حليب الأطفال، وعن الحفاضات التي تقدّمها مؤسسة تابعة لسعد الحريري.

"عَتَب بالأملية"

صوت العتب والشكوى من الأحزاب، يصدح به أ. ح. (39 عاماً)، العامل في محل ألبسةٍ، والمقيم في بيروت. يكافح من أجل إطعام طفله حديث الولادة، ولديه "عتب كبير" على الأحزاب التي "من المفترض أن تهتمّ بنا"، كونه يؤمن بخطّها السياسي، وهو يعلن عن ميوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي كلّ مناسبة.

يشكو من أنه يضطر إلى التوجّه إلى مؤسساتٍ أخرى، وجمعياتٍ أخرى تتبع لجهاتٍ سياسيةٍ تعارض توجّهه السياسي، من أجل الحصول على حليبٍ لطفله. ويروي أنه توجّه مؤخراً إلى جمعية حسناء الحريري، "من أجل الحصول على حليبٍ لطفلي"، وأنه حصل على حصصٍ غذائية من جمعيةٍ أخرى، "أما الحزب الذي أنتمي إلى خطّه، فلم يقم بما يُفترض أن يقوم به".

وبعتبٍ من نوعٍ آخر، يتحدّث حسن (35 عاماً)، وهو عامل في مجال تصليح الأدوات الكهربائية، ويقيم في منطقة حيّ السلم، عن عدم كفاية المساعدات في منطقته التي تُعدّ من أفقر أحياء ضواحي بيروت الجنوبية من ناحية، وعدم عدالتها من ناحيةٍ أخرى.

يقول إنها تُوزَّع بحيث يستفيد منها المحازبون فحسب، دون بقيّة الناس، وهذا ما يجعل الغالبية العظمى تعاني، ويسأل مستغرباً رفض الحريّة في عدم التحزّب: "هل من الطبيعي أن يظلّ غير المتحزّبين في حالةٍ من الفقر والعوز، في حين يتنّعم المتحزّبون بالخيرات؟".

"نحنا مش مناح بحق حالنا"، يقول. لكنه يضيف أن المشكلة ليست في القيادات، إنما في مَن يتولّون تنظيم توزيع المساعدات على الناس.

"في المنطقة حيث أقيم، كانت هناك نقمة كبيرة على كل الأحزاب إبّان الثورة، على (رئيس الحكومة الأسبق سعد) الحريري، وغيره، لكن التقديمات ساهمت في عودة الناس إلى دعمها"

غياب المساعدات، أو توقّع مساعداتٍ أكثر، أثار حالةً من النقمة بين أبناء منطقة البقاع الأوسط، والبقاع بشكلٍ عام. يتحدّث المدرّس و. ع. (35 عاماً)، عن شكوى الناس في تلك المنطقة الباردة شتاءً، بشكلٍ أساسيّ من مسألة توزيع وقود التدفئة، والذين بدأ امتعاضهم يظهر مع بدء المرحلة الثانية من مراحل وصول الوقود الإيراني إلى لبنان؛ كانوا يعتقدون أنهم سيحصلون على برميل وقود التدفئة مجّاناً، وفق ما أشاع ناشطو حزب الله، "لذلك تريّثوا في شراء المازوت، عندما كان يُباع بأسعارٍ أقلّ قبل أشهرٍ عدّة".

"الناس اللّي ما عندهم حدا"

تعمل سحر (50 عاماً)، في مجال التنظيفات في إحدى مدارس بيروت، منذ ما يزيد عن 19 عاماً. تقول إن الحالة المادية التي تعاني منها، لا يقدر أيّ إنسانٍ على تحمّلها، فهي تعمل مقابل 30 ألف ليرةٍ يومياً (دولار ونيّف تقريباً)، لكن انتقالها من مكان سكنها، في خلدة، إلى بيروت حيث تعمل، يكلّفها أكثر من 30 ألف ليرة.

تنتظر ساعاتٍ أحياناً حتى تتمكّن من إيجاد حافلةٍ يرضى صاحبها أن يتقاضى مبلغاً أقلّ من المبلغ المتعارَف. تقول إن الحالة اليوم أقرب إلى الذلّ، منها إلى العيش. وعند سؤالها عن المساعدات التي تقدّمها الأحزاب في منطقة سكنها، تقول إنها لم تحصل على شيء.

وهنا، تتدخل رفيقتها التي تعيش الظروف نفسها، وتعاني من مرض ترقّق العظام، لتقول إنّ فاتورة الدواء التي تدفعها، تبلغ قيمتها ما يزيد عن مليون ليرة شهرياً، وتشكو كيف جالت على مستوصفات الأحزاب كافة، من دون أن تحصل على مرادها. وتضبف أن آخر محاولاتها كانت التوجّه إلى مركز "المخزومي" الطبّي التابع لفؤاد المخزومي، أحد المتموّلين في بيروت، حيث قالوا لها إن الدواء مقطوع.

تنتمي الشاكية إلى عائلةٍ بيروتيةٍ معروفة، وتقيم في منطقة طريق الجديدة، وعلى الرغم من ذلك، لا تحصل على أيّ مساعدة. تتدخل زميلة ثالثة لهما، وتعلّق قائلةً: "بكرا بس تقرّب الانتخابات، بتبلش المساعدات"، فتهزّ رفيقنها رأسها مؤيّدةً ما تقول.

"نسمع عنها، لكننا لا نراها. بيوزّعوها عَ بعض"، تقول سيدة ستينية تقطن في طريق الجديدة منذ ما يزيد عن 30 عاماً، ولديها متجر صغير لبيع البقوليات والسمانة، مضيفةً: "هناك تجاهل تامّ من الدولة للناس. جميع القوى تساهم في استمرار سرقتنا".

هذا الحديث يتردد على ألسنة الكثيرين من المحتاجين إلى إعاناتٍ لا يصلهم منها شيء. ثمة تفاوت ضخم بين ما تُظهره الحملات الدعائية للأحزاب، وبين ما يحدث على أرض الواقع.

الأحزاب و"أمن الجماعة"

تعمل الأحزاب اللبنانية بشكلٍ متشابه لوجستياً، ولكن يظهر تفاوت كبير بينها من ناحية القدرات. حزب الله والقوات اللبنانية ينشطان بشكلٍ واسعٍ، مقابل ضمورٍ كبيرٍ لحركة أمل وتيار المستقبل. أما التيار الوطني الحرّ فيحتل مرتبةً متوسطة. ويظهر اعتماد الأحزاب على المتموّلين والمغتربين.

يصف منسق هيئة قضاء جبيل في التيار الوطني الحرّ، جيسكار لحود، التعامل المباشر مع حاجات الناس في هذه الفترة، بـ"الحمل الثقيل"، و"المصيبة الزرقا"، وذلك بسبب هول الأزمة، وحجم هذه الحاجات.

ويشير، مشدّداً على أنه يتحدّث بصفته الشخصية، لا الحزبية، إلى مستوصفٍ سيتمّ افتتاحه في قلب هيئة جبيل في التيار، سيقدّم الأدوية والمعاينات والفحوصات الطبيّة، ويقول إن التقديمات تلك ستكون مجانيةً للعموم، في حين أن تقديم الأدوية سيُحصَر بالمحازبين، وأصدقاء التيار، وذلك بسبب كلفتها المرتفعة، و"قلّة التمويل".

ويتحدّث عن أن دافعه للنشاط في مساعدة الناس، يعود إلى مسؤوليته الإنسانية في مساعدتهم لتجاوز هذه الأزمة، "بعيداً عن أيّ أبعاد سياسية أو تنظيرية"، لافتاً إلى أنه فخور بما وجده من تضامنٍ اجتماعيٍّ بين الناس، في ظلّ هذه الأزمة، وخصوصاً ما يقدّمه المغتربون من مساعدةٍ عبر هيئات التيار الوطني الحرّ.

ناشط آخر في التيار الوطني الحرّ في منطقة بعبدا، طلب عدم ذكر اسمه، يتحفّظ على مسألة أنّ ما يقوم به، هو وناشطون من تيّاره، هدفه سدّ فراغ خلقته الدولة، فما يحدث من انهيارٍ سببه برأيه "الحصار، وسوء إدارة مجموعةٍ من القوى الموجودة في الحكم"، التي يستثني منها حزبه.

ويرى أن هناك مجالين يرتبطان بتأمين حاجات المواطنين: أولاً تأمين صمود الناس، وثانياً الحفاظ على المؤيّدين. يقول إن عملية رصد العائلات الأكثر حاجةً وفقراً، يقوم بها ناشطون، وعبر المعاينة المباشرة، لأن كلّ ناشطٍ يعلم كيف تكون أحوال منطقته، وحيّه، وعلى هذا الأساس تُقدَّم المساعدات العينية، والحصص الغذائية.

ويعمل التيار الوطني الحرّ أيضاً، على تأمين أعلاف للحيوانات، ليس للمزارعين التقليدين في الأرياف فحسب، إنما لمجموعةٍ واسعةٍ من الناس أصبحت تعتمد على تربية الحيوانات والدواجن، من أجل سدّ حاجاتها المستجدّة في ظلّ الأزمة.

كذلك يعمل الناشطون على تأمين أدويةٍ من الصيدلية المركزية للتيار، ويقومون بتأمين الخبز عن طريق التعاقد مع المخابز التي توفّر لهم حصصاً يوميةً يوزّعونها على محتاجين، هذا عدا عملية توزيع بعض المازوت الإيراني، بالتعاون مع حزب الله.

بالنسبة إلى وكيل داخلية الشويفات-خلدة، في الحزب التقدّمي الاشتراكي، مروان أبي فرج، فإن مسألة مساعدة الناس، والتضامن الاجتماعي، هي مسألة "تكمن في صلب أهداف حزبه، وترتبط بشعاراته الإنسانية الهادفة إلى خدمة الإنسان، وليست وليدة اليوم".

"لكن الوضع الذي فرضه اليوم القصاص العربي على لبنان، والحصار على الجميع، بسبب تصرّفات البعض، قد فرض علينا النزول مباشرةً من أجل مساعدة الناس، في ظلّ هذه الظروف الصعبة"، يقول ويشرح شكل عمل الحزب الاشتراكي الذي يطال ثلاثة ميادين أساسية، هي: الأمن الغذائي، والأمن الطبّي، ومجال التعليم.

يشمل الميدان الأول توزيع حصصٍ غذائية على الناس بالتعاون مع مؤسسات رديفة كمؤسسة الفرح (تأسست عام 1973)، وهي تتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في هذا المجال، ويعطي مثالاً على حجم التقديمات، وتالياً الحاجات الهائلة للناس، بإيضاحه أن المؤسسة تقوم بتوزيع 1500 حصةٍ بشكلٍ دوريّ في منطقة الشويفات-خلدة، مع "ما يمثّله الحجم المالي لهذه الحصص التي تزيد قيمة الواحدة منها على مليون و200 ألف ليرة".

أمّا الميدان الثاني الذي يصفه بـ"العنصر الأهم في المجتمع"، ويصف تكاليفه على الناس بـ"الكارثة الهائلة"، فهو مجال احتياجات الناس الطبّية. ويعطي مثالاً عن شكل الدعم المقدّم، عمل "صندوق دعم المريض" الذي يتكفل بتغطية تكاليف بعض العمليات الجراحية، وما يرتبط بها.

وفي ميدان التعليم، يكون الدعم على شكل تغطية تعليم الطلاب في المدارس والجامعات الرسمية.

وعن مصدر تغطية هذه النفقات، يردّها أبي فرج بشكلٍ أساسيٍّ إلى المغتربين ممّن ينتمون إلى المنطقة، والذين "يهتمّون بالحفاظ على صمود أبنائها"، ويقول إن رئيس الحزب وليد جنبلاط، يشارك بشكلٍ أساسيٍّ في تحمّل هذه النفقات.

ويشرح أبي فرج أن آلية التحقق من المستحقّين للمساعدات، تقوم على أن هناك مسحاً دائماً يقوم به الحزب عبر ناشطيه، ويتغيّر شهرياً.

على المنوال ذاته، يشرح معاون الأمين العام لحزب القوات اللبنانية، وسام راجي، أن العمل يستهدف ثلاث حاجات أساسية وآنية، وحاجةً إستراتيجية هي التنمية.

بالنسبة إلى الحاجات الآنية، يوضح أن حزبه يتعاون بشكلٍ أساسيٍّ مع جمعيات محلية غير حكومية، لتأمين حصصٍ غذائية. وعن حجم التقديمات، يقول: "منذ بداية الأزمة، قمنا بتوزيع ما يزيد عن 70 ألف حصّةٍ غذائيةٍ على مستوى لبنان".

وعلى صعيد الطبابة، يلفت إلى أن المساعدات الصحّية تغطّي فواتير خدمات عيادات الأرز الطبيّة، وتأمين الأدوية.

وفي مجال التعليم، يقوم حزب القوات بتأمين الأقساط المدرسيّة، بالتعاون مع جمعية RIC، ويغطّي ما بين 40 و50% من كلفات تعليم مجموعةٍ كبيرة من الطلاب، في المؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة.

كذلك عملت القوات، بعد انفجار مرفأ بيروت، على إصلاح ما يزيد عن 650 منزلاً بشكلٍ كاملٍ في مناطق الجمّيزة والأشرفية.

وعن طريقة العمل، يشير راجي إلى أن الحزب لديه "جهاز الشؤون الاجتماعية" الذي يمتلك داتا يحدّد من خلالها مَن هو بحاجة، ومَن لا كذلك، ويتمّ تحديث هذه الداتا دورياً، على أساس معايير الدخل، وعدد أفراد الأسرة.

ويقول إن المساعدات التي تقدّمها القوات موجّهة إلى كلّ اللبنانيين، لكنه لا يخفي أن النسبة الأعلى من المستفيدين، هي من مناصري القوات اللبنانية ومحازبيها، تبعاً لطبيعة المنطقة التي تمتلك فيها القوات نفوذاً.

وعن تحوّل الأحزاب إلى العمل المباشر، وتقديم المساعدات، يشير إلى أن الأحزاب تلعب اليوم دوراً يخالف طبيعتها، "فالطبيعي أن تقوم الأحزاب ببناء الدولة التي تهتم بدورها بالناس، على مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لكن الوضع الاستثنائي اضطر هذه الأحزاب إلى ممارسة دورٍ غير عادي". "نحن الامتداد على الأرض، ونحن نعرف طبيعة هذه الأرض"، يقول، مستكراً موجة شيطنة الأحزاب التي تقدّم مساعدات.

ويؤكد راجي أن ما وجده من تضامنٍ اجتماعيٍّ بين الناس، في ظلّ هذه الأزمة، لافت للنظر، و"رهيب"، فقد ظهر أن "اللبناني يقف إلى جانب أخيه في وقت الأزمات، ولولا هذا التضامن بين اللبنانيين لكنّا في واقعٍ آخر".

انهيار نمط الزبائنية القديم

لم تعد الأحزاب قادرة على بناء علاقات ولاء مع جماهيرها على أساس تقديم خدمات لهم "من كيس الدولة". الانهيار جفف ضرع الدولة الذي كان يُعتبر طيلة عقود كياناً حلوباً تتقاتل الأحزاب على ما يدرّه.

"قبل كلّ شيء، لا أرى أن المساعدات، وتدخّل الأحزاب الاجتماعي، في الحقيقة، بهذا الزخم الذي يُحكى عنه". بهذا يبدأ الباحث والكاتب السياسي وسام سعادة حديثه.

ويضيف: "صحيح أن الأحزاب كانت تشكّل نمطاً تكافلياً من أجل المنافسة على الجمهور، لكن الانهيار عطّل قدرة هذه الأحزاب إلى حدٍّ كبير، فعطّل مسألة أن هذه الأحزاب كانت تأخذ من ‘كيس الدولة’، لتقوم بتوزيعه على الناس. أما اليوم، فالوضع اختلف، ما خلق محدوديةً حتى عند الأحزاب، ودفعها إلى البحث عن بدائلَ أخرى".

يسجّل سعادة ملاحظةً ثانيةً، وهي التفاوت بين الأحزاب، فهناك أحزاب كانت تعاني أساساً من اختناقٍ ماديٍّ، وازدادت مشكلتها مع الانهيار، كتيار المستقبل الذي "كان أساساً عبارةً عن شبكةٍ من المساعدات وتقديم الخدمات، ولم يكن حزباً عقائدياً يجتمع على فكرةٍ ما، أو عقيدةٍ ما". هذا التيار يعاني اليوم في مسألة تقديم المساعدات إلى جمهوره. مقابل هذا الأمر، "هناك النموذج الأكثر منهجيةً، والذي يمثّله حزب الله بالدرجة الأولى، عبر مؤسساته الشاملة، ولكن أيضاً بتفاوتٍ بين المناطق، وتفاوتٍ تخلقه حظوة الحزبيين في هذا المجال، ويأتي في المرتبة الثانية حزب القوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي، اللذان يشبهان حزب الله في ما خصّ شمولهما وتنظيمهما، ولكن بنطاقٍ أضعف يركّز على الاهتمام بالأمن الغذائي".

ويقول سعادة إن التشبيك بين الأحزاب وجمهورها، "معقّد ومركّب، وليس علاقة منفعةٍ بحتة فحسب، إنما هو مربوط بشراكاتٍ مزمنة". برأيه، "صحيح أن الأمان الاجتماعي أصيب في هذه الفترة، لكن أعيد ترتيبه في ظلّ غياب البدائل".

في انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يتابع سعادة، "الناس لم يقوموا بقطيعةٍ تامّة مع الأحزاب، بل جلّ ما فعلوه في تلك الفترة، كان ‘وضع أحزابهم عَ جنب’، في حالة ‘ستاند باي’، وكانوا يريدون أن يجرّبوا، وأن يروا الآخرين يقومون بالتجربة أيضاً. كان الأمر أشبه بـ‘غيرة متبادلة’ بين الناس. لم تكن هناك قطيعة، وظلّت التركيبة الاجتماعية ذاتها".

وبرأيه، "لم تختفِ الدولة نهائياً، إنما تغيّرت وظيفتها الاجتماعية، وأصبحت تقوم بدورٍ هزيلٍ ومضحكٍ، مثل تقديم الدعم على السلع بشكلٍ عشوائيٍّ، ثم تأنيب الناس، وابتزازهم بعد ذلك بالدعم الذي قدّمته إليهم، بشكلٍ يظلّ معه الناس ملتفتين إلى أن هناك دولة".

ويشدّد سعادة على الدور الكبير الذي تلعبه "الديسابورا" اللبنانية، المطيّفة والمحزّبة بشكلٍ كبير، والتي تنظر منذ 17 تشرين الأول/ أكنوبر 2019، إلى نفسها، نظرةً ترى فيها أن مصير لبنان أصبح يتعلّق بها، و"يلعب الاغتراب دوراً أساسياً اليوم في مدّ الأحزاب بالدعم، وهذا الدور مرشّح للتعاظم أكثر".

ويشير سعادة إلى الفكرة الرائجة اليوم، والمتمثّلة بالتنديد "الأخلاقوي" البحت بعملية تلقّي الناس للمساعدات، وتصوير الناس كمتسوّلين. ويسجل على هذه الفكرة ملاحظاتٍ عدّة، فهي أولاً غير نافعة سياسياً، وتنمّ عن كسل، وفيها ثانياً امتهان لكرامة الناس، وهي تصدر عن شرائح اجتماعية بعيدة عن مشكلات الناس.

برأيه، تُظهر هذه الأفكار "جهل" قسمٍ كبيرٍ من النخب، فـ"لا يمكن اعتبار الناس زاهدين، ولا ناسكين، إذا لم يتلقَّوا مساعدةً، ولا يمكن اعتبارهم لا أخلاقيين بمجرّد تلقيهم المساعدة. فأيّ مجموعة ستواجه خطر المجاعة ستتصرف على أساس أن أيّ تدخّل لإبعاد شبح المجاعة، مرحّب به".

"حصيلة هذا الأمر ليست جيّدةً أبداً على المجتمع ككل"، يؤكّد، ويضيف: "لكن التكبّر على الناس في هذه الظروف، ومنحهم ما يشبه العلامات المدرسية، وتهديدهم بأنهم إذا أعادوا انتخاب الطبقة ذاتها سيجوعون أكثر، فيه الكثير من عدم الدراية بأحوال الناس على الأرض".

يشير سعادة إلى أن "هناك لحظةً انتزعت فيها انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر العلاقة بين الأحزاب والشعب، وهي لحظة حقيقية، ويجب البناء عليها. أما محاولة تحديد هذه الارتدادات بشكلٍ حاسمٍ وسهلٍ، فهي ‘رغبوية’، والقول إن الناس خانت الثورة، يجعل من الأخيرة كائناً مفارقاً، وهو قول فيه مغالطة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard