لم أتخيّل يوماً أن أتعرّض للتحرّش الجنسي في فرنسا

الثلاثاء 21 ديسمبر 202109:37 ص

لم أتخيّل يوماً أن أتعرّض للتحرّش في فرنسا، على الرغم مما قرأته وشاهدته من تقارير وأفلام توثّق التحرّش الجنسي حول العالم، وإدراكي أن هذه الظاهرة ليست محصورةً ضمن منطقةٍ جغرافيةٍ محدّدة. الصورة التي كانت في رأسي عن الحياة في فرنسا، كانت أفضل من الواقع بكثير.

أفكاري المسبقة عن الحياة الوردية في باريس، جعلتني أتخلّى فجأةً عن آلياتي الدفاعية ضد التحرّش، التي اكتسبتها منذ الصغر في سوريا، والتي تضطر معظم النساء إلى اللجوء إليها لينجون في حياتهنّ اليومية هناك، في بلدٍ يجرّم التحرّش الجنسي بقوانينه بالاسم فحسب، ومجتمعه يعدّه مجرّد طيش شبابٍ سببه الأساسي هو تصرّفات النساء، ولباسهنّ. فقد كنت معتادةً على أن أكون متيقظة الحواس على الدوام، فلم أضع يوماً السمّاعات بكلتي أذنيّ عندما أرغب بسماع الموسيقى، وأنا أمشي، كي أسمع من حولي، وأتلفّت خلفي كلّ دقيقةٍ، لأعرف إن كان أحدهم يتعقّبني، وأراقب حركات الرجال من حولي، ومساراتهم، وكأنني جاسوسة. أتجنّب الجلوس والنظر إليهم في الحافلة، كي لا يظنّ أحدهم أن ابتسامتي العابرة هي إشارة مسبقة لموافقتي على التحرّش. تعلمت هناك أن بخّاخ رذاذ الفلفل، يساوي الهوية الشخصية في أهميته، ولا يمكن أن أخرج من دونه. الإجراءات الاحتياطية كلها لم تنجّني تماماً من التحرّش، فلا يزال جسدي يحتفظ ببعض الذكريات المؤلمة التي يصعب التعامل معها، على الرغم من مرور الوقت؛ ذكريات جعلتني أتوق إلى التحرّر عندما تتاح الفرصة. كنت أتلهّف لأفتح مع جسدي صفحةً جديدةً في فرنسا.

أفكاري المسبقة عن الحياة الوردية في باريس، جعلتني أتخلّى فجأةً عن آلياتي الدفاعية ضد التحرّش، التي اكتسبتها منذ الصغر في سوريا، والتي تضطر معظم النساء إلى اللجوء إليها لينجون في حياتهنّ اليومية هناك، في بلدٍ يجرّم التحرّش الجنسي بقوانينه بالاسم فحسب، ومجتمعه يعدّه مجرّد طيش شبابٍ سببه الأساسي هو تصرّفات النساء، ولباسهنّ

يخضع طالبو اللجوء في فرنسا لإجراءاتٍ بيروقراطيةٍ تكبّل حياتهم اليومية، وتزيد من الصعوبات والتحديات؛ إذ يتم فرز طالبي اللجوء إلى منازل مشتركة مؤقتة بأبنية الـ"كادا"، ينتظرون فيها ريثما يتمّ البتّ في طلبات لجوئهم، لمدة قد تزيد عن عامين. في تلك المنازل، يُجمع الرجال العُزّاب، والنساء العزبات، والعائلات، من دون أيّ اهتمامٍ بمراعاة خصوصية النساء، ولا تُتّخذ أيّ إجراءات لحمايتهنّ، ولا تتكفل أيّ جهة بتوعية النساء عن كيفية التصرّف في حالة التعرض للتحرّش، أو الاعتداء؛ في الوقت الذي تجد جدران هذه الأبنية مكتظةً بالمنشورات الهادفة للتوعية بالأمور الصحية والقانونية، التي تركّز غالباً على الإجراءات المتّبعة في حال تم رفض طلبات اللجوء. لا تجد بين هذه المنشورات أيّ ورقة تهدف إلى توعية النساء حول حقوقهنّ في فرنسا، وستجد على الجدران جميع أرقام الطوارئ التي تخطر ببالك، عدا أرقام الجمعيات التي قد تساعد النساء المعنَّفات.

لم أتوقّع أبداً أن تقوم مؤسسة في فرنسا بالدفاع عن متحرّش من خلال ممارسة الضغوط، وتهديد الضحية. لكن عندما بدأت أتداول حكايتي بين النساء العربيات في مجتمعي الضيّق، اكتشفت أن ما حدث معي لم يكن استثناءً.

هذا الظرف الذي تفتقد فيه النساء للمساحة الخاصّة التي يحتجن إليها، يجعلهن أكثر عرضةً للمضايقات. أوّل ما شعرت به هناك، أنني فقدت خصوصية جسدي. فإقفال باب الغرفة لا يكفي، إذ يمتلك المسؤولون عن المكان مفاتيح احتياطية، لا يتوانون عن استخدامها لاقتحام الغرفة في الوقت الذي يحلو لهم! ففي أحد الأيام، كنت مرتديةً قميص نومٍ قصيرٍ، ومستلقيةً على السرير، عندما اقتحم الغرفة فجأةً عامل حصل على المفتاح من إدارة الـ"كادا"، ليجري بعض الإصلاحات في الغرفة، من دون إخطارٍ مسبق. دخل العامل من دون أن يقرع الباب، فغطّيت جسدي على الفور بغطاءٍ رقيق. لم يهتم العامل حينها بصرختي، وأكمل عمله من دون أن ينطق بأيّ كلمة، وكأنه في غرفةٍ خالية!

في مرافق المنزل المشتركة، كان الوضع يزداد سوءاً. كنت أحاول طوال الوقت أن أتجاهل نظرات الجيران الذين يلاحقون بعيونهم جسدي المبلَّل في أثناء عبوري من الحمام إلى غرفتي، وكنت أتمنّى أحياناً أن أختفي في تلك المسافات القصيرة، لأتفادى نظراتهم التي تعرّيني من المناشف السميكة التي تلفّ جسدي. الأمتار التي تفصل بين غرفتي والحمام، كانت دائماً ما تثير قلقي، ففي أثناء مروري بها، كنت أحرص دائماً على إخفاء الفوط الصحية بين ملابسي. الكثير من التفاصيل الصغيرة التي أرهقتني؛ تفاصيل لا يخطر ببال المنظّمات، أو الحكومات، التعاطي معها بجدّية؛ فاحتياجات النساء مغيّبة في كلّ مكان. لذلك لا داعي للتذمّر، بل إنهم يتوقّعون منّا أن نشكرهم على احتوائنا في هذه المساكن المقيتة.

غيّرت نظام حياتي بالكامل، لأتخطّى الظرف، وأتحاشى المضايقات؛ أصبحت أنام نهاراً، وأستيقظ ليلاً عندما ينام الجميع، لأستعمل المطبخ والحمام بحرّية أكبر. في أحد الأيام، دخلت المطبخ عند الساعة الثالثة فجراً، لأحضّر الطعام، وأحسست بأن أحدهم خلفي، لكنني لم ألتفت، لأنني اعتقدت أن زوجي جاء ليساعدني. اقتربت الخطوات منّي ببطءٍ، وامتدت من الخلف يدان لتمسكني. التفتُّ على الفور، وتفاجأت بأنه شريكي في السكن! دفعته بقوّةٍ بعيداً عنّي، بينما ظلّ يبتسم. ركضت إلى غرفتي، وأقفلت الباب على نفسي. بعد سنوات من حضور الورشات النسوية التي تشجّع النساء على مواجهة المتحرّشين، ومحاسبتهم، وعلى الرغم من إيماني بأن فضح المتحرّشين هو الخطوة الأولى للتصدّي لهذه الظاهرة، إلا أنني وجدت نفسي عاجزةً عن فعل أيّ شيء. لم أتوقّع أن أكون بهذا الضعف، وهذه الهشاشة، عندما أتعرّض للتحرّش. لم أتوقّع أن أفقد الخبرة والنضج في مواجهة الموقف، وأعود طفلةً في السادسة عشر من عمرها، تتعرّض للتحرّش للمرة الأولى، ولا تدرك كيف تتصرف، فتخفي الأمر وكأنه ذنبها، وتبكي في الخفاء.

كنت أحاول طوال الوقت أن أتجاهل نظرات الجيران الذين يلاحقون بعيونهم جسدي المبلَّل في أثناء عبوري من الحمام إلى غرفتي، وكنت أتمنّى أحياناً أن أختفي في تلك المسافات القصيرة، لأتفادى نظراتهم التي تعرّيني من المناشف السميكة التي تلفّ جسدي

دخلت غرفتي وأنا أبكي، فهرع زوجي إليّ لمعرفة السبب، لكنني كذبت حينها، وأخبرته بأنني رأيت فأراً في المطبخ. خذلت نفسي، وصمتت يومها، وكانت لذلك آثار سلبية في الأيام التالية، إذ بدأ جاري بالتمادي أكثر فأكثر، وبات يلاحقني ليلاً كلّما خرجت من غرفتي، وينظر إليّ ويبتسم، فأشعر بالذعر لظهوره المفاجئ. وفي إحدى المرات، خرجت من غرفتي لاستعمال الحمام، وعندما سمع صوت خطواتي في الممرّ، خرج من غرفته عارياً، ووقف وهو يبتسم، فركضت إلى غرفتي على الفور، وعزمت على فضح الأمر.

في اليوم التالي ذهبت إلى إدارة الـ"كادا" لأخبرهم بالقصة كاملةً، وأشتكي على جاري بتهمة التحرّش الجنسي. سألني المسؤول عن المركز إن كان هناك شهود؟ حينها تفاجأت من سؤاله: هل يتوقّع أن المتحرّش ينتظر وجود شهودٍ لارتكاب جريمته!

شكك المسؤول عن المركز في كلامي، وأخبرني بأنه من غير الممكن أن يمتلك أحد الشجاعة ليتحرّش بي، وهو يعلم أنني أقطن مع زوجي، وأخبرني بأن الإجراء الوحيد الذي سيتّبعه، هو التحدّث مع المتحرش ليطلب منه ألا يمشي عارياً في المنزل. هددته باللجوء إلى الشرطة في حال لم يتمّ إبعاد المتحرّش عن شقّتي، فقال حينها: "الشرطة لن تفعل أيّ شيءٍ في حال عدم وجود دليل قاطع"، وأشار إلى أن هذا التصرف سيعرّض سمعة الـ"كادا" للخطر، وسيؤدّي غالباً إلى حرماني من السكن، أو على الأقل سيؤدي إلى نقلي إلى غرفة أصغر! لقد كان كلامه واضحاً: السكوت مقابل السكن.

في أحد الأيام، دخلت المطبخ عند الساعة الثالثة فجراً، لأحضّر الطعام، وأحسست بأن أحدهم خلفي، لكنني لم ألتفت، لأنني اعتقدت أن زوجي جاء ليساعدني. اقتربت الخطوات منّي ببطءٍ، وامتدت من الخلف يدان لتمسكني. التفتُّ على الفور، وتفاجأت بأنه شريكي في السكن!

كانت تلك المحادثة صادمةً، فلم أتوقّع أبداً أن تقوم مؤسسة في فرنسا بالدفاع عن متحرّش من خلال ممارسة الضغوط، وتهديد الضحية. لكن عندما بدأت أتداول حكايتي بين النساء العربيات في مجتمعي الضيّق، اكتشفت أن ما حدث معي لم يكن استثناءً، فعدد كبير من النساء من حولي تعرّضن للضغوط من قبل الموظفين، لعدم تقديم أي شكوى حول الانتهاكات التي حدثت معهم في مراكز طالبي اللجوء. جميع الحكايات تشترك في نقطةٍ أساسية، هي أن النساء يتراجعن عن الشكاوى التي يقدّمونها بسبب الخوف من المخاطرة في إجراء بلاغٍ عديم الجدوى، لأن قوانين التحرّش الجنسي في فرنسا فضفاضة، وتصبّ في مصلحة الذكور، فلا يتمّ العمل بها من دون وجود شهود، وفي معظم الحالات المثبتة يكتفون بتغريم المتحرّش بمبلغٍ مالي عقاباً على ما ارتكبه. ففي عام 2019، تعرّضت الشابة ماري لاجير للتحرّش اللفظي في وسط شوارع باريس، وعندما حاولت أن تردّ على المتحرش قام بالاعتداء عليها بالضرب. صوّرت الحادثة، ونشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي، فقامت السلطات بتغريم المتحرش بمبلغ 1500 يورو، لاعتدائه بالضرب على لاجير، ولم يدَن بالتحرّش.

ركضت إلى غرفتي، وأقفلت الباب على نفسي. بعد سنوات من حضور الورشات النسوية التي تشجّع النساء على مواجهة المتحرّشين، ومحاسبتهم، وعلى الرغم من إيماني بأن فضح المتحرّشين هو الخطوة الأولى للتصدّي لهذه الظاهرة، إلا أنني وجدت نفسي عاجزةً عن فعل أيّ شيء.

الشكوى التي تقدّمتُ بها لإدارة الـ"كادا"، لم تزِد الوضع إلا سوءاً، فبعد أن علم المتحرّش بأنني اشتكيت عليه، أصبح أكثر عنفاً. لقد كان أجبن من ارتكاب أيّ شيء بحضور زوجي، لذلك كان يقتنص أيّ فرصة يغيب فيها، ليتقصّد ترهيبي. وفي أحد الأيام، حمل سكيناً، وشهره في وجهي، وكأنه يريد قتلي. يومها اتّصلت بالشرطة على الفور، لكنهم لم يأتوا، بل اكتفوا بالتواصل مع إدارة المركز لحلّ الأمر داخلياً، وكأن الانتهاكات التي يتعرّض لها طالبو اللجوء، أقلّ شأناً من أن تشغل بالهم. جاء المسؤولون عن الـ"كادا" إلى غرفتي بعدها، وبدأوا يوبّخونني على الاتصال بالشرطة من دون الرجوع إليهم، وطلبوا منّي حزم أمتعتي لينقلوني إلى غرفةٍ أصغر. حينها بدأت أصرخ، وأخبرتهم بأنني صحافية، وسأكتب عما حدث معي لديهم، وكيف أجبروني على العيش مع المتحرّش، ليعلن المسؤول فجأةً أنه من أشدّ الداعمين لحقوق النساء، وأنه سيحاول إقناع إدارة الـ"كادا" بنقل جاري المتحرّش، على الرغم من عدم وجود أدلّة.

في اليوم التالي، تم نقله من شقّتنا في الطابق الأول، إلى شقّةٍ في الطابق الثالث من البناء ذاته! والأسوأ من ذلك، أن شقّته الجديدة لا يشاركه فيها سوى أمّ عزباء عراقية، تعيش برفقة طفلين صغيرين؛ ليبدو أنهم يكافئون المتحرّش بوضعه أمام فريسةٍ أسهل. وهناك ارتكب جريمته الجديدة، حين تحرّش بجارته الجديدة، وضربها حين تمنّعت عنه، وهرب بعد أن تركها مرميةً على الأرض، وأطفالها يصرخون حولها. في ذلك اليوم، استعانت إدارة المركز بالشرطة، ليحتجزوا المتحرّش بضع ساعات فقط، قبل أن يطلقوا سراحه، ويسمحوا له بالعودة إلى غرفته بجوار الضحية التي وجدت نفسها في النهاية مجبرةً على مغادرة غرفتها، خوفاً على نفسها وعلى أطفالها!

الشهر الماضي، خرجت مظاهرات نسائية في أنحاء فرنسا كافة، لتطالب الحكومة بالمزيد من الإجراءات لوقف العنف ضد النساء، مع ازدياد حالات التحرّش، والانتهاكات الجنسية في البلاد، ويقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراءٍ غريب، إذ افترض أن حلّ المسألة يتمّ عن طريق المال، بدلاً من تعديل القوانين، والإشراف على تطبيقها بجدّية؛ إذ خصص مليار يورو من الميزانية السنوية، لمحاربة العنف ضد النساء، بدلاً من الـ360 مليوناً، التي كانت مخصّصة للأمر. لكن المشكلة لا تتعلّق في فرنسا بالشعارات، وما يُنفَق من أموالٍ على قضايا التحرّش والعنف ضد المرأة، بل بكيفية تطبيق هذه الشعارات والإنفاق؛ فغالباً ستذهب هذه الأموال إلى جمعيات ومراكز شبيهة بالـ"كادا" التي تعرّضت للتحرّش فيها، وقد يديرها أشخاص لا يؤمنون أصلاً بأن التحرّش يستحقّ هذه العواقب كلها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard