الإسلام بين العرب والموالي... صراعٌ ظهر في المدونات الفقهية والحديثية

الأحد 9 يناير 202209:50 ص

لم يمرّ وقت طويل على ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية حتى تمكن من الانتشار في مساحات واسعة من العالم القديم. وساعد في ذلك أن القرآن والأحاديث النبوية قدّمت رؤية متسامحة مع جميع الأجناس البشرية.

ويلخّص هذه الرؤية الحديث الشهير: "ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ".

على الرغم من ذلك، كان من الطبيعي أن يقدّم العنصر العربي المنتصر في الحروب التوسعية نفسه باعتباره الشعب الأكثر أهمية وتأثيراً، الأمر الذي رفضته الشعوب المغلوبة بعد انتشار الإسلام بين أبنائها. وانعكس هذا التجاذب على كثيرين من الفقهاء الذين ترجع جذورهم العرقية إلى أصول غير عربية، والذين عُرفوا بكونهم ممَّن ينتسبون إلى طبقة الموالي.

بين محاولة التأكيد على مركزية العروبة في الإسلام من جهة، وإثبات أهمية الشعوب الأعجمية من جهة أخرى، حفظت لنا المدونات الفقهية والحديثية الكثير من الآراء والأفكار التي يمكن أن تلقي الضوء على الصراع المستتر بين الغالب والمغلوب.

شرط القرشية في الخلافة

لما كانت الخلافة أعظم المناصب السياسية في الدولة الإسلامية على الإطلاق، عمل الفقهاء منذ فترة مبكرة على ربطها بالعنصر العربي بشكل عام، وبقبيلة قريش على وجه التحديد.

هذا الربط المنعقد بين قريش والخلافة يمكن فهمه في ضوء السياق التاريخي للدولة الإسلامية في القرون السبعة الأولى من الهجرة، إذ تعاقبت في تلك الفترة ثلاث من الدول القرشية على الخلافة، ألا وهي الدولة الراشدة، وبعدها الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية.

جميع الخلفاء القرشيين الذين حكموا في تلك الدول استندوا إلى الحديث المشهور المنسوب للرسول والذي جاء فيه أن "الأئمة من قريش"، كما احتجوا أيضاً بعدد من الأحاديث الأقل شهرة، ومنها على سبيل المثال ما ورد في صحيحي البخاري (ت. 256هـ) ومسلم (ت. 261هـ): "الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم"، وهو حديث علّق عليه يحيى بن شرف النووي (ت. 676هـ)، في شرحه لصحيح مسلم بقوله: "هذا الحديث وأشباهه دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك من بعدهم".

احتكار القرشيين لمنصب الخلافة حدا بالخلفاء الأوائل إلى تفضيل أبنائهم المولودين من أمهات عربيات ليُبايَعوا بولاية العهد دوناً عن الأبناء الآخرين المولودين من الجواري غير العربيات. هذا الأمر ظل قائماً في بدايات العصر العباسي، وظهر بشكل واضح في تفضيل الإمام إبراهيم بن محمد العباسي أخيه عبد الله السفاح ليتولى زعامة الدعوة العباسية من بعده، عوضاً عن استخلاف أخيه الأكبر أبي جعفر، وذلك لأن الأخير كان ابن جارية غير عربية.

وعلى الرغم من أن معظم الفقهاء والأصوليين وقفوا في صف القول بشرط القرشية في اختيار الخليفة، ظهرت مجموعة من الفقهاء الذين رفضوا ذلك الشرط، ومن هؤلاء شيخ المعتزلة ضرار بن عمرو (ت. 190هـ) الذي تعود أصوله إلى العرق التركي، والذي ذهب إلى أن الإمامة تصلح في غير قريش "حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عدداً وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة"، بحسب ما يذكر أبو الفتح الشهرستاني (ت. 548هـ)، في كتابه "الملل والنحل".

أيضاً، كان العالم الأشعري الفارسي الشهير أبو المعالي الجويني (ت. 478هـ) ممَّن رفضوا شرط قرشية الخليفة. ففي كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم" شكك في حديث الأئمة من قريش، وقال "إن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر... فإذاً لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة".

وأجمع الخوارج، بمختلف فرقهم، على رفض شرط قرشية الإمام، وكان من أهم علمائهم الذين أعلنوا ذلك الفقيه الذي يعود إلى أصول عرقية إفريقية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أحد أهم الفقهاء في المذهب الإباضي على الإطلاق.

وخالف الإباضية شرط قرشية الإمام بشكل عملي في القرن الثاني الهجري عندما نصّبوا زعيمهم عبد الرحمن بن رستم، المتحدّر من أصل فارسي، إماماً لهم في شمال إفريقية ليؤسس الدولة الرستمية التي حافظت على وجودها لما يزيد عن المئة عام.

وفي القرن العاشر الهجري، تعرّض شرط قرشية الخلافة للتعطيل بشكل عملي، بعدما تمكن العثمانيون الأتراك، بقيادة السلطان سليم الأول، من القضاء على المماليك وغزوا مصر والشام، لتنتقل الخلافة من الخليفة العباسي الصُوَري محمد المتوكل على الله إلى سليم الأول، وتبقى قائمة في عقبه حتى سقوط الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين.


إمامة الصلاة وتقلّد منصب القضاء

يذكر شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ)، في كتابه "تاريخ الإسلام"، أنه جرت العادة في الدولة الأموية على ألا يتقلد القضاء إلا عربي، الأمر الذي يظهر بشكل واضح في تفاصيل الحوار الذي دار بين والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي والفقيه سعيد بن جبير، قُبيل مقتل الأخير، سنة 95هـ.

وحديثاً، ألقى المفكر المصري أحمد أمين، في كتابه "ضحى الإسلام"، الضوء على حرمان الموالي من مناصب القضاء وإمامة الصلاة وغير ذلك من المناصب التنفيذية المهمة في العصر الأموي، وقال: "أمر الحجاج أن لا يؤم في الصلاة إلا عربي... وكان استخدام الموالي في العهد الأموي نادراً، وكان يقابَل بامتعاض... واستخدم عمر بن عبد العزيز مولى، وجعله والياً على وادي القُرى، فعوتب على ذلك".

بين محاولة التأكيد على مركزية العروبة في الإسلام من جهة، وإثبات أهمية الشعوب الأعجمية من جهة أخرى، حفظت لنا المدونات الفقهية والحديثية الكثير من الآراء والأفكار التي يمكن أن تلقي الضوء على الصراع المستتر بين الغالب والمغلوب

هذا الأمر تغيّر كثيراً مع ظهور الدولة العباسية، عام 132هـ، فالعباسيون الذين بنوا دولتهم على أكتاف الفرس، توسعوا في تعيين الموالي في شتى المناصب المهمة، وتزامن ذلك مع إعلان الكثير من الفقهاء من ذوي الأصول غير العربية رفضهم لاشتراط العروبة في مَن يتقلد منصب القضاء أو الإمامة في الصلاة، واستندوا في ذلك إلى الحديث النبوي الوارد في صحيح البخاري: "اسمعوا وأطيعوا، وإنْ استُعمل عليكم عبدٌ حبشي، كان رأسه زبيبة".

الفقيه الفارسي الأصل ابن حزم القرطبي (ت. 456هـ) كان من أهم الفقهاء الذين لعبوا دوراً مهماً في إجازة تولي الموالي للمناصب المهمة في الدولة، حتى أنه ذهب، في كتابه "المُحلى بالآثار"، مخالفاً السواد الأعظم من الفقهاء، إلى جواز تولي العبد لمنصب القضاء. وكان مما قاله في ذلك: "جائز أن يلي العبد القضاء لأنه مخاطب بالأمر والمعروف والنهي عن المنكر، وبقول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} وهذا متوجه بعمومه إلى الرجل والمرأة. والحر. والعبد، والدين كله واحد إلا حيث جاء النص بالفرق بين المرأة. والرجل. وبين الحر والعبد فيستثنى حينئذ من عموم إجمال الدين".

الكفاءة في النسب عند الزواج

كانت مسألة اشتراط الكفاءة في النسب إحدى النقاط التي عمل العرب من خلالها على إثبات تفوقهم وتميّزهم عن باقي الأعراق والشعوب المنضوية تحت لواء الدولة الإسلامية.

مال كثير من الفقهاء إلى القول باشتراط وقوع التكافؤ في النسب بين الزوج والزوجة، بحيث لم يقبلوا تزويج المولى غير العربي من العربية، واستندوا في ذلك إلى بعض الأحاديث النبوية، ومنها ما ورد في صحيح مسلم "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"، وأيضاً ما ذكره الحاكم النيسابوري (ت. 405هـ)، في كتابه "المستدرك على الصحيحين"، من حديث الرسول: "العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض".

شهدت حقبة الإسلام المبكر الكثير من الوقائع التي تؤكد على نفور العرب من تزويج بناتهن للموالي، ومن أشهر تلك الوقائع ما رُوي عن أن عمر بن الخطاب رفض خطبة ابنته للصحابي سلمان الفارسي، لكراهته أن يزوّج ابنته من أعجمي

حقبة الإسلام المبكر شهدت الكثير من الوقائع التي تؤكد على نفور العرب من تزويج بناتهن للموالي، ومن أشهر تلك الوقائع ما ذكره ابن عساكر (ت. 571هـ) في كتابه "تاريخ دمشق"، من أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رفض خطبة ابنته للصحابي سلمان الفارسي، لكراهته أن يزوّج ابنته من أعجمي، ما تسبب في غضب سلمان.

ورفض كثيرون من الفقهاء الذين يعودون لأصول غير عربية اشتراط الكفاءة في النسب عند الزواج، ومن أهم هؤلاء ابن حزم عندما قال في كتابه المُحلى بالآثار: "وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ إخْوَةٌ لَا يُحَرَّمُ عَلَى ابْنٍ مِنْ زِنْجِيَّةٍ لِغِيَّةٍ نِكَاحُ ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ الْهَاشِمِيِّ".

قراءة القرآن بغير العربية

من المعروف أن العرب تفاخروا بأن القرآن نزل باللغة العربية، وعدّوا ذلك إحدى المزايا الكبرى للغتهم، والتي تؤكد على تفوقها على جميع اللغات المعاصرة، ومنها على سبيل المثال كل من الفارسية أو القبطية أو السريانية أو العبرية.

الأغلبية الغالبة من الفقهاء المسلمين اعتمدوا العربية كلغة رسمية لقراءة النص القرآني، ولممارسة شعائر الصلاة والدعاء، ورفضوا إجازة استخدام أي لغة أخرى عند أداء تلك المناسك.

على الرغم من ذلك، توجد بعض الإشارات التي تؤكد على أن بعض المسلمين من غير العرب عملوا على قراءة القرآن بلغاتهم الأصلية، ومن ذلك ما ورد في كتاب "النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية" لأبي الإخلاص حسن بن عمار الشرنبلالي (ت. 1069هـ)، من أنه رُوي أن أهل فارس بعد إسلامهم كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكتب لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم ـ بنام يزدان بخشايند"، فكانوا يقرأون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم، وتمكنوا من تعلم اللغة العربية.

هذه الحادثة احتج بها الفقيه المتحدر من أصول فارسية أبو حنيفة النعمان في ما بعد عندما أجاز للأعاجم قراءة القرآن بلغتهم، الأمر الذي صادف قبولاً في أوساط الفرس والتُرك لفترات طويلة، ولعله يفسر انتشار المذهب الحنفي تحديداً في مساحات واسعة من بلاد فارس وآسيا الوسطى والهند.

رغم ذلك، لم ينجح ذلك الرأي في فرض نفسه على الساحة الفقهية، وبقي رأياً شاذاً خالفه جمهور الفقهاء من القدامى والمحدثين، وفي ذلك قال النووي، في كتابه "المجموع شرح المهذب": "مذهبنا (أي مذهب الشافعية) أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنه العربية أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها، فإن أتى بترجمته في صلاة بدلاً عن القراءة لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وداود".

الأحاديث النبوية في فضائل الشعوب المغلوبة

احتج العرب بالكثير من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول والتي تؤكد على أفضلية الجنس العربي دوناً عن جميع الأجناس البشرية، الأمر الذي دخل ضمن عقائد السواد الأعظم من المسلمين، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت. 728هـ) في مجموع الفتاوى إذ قال: "الذي عليه أهل السنّة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم، وسريانيهم، رومهم، وفرسهم، وغيرهم".

وكنوع من أنواع رد الفعل على تلك النزعة الاستعلائية، ظهرت الحركة الشعوبية، والتي عملت على رفع قدر الشعوب غير العربية، من خلال المبالغة في إظهار أدوارها الحضارية المؤثرة حيناً، ووضع بعض الأحاديث المنسوبة للنبي، والتي تؤكد على فضل تلك الأمم أحياناً أخرى.

من بين تلك الأحاديث ما ذكره ابن حزم، وهو من أصل فارسي، في "أصول الأحكام": "لو أن العلمَ في الثُريا لتناولَه رجلٌ أو رجالٌ من أبناءِ فارسٍ"، وما ذكره أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني المغربي (ت. 670هـ)، في كتابه "طبقات المشائخ بالمغرب" من أن جبريل جاء للرسول، "فقال له: أوصيك بتقوى الله وبالبربر، ثم عرفه بالبربر فوصفهم بقوله ‘قوم يحيون دين الله بعد أن كاد يموت ويجددونه بعد أن كان يبلى... يا محمد دين الله خلق من خلق الله نشأ بالحجاز وأهله، بالمدينة، خلقه ضعيفاً ثم ينميه وينشئه، حتى يعلوا ويعظم، ويثمر كما تثمر الشجرة ثم يقع، وإنما يقع رأسه بالمغرب، والشيء إذا وقع لم يرفع من وسطه، ولا من أسفله، إنما يرفع عند رأسه’".

في السياق نفسه، أورد أبو القاسم القزويني (ت. 623هـ)، في كتابه "التدوين في أخبار قزوين"، حديثاً منسوباً للرسول جاء فيه: "لَوْلا أنّ اللهَ أَقْسَمَ بِيَمِينِهِ وَعَهِدَ أَنْ لا يَبْعَثَ بَعْدِي نَبِيّاً لَبَعَثَ مِنْ قَزْوِينَ ألف نبي".

أما المؤرخ المصري ابن عبد الحكم (ت. 257هـ)، فقد أورد، في كتابه "فتوح مصر"، مجموعة من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن فضائل مصر، ومنها قول الرسول للصحابة: "إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض... لأنهم في رباط إلى يوم القيامة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard