لسن/ ليسوا أحراراً... عن الفئة الأكثر عرضة للاتجار بالبشر في العالم العربي

الأربعاء 22 ديسمبر 202112:00 م

صدر مؤخراً لراشيل بيرانس Rhacel Salazar Parrenas، الباحثة في علم الاجتماع والدراسات الجندرية في جامعة USC، كتاب Unfree: Migrant Domestic Work in Arab States، الذي تناقش فيه الكاتبة، كما يتضح من العنوان، وضع العمالة الأجنبية المنزلية في الدول العربية، خصوصاً منطقة الخليج العربي "الإمارات، الكويت، قطر، عمان"، في محاولة لتحديد الوضعية القانونية التي يتحرك ضمنها العمال والعاملات المهاجرين/ات ضمن المنازل، عبر رصد القوانين والأخلاقيات التي تضبط هذا العمل وتحاول أن تنفي عنه صفة "العبودية"، موظفة مفهوم الـ Unfree، الذي يمكن ترجمته للعربية بـ"لا حر".

اغتصاب وعنف وعبودية

تسري القشعريرة في الجسد أثناء قراءة الكتاب، بالرغم من توخّي الكاتبة الدقة العلمية، فمفردات كاغتصاب، عبودية، اتجار بالبشر، عنف عشوائي، تعنيف لفظي وجسدي، تتكرر دوماً، كل هذا بسبب نظام "الكفالة" الذي يتم على أساسه "جلب" العمال والعملات المنزليين، الذين التقت الباحثة مع حوالي المئة منهم والمقيمين في الإمارات العربية المتحدة، الذين ينطبق عليهم مفهوم Unfree، الذي تحاول الكاتبة تأصيله ضمن أدبيات علوم الاقتصاد والنظرية السياسية ونظريات الحرية، ويمكن وصفه بشكل من أشكال الهيمنة، المقصود به قدرة رب العمل على تطبيق العنف أو الاستغلال بصورة اعتباطية، حتى لو لم يقم بذلك أبداً، لكن مجرد وجود هذا الاحتمال يحرم" العامل" من حريته.

صدر مؤخراً كتاب جديد يناقش وضع العمالة الأجنبية المنزلية في الدول العربية، خصوصاً منطقة الخليج العربي "الإمارات، الكويت، قطر، عمان"... هنا أهمّ ما جاء فيه 

قبل الخوض في إشكاليات هذا النظام من العمالة، نشير إلى تجربة الكاتبة في الفليبين، حيث قامت بحضور عدد من جلسات التوعية والتجهيز التي تخضع لها العاملات هناك قبل رحيلهم إلى دول العمل، والملفت هو التركيز على نقطتين من قبل المدربين، الأولى، هي بناء شخصية العاملة، أي أن من يسافرن هن عاملات، يساهمن في الاقتصاد الوطني ودعم أسرهن، وينصحن دوماً بالتقيد بالقوانين ومزاج رب العمل، أما الشأن الثاني، والأغرب فهو "الصلاة".

ميوعة القوانين وعدم تطبيق الكثير منها بالرغم من مذكرات التفاهم بين الفليبين ودول الخليج، يركز المدرب على الصلاة، أي على العاملة أن تصلي كي يكون مديرها أخلاقياً، وأن تصلي كيلا يقوم باغتصابها، وأن تصلي كيلا يقوم بحرمانها من راتبها، والأهم، العامل الوحيد الذي يحدد رب العمل ومواصفاته، هو "الحظ".

أجرت الكاتبة العديد من المقابلات مع مرؤوسين وعاملات منزليات، والإشكالية دوماً كانت نظام الكفالة وما ينتج عنه من أشكال قمعية، لا تتعلق فقط بأخلاقيات رب المنزل بل أيضاً بطبيعته القانونية، فتجريم الكفيل في حال خالفت العاملة القوانين، يشكل رعباً لدى الكثيرات، ما ينتج عنه أيضاً ما يسمى المعاملة كطفل Infantilization، أي تجريد العاملة من حريتها خوفاً من ارتكابها ما هو خاطئ، ولا نتحدث فقط عن السرقة مثلاً ، بل عن ممارسة الجنس والحَمْل، الشأنين المرعبين للمُشغلين.

على العاملة أن تصلي كي يكون مديرها أخلاقياً، وأن تصلي كيلا يقوم باغتصابها، وأن تصلي كيلا يقوم بحرمانها من راتبها، والأهم، العامل الوحيد الذي يحدد رب العمل ومواصفاته، هو "الحظ"

ينتج عن هذه المسؤولية القانونية ونظام التعامل الطفولي مع العاملة، منعها من يوم العطلة، لا رغبةً بالعمل أكثر، بل خوفاً من أن تقوم بجرم ما يتحمل الكفيل مسؤوليته، وبالرغم من وجود قانون يلزم بذلك، لكنه لا يعني الحق بالخروج من المنزل، فالبعض يطبقه عبر بقاء العاملة في المنزل دون "العمل" أو اصطحاباها في الرحلات الأسرية، أي إبقائها تحت المراقبة، يترافق الأمر أيضاً مع المنع من الإجازات، وأحيانا المنع من التواصل مع الآخرين خوفاً من حصولها على عروض عمل أفضل.

الممارسات السابقة التي يتجاهلها القانون، تهدد الحرية، بمعنى أنها تحرم الفرد من "استقلاله"، وقدرته على أخذ القرار، ونتحدث هنا مثلاً عن الطعام، ومكان النوم، وزمن الراحة، الحقوق الإنسانية التي ليس من المفترض نقاشها، خصوصاً أن العاملات المنزليات يمكن وصفهم في البلدان المضيفة بأنهم "خارج النظام القانوني"، ولا يخضعن لذات القوانين التي تنطبق على المواطنين أو السياح أو الزائرين.

لا يمكن تعميم حالات العنف والوضع المسيء للعاملة في المنزل، لكن المثير هو الرهان على الأخلاقيات لدى رب العمل لتجاوز الانتهاكات

الرهان على الأخلاقيات

لا يمكن تعميم حالات العنف والوضع المسيء للعاملة في المنزل، لكن المثير هو الرهان على الأخلاقيات لدى رب العمل لتجاوز الانتهاكات، أي العامل الوحيد كي لا يضرب أو يسيء رب العمل لفظياً للعاملة هو حسه الإنساني، هذا الرهان تدعمه مذكرات التفاهم بين الفليبين والإمارات مثلاً، لكنها لا تلزم البلد المضيف، ناهيك أننا نكتشف مثلاً صعوبة محاكمة "الإماراتي" لو خالف قوانين التشغيل أو اشتكت عليه العاملة، وهذا ما تشير له الباحثة عدة مرات، بوصفه أسلوباً لحماية المواطنين الإماراتيين، عبر تأخير الإجراءات القانونية ضدهم، هذا التأخير يهدد العاملة نفسها، التي تُحرم من العمل وتستنزف مالياً، وتبقى في سفارة بلادها طوال فترة الإجراءات القانونية.

تشير الباحثة أيضاً إلى "نفاق" بعض أرباب العمل، مثلاً، كيف يخاف البعض من أن تقوم العاملة بجرم ما أو تخالف القانون، في ذات الوقت تؤتمن على المنزل والأطفال والطعام، هذه المفارقة، تقوم على أساس بناء علاقة صحية مع رب العمل، التي أيضاً لا ضابط لها سوى الأخلاق الشخصية، وبالرغم من تطور الحقوق التي تنالها العاملات المنزليات ما زالت وضعية الـ "لا حر" قائمة، ويترافق ذلك مع اتهامات العبودية التي تطال نظام الكفالة، والذي لا نقول إن الدول العربية هي الوحيدة التي تطبقه، فهو موجود في كندا وأوروبا، لكن الدول العربية هي الأشد في تطبيقه والأشد قدرة على محاصرة العاملة عبره وتجريدها من حقوقها.

تشير الباحثة أيضاً إلى ما يمكن تسميته بالاختفاء، وصعوبة الوصول إلى هذه الفئة من الناس فـ "العاملات المنزليات في الدول العربية هم واحدة من أكثر الفئات ضعفاً وعرضة للاتجار بالبشر"، والسبب أولاً هو غياب الأرقام الحقيقية التي تقدم من قبل الفليبين نفسها، وصعوبة التواصل مع العاملات بسبب نظام الكفالة نفسه وممارسات أرباب العمل، حتى مكاتب التشغيل والوسطاء لا يقدمون ما هو كاف من معلومات، خصوصاً أن همهم الأول هو الحفاظ على استمرار عملهم لا حقوق العاملات.

هذه الطبقة من العنف الخفي الممارس في المنطقة العربية على أقلية مستضعفة، تظهر للعلن دوماً بصورة الفضائح، إما عبر الجرائم التي ترتكب من قبل العاملات أو من قبل أرباب العمل، أو التصريحات التي لا تصدق من قبل بعض الشخصيات المؤثرة، كما حصل عام 2018، حيث نشرت نجمة السوشال ميديا، الكويتية سندس القطان، تسجيلاً تنتقد فيه قوانين التشغيل الجديدة الخاصة بالعاملات، وأكدت حينها على ضرورة احتفاظ رب العمل بجواز سفر العاملة لحماية نفسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard