أبو هريرتـ(نا)... نسخة عن الرسول، بهرّة في كمّيه

annie-spratt-Ufa495Wz0x8-unsplash

الجمعة 11 يونيو 202102:39 م

القريب والبعيد

كان القرب والبعد المكاني عن النبي محمد عاملاً هامّاً في التقاط أحاديثه التي أخذتْ فيما بعد شكل أحاديث واجبة الاتباع، شكّلت لاحقاً، في أغلبها، مرجعاً للشريعة الإسلامية، والبعض يقول المرجع الأهم بعد القرآن، وللقرب من الرسول ومعايشته والشرب من إنائه، وربما استخدام أدواته، مكانة هامّة في التقاط مروياته ثم استخدامها لاحقاً في إثبات حجة أو نفيها، ومن سيكون أقرب للرسول من زوجة كعائشة وابن عم كـعلي؟

كأنه غير حقيقي لفرط مثاليته... ما سرّ الاهتمام غير المنقطع بسيرة أبي هريرة وصورته وأخباره؟

لكن الاثنين دخلا في صراع مميت، ظاهره أخلاقي ديني وباطنه سياسي اقتصادي، فأصبحت الأحاديث التي تدور في فلكهما، نتيجة مركزية الشخصين، عامل تفرقة وخلاف أكثر من كونها تهدف للتدليل على الدين القويم أو التعاليم الصحيحة.

ومن بين أكثر الشخصيات الراوية لأحاديث الرسول كان أبو هريرة، وربما لم يعرف التاريخ راوية إشكاليّاً أثار الجدل مثله، حتى أن اسمه ونسبه مازالا موضع خلاف، ففي الجاهلية كان عبد شمس، من بين أسمائه الكثيرة الممكنة والأماكن التي عاش فيها والمدّة التي رافق بها النبي.

ثم يرد اسمه، عبد الرحمن بن صخر الدوسي مع جملة "على الأرجح"، وربما يكون اسمه زياد مثلاً أو ماهر، أو أي اسم آخر، وهذه الـ"على الأرجح" تفيد في زيادة بناء الوهم في شخصية إشكالية كهذه، فكيف نكون متأكدين للغاية من كل حديث رواه وبنفس الوقت لا نعرف اسماً أكيداً له؟

لم يعرف التاريخ راوية إشكاليّاً أثار الجدل أكثر من أبي هريرة، فيرد في جملة أسمائه الكثيرة جملة "على الأرجح"، ما يزيد في بناء الوهم في شخصيته

وتتفق المصادر على أن أصول أبي هريرة ترجع إلى قبيلة دوس اليمنية، وعلى أنه قدم إلى الرسول ليعلن إسلامه بعد غزوة خيبر، في العام السابع للهجرة. ولكنها تختلف في تحديد اسم أبي هريرة، ويورد ابن حجر في "الإصابة" ما يزيد عن العشرين قولاً فيها، وكان لكثرة الأحاديث التي نقلها عن الرسول (5374 حديث) رغم المدة القصيرة التي التقى فيها بالنبي، (ثلاث سنوات ويقال أربع) هو ما أثار ويثير الخلاف الدامي حوله.

الإنكار والتصديق

ذهب الشيعة في تكذيب أبو هريرة حدّ نفي أغلب الأحاديث التي رواها الرجل عن الرسول، وبالغ السنّة في تصديقه حدّ العصمة عن النسيان، وبين هذا وذاك نشأت فتنة أخرى نستطيع إشعالها في أي وقت.

لا يهمّ هنا إن كان قد رافق الرسول عدة سنوات أو حتى رآه مرّة واحدة مثلاً في إحدى عزائم الغداء، المهم أن قوله مطابق في الغالب للرسالة المحمّدية

في الأدب والسياسة وحتى في العلم، غالباً ما نجد أولئك الأتباع الذين يرافقون القادة ويتمثّلون رسالتهم ويتماهون بشخصيتهم لدرجة الانمحاء، فينطقُ التابع بلسان القائد، وربّما يشرح الرسالة أو المقولة بطريقة أفضل وأكثر وضوحاً، فلا يهمّ هنا إن كان قد رافقه لعدّة سنوات أو تغطّى بلحافه وارتدى جواربه، ونستطيع أن نجد في التاريخ العديد من الأمثلة المشابهة حين يرتدي التابع جلد المتبوع وينسى جلده الأصلي، إيماناً أو تصديقاً أو لغايات دفينة ربما.

لكننا لا نستطيع إنكار الحاجة إلى وجود هؤلاء الشارحين أو المفسّرين، ولربما قامت المنظومات الفكرية وتبادل الحجج على أشخاص كهؤلاء ولنا في تلامذة المسيح مثالاً مثالياً لهذا، أو في ماركسيي بداية القرن الماضي مثلاً، فهل نقول إن لينين وتروتسكي ليسا ماركسيين، أو أن لوقا ومتى ليسا مسيحيين كفاية؟

من هذا نستطيع أن نرى أن أبي هريرة كان أقرب للنبي من الخصمين اللدودين في ذلك الوقت، فبينما يمتلك علي بن أبي طالب مشروعاً سياسياً دينيّاً وتمتلك عائشة بنت أبي بكر مشروعاً سياسيّاً آخر، كان هو نسخة أخرى عن النبي بهرّة في كمّيه، نطق بلسانه وتحدّث بأساريره، بما يظنّ أنه من الممكن أن يكون رأي النبي في تلك المسألة أو تلك.

حتى في الأحاديث السخيفة التي تتناول مشاغل حياتيّة، كان صورةً ما للنبي، بل ربما الصورة الأصدق، إذ أنها كانت منزّهة عن الأغراض بعيدة المدى، فنجح هو فيما أخفق عليّ وعائشة فيه.

أبو هريرة كان أقرب للنبي من الخصمين اللدودين في ذلك الوقت، فبينما يمتلك علي بن أبي طالب مشروعاً سياسياً دينيّاً وتمتلك عائشة بنت أبي بكر مشروعاً سياسيّاً آخر، كان هو نسخة أخرى عن النبي، بهرّة في كمّيه

يذهب البعض في اتهام مصداقية أبي هريرة بعلاقته مع كعب الأحبار، اليهودي الذي اتهم بـ"دسّ" الاسرائيليات في الإسلام، فيكتب نجاح الطائي في كتابه "يهود بثوب الإسلام": "أطلق كعب العنان لنفسه كي يثبت ما شاء من الخرافات والإسرائيليات التي تشوّه بهاء الدين، يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال أبو هريرة".

وهي عين "نظرية المؤامرة" الأثيرة لدى العرب، كما أن توتر علاقته بأم المؤمنين عائشة وضرب عمر بن الخطاب له وطرده من المسجد كانتا سبباً آخر في الطعن بمصداقيته، إضافة لكثرة رواياته، ما جعل المصنّفين يضعونه في درجة "الأطفال والصبية" ممن رووا عن الرسول، لكن رواية الضرب بالدرّة لم تكن بسبب رواية الأحاديث بل بسبب جمعه المال بغير حق في ولايته على البحرين، كما أن عائشة أنكرت عليه طريقه في السرد السريع على غير طريقة النبي في الترسّل.

الحياد صفة البراءة: هو نحن جميعاً في شخص واحد

لم يأخذ أبو هريرة في الفتنة الكبرى التي حصلت، جانب أحد من الأطراف المتخاصمة، إنما تنحّى جانباً وأعطى لكل طرف ما يُقنعه، بحسب رؤيته هو وبالتالي رؤية النبيّ للخلاف، فنراه تارة يشيد بعلم الإمام علي بن أبي طالب وتارة يتغنّى بأم المؤمنين عائشة، وهو في ذلك لا ينطق فقط بلسان رسوله الأثير، بل وينطق بلساننا أيضاً، نحن المختلفين/ات فيما لا يجب أن يكون موضع خلاف.

هو يقول ما نفكر به وما نريد منه أن يقول، هو نحن جميعاً في شخص واحد، وحين يتناول أحاديث الرسول في قضايا، مثل غسل اليدين أو طريقة الذهاب إلى الخلاء، فهو رسول آخر، صورة طبق الأصل عن الرسول الأول، وربما صورة أفضل من الأصل، هو يعيد علينا ما نسيناه أو ما نسيه النبي نفسه، شارحاً رسالته المتعلّقة بتفاصيل الحياة اليومية أفضل مما فعل النبي.

ولا يهمّ هنا إن كان قد رافق الرسول عدة سنوات أو حتى رآه مرّة واحدة مثلاً في إحدى عزائم الغداء، المهم أن قوله مطابق في الغالب للرسالة المحمّدية، وبنفس الوقت مطابق للمنطق السليم الذي تعترفون به، وليست الغرابة في وجود أحاديث مقدسة كهذه تتناول مشاغل يومية كتلك المتعلقة بكيفية الاستحمام أو الخروج إلى الخلاء، بل الغرابة في المؤمنين/ات الذين يحتاجون لتعاليم مقدّسة ليقوموا بأفعال اعتيادية كتلك، كيف كانوا يغتسلون قبل نزول تلك الأحاديث؟

وهذه الحيادية التي جعلته لا يأخذ طرفاً من أطراف النزاع بل يوافق على ما يقال، كأنه يؤثر السلامة أو اتباع هوى المتحدث، وهذا ما طلبه الولاة والصحابة منه. روى الإمام مسلم عن الزّهريّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة: "أنّ عمر، مرّ بحسّان وهو ينشد الشّعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خيرٌ منك، ثمّ التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشُدك الله أسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أجب عنّي، اللهمّ أيّده بروح القدس؟ قال: اللهمّ! نعم".

وروى أيضاً البخاري عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: "أتي عمر بامرأةٍ تَشِمُ، فقام فقال: أنشدكم باللّه، من سمع من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الوشم؟ فقال أبو هريرة: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا تشمنّ ولا تستوشمنّ".

فالأولى بالصحابة والولاة الاحتكام للقرآن في المسائل التي يحيرون فيها جواباً أو للحس السليم ولمعرفتهم برسول الله، لا أن يبحثوا في حديث متواتر أو غيره عن بعض القضايا الحياتية السهلة.

كما أن العديد من الأحاديث المسندة وشديدة الموثوقية هي بالأساس سخيفة أو بديهية ولا تحتاج لرسولٍ ليبلّغها، فلم استنكار أحاديث أبي هريرة فحسب؟

الاسم الذي استقرّ عليه المؤرّخون (عبد الرحمن) يشير إلى "لا أحد" على وجه التعيين، فقد كان العرب يطلقون اسم "عبد" ولاحقته "الله" أو "الرحمن"، على مجهولي الاسم، فكل الناس هم عباد الله أو الرحمن

وعلى الأعمّ الأغلب ألا تكون غالبية الأحداث التي اقترنت بأبي هريرة تاريخية،  وربما لا يكون له وجود بالشكل الذي نختلف عليه الآن حتى، فالاسم الذي استقرّ عليه المؤرّخون (عبد الرحمن) يشير إلى "لا أحد" على وجه التعيين، واحد من عباد الرحمن المخلصين فحسب، فقد كان العرب يطلقون اسم "عبد" ولاحقته "الله" أو "الرحمن"، على مجهولي الاسم، فكل الناس هم "عباد الله" و"عباد الرحمن".

لكن ما همّ... يبقى هو الراوية الأقرب لعقل وقلب النبي، والمتمثّل الأفضل لرسالة الإسلام، راوية من طراز فريد، حتى كأنه غير حقيقي لفرط مثاليته، استوعب الرسالة أكثر من صاحبها، وأعاد إنتاجها بما هضمه منها، وتاريخه الشخصي، أو الختل الذي صاحب وجوده، مناسب للأحداث الكبيرة التي عصفت بالخلافة الإسلامية في حينها، مما جعله "لساناً" مناسباً ليضع الجميع عليه آراءهم المتباينة.

أبو هريرة هو أفكارنا عن الإسلام ونبي الإسلام، عن الفتنة الكبرى أيضاً، وهو ناطق بلسان الجميع، أحاديثه التي تقزّم المرأة وتضعها في الدرجة الثانية أو الثالثة من سلّم الخلق هي أحاديثنا. هو لا يحتقر النساء بل نحن من يفعل، إذ وضعنا على لسانه ما نظنّه نحن، ما نعتقد به عنهن وما نرغب بترويجه عنهن، وهو ليس أكثر من راو متخيّل واحد لكلّ الأطراف، ساهم الجميع في صنع أسطورته ونسج خيوطها، وتنصّل الجميع لاحقاً من تبنّيها، فبقي متفرّداً، وحيداً،  ختّالاً، غير ذي مصداقية، يكذّبه الجميع ويلوذ به الجميع عندما يرغبون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard