عن أسوأ تجربة على الإطلاق مررت بها منذ مجيئي إلى فرنسا

الأربعاء 27 أكتوبر 202109:11 ص

انتقلت إلى فرنسا مطلع العام 2020 بعد حصولي على تأشيرة طلب لجوء سياسيّ من القنصلية في بيروت نتيجة التزاوج بين خطر ممارسة عملي الصحافي وخطر حرمان السلطات اللبنانية لي، كما لمئات آلاف السوريين، من حقّ اللجوء والإقامة والعمل شرعاً.

على الرغم من فائدة وصحّة الكثير من النصائح التي قدمها لي أصدقائي قُبيل السفر وبُعيد الوصول إلى فرنسا، لم يحذّرني أحدٌ من أسوأ تجربة على الإطلاق مررت بها منذ مجيئي: دورة التكوين الإلزامية في الحياة المدنية، التي تتألف من أربعة أيام متباعدة شعارها: "التعايش تحت قيم الجمهورية"، وتركز على خمسة محاور أساسية: اكتشاف فرنسا، العمل، الصحة، الأبوة والأمومة، والسكن.

رغم كل ما شهدته من استعلاء ثقافي واجتماعي متفشٍّ بشكل واضح في هذا البلد، يكبر ليتصدر عناوين صحف العالم بأسره في كل حين وآخر، فاقت هذه الدورة، بفكرتها وآليات تنفيذها، كل ما شهدته أو سمعت عنه منذ مجيئي إلى هنا.

كما أن سوء تنظيم هذه الدورة، ورداءة المراكز التي استضافتها، وقلة مهنية القائمين عليها، والأسلوب المتعالي لمدرّبيها في مخاطبتهم للحاضرين قسراً، وكثرة مضيعة الوقت خلالها، كلها دفعتني لنقل التجربة التي تجسّد بأرَثِّ الحُلل، نظرة فرنسا الإشكالية إلى نفسها وإلى غيرها من البلدان.

لم يحذّرني أحدٌ من أسوأ تجربة على الإطلاق مررت بها منذ مجيئي: دورة التكوين الإلزامية في الحياة المدنية، التي تتألف من أربعة أيام متباعدة شعارها: "التعايش تحت قيم الجمهورية"، وتركز على خمسة محاور أساسية: اكتشاف فرنسا، العمل، الصحة، الأبوة والأمومة، والسكن

صادف بعض الأيام الأربعة للدورة عطلة أسبوعية، ما حرم الحاضرين من استراحتهم المنتظرة بعد أيامٍ من العمل الشاق، أو من التزاماتهم الأسرية؛ أو خلال يوم عمل، جابراً الحاضرين على إعادة ترتيب مسؤولياتهم المهنية.

في اليوم الأول، فوجئت عند دخول المركز الواقع على أطراف العاصمة الفرنسية بصغر حجمه مقارنة مع عدد الموجودين فيه: قرابة 25 شخصاً في غرفة لا تتجاوز مساحتها 15 متراً مربعاً، كل نوافذها مغلقة رغم حرّ الصيف وخطر عدوى فيروس كوفيد-19.

كان موعد اليوم الأول من "التكوين المدني" الساعة التاسعة صباحاً من يوم سبت. أتى كل المُجبرين على الحضور بحلول الوقت المُحدد باستثناء واحدٍ أو اثنين وصلوا تباعاً خلال نصف الساعة اللاحق.

الوحيد الذي تبين بعد تأخير ساعة ونصف أنه لن يحضر كان المدرّب/ة المسؤول/ة عن الصفّ الذي تم حشر الحاضرين فيه. كان الحلّ لذلك أن طلبت إدارة المركز من المُتَرجِمة، التي كان دورها الهمس بالإنكليزية في آذان الحاضرين ممن لم يتقنوا لغة البلاد بعد، أن تقوم هي بالتدريس، والاستغناء عن دورها الأساسي رغم وجود من لا يجيدون الفرنسية أبداً بين الحضور، وهي ظاهرة تكررت في اليوم الرابع.

اتضح خلال إجراء التفقد أنني كنت أحدث المنتقلين إلى فرنسا (حوالي عشرين شهراً) بين الحضور، إذ كان هنالك أناسٌ يعيشون هنا منذ سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات. ما جعل الكثير مما قيل خلال الأيام الأربعة مثيراً للعجب في شدة تأخره، كالحديث عن كيفية طلب الإقامة وكيفية تلقي الرعاية الصحية.

ما هي عاصمة فرنسا؟

بنبرة معلمة في الصف الأول الابتدائي تسأل تلاميذها "ماذا تعطينا البقرة؟" منتظرة رداً جماعياً ذي نغمة موسيقية: "الحليب!"، هكذا طرحت المدرّبة في اليوم الأول على الحاضرين أسئلة مثل: ما هي عاصمة فرنسا؟، أين تقع فرنسا؟، وما هو نظام الحكم في فرنسا؟

أما بعض الأسئلة فاستدعت الإجابة بصح أو خطأ: "لا يمكنكم الذهاب إلى المستشفى في فرنسا إن لم تكن لديكم الجنسية الفرنسية، صح أم خطأ؟"

كما كانت هنالك الكثير من النصائح المهنية التي استدعت نظرات تهكّمية بين الموجودين: "حتى تحصلوا على العمل، يجب أن تقوموا بكتابة CV" بالإضافة إلى "في حال تمت دعوتكم لإجراء مقابلة عمل، يجب أن تكونوا هنالك في الوقت المحدد، وإلّا فإن ذلك سيؤثر سلباً على فرصة حصولكم على العمل."

خلال اليوم الثاني، الذي كان في المركز ذاته، والقاعة الضئيلة ذات النوافذ المغلقة والباب المفتوح الذي تتسرب عبره أصوات الصفوف الملاصقة ذاتها، كان المدرّب مختلفاً: حقوقيّ هاجر من الجزائر إلى فرنسا منذ 25 عاماً، وأعجبه موطنه الجديد لدرجة أن دعانا لأنو نكون مدينين لفرنسا بصدق، "فلولاها لكنّا لا نزال في قرانا".

ما كنا حقّاً مدينين له خلال هذا اليوم الثاني من الأيام الأربعة، هو أنه اليوم الوحيد الذي لم ننتظر فيه ساعة أو اثنتين حتى وصول المدرب.

لم يخل الحديث عن رموز الدولة الفرنسية وقيمها وتاريخها من الأخطاء والتناقضات. إذ تغيرت القيم والمبادئ بين اليوم الأول والثاني. وعند الحديث عن بعض المحطات التاريخية، كان هنالك التباسات واضحة، كالقول بأن مفعول مرسوم نانت--الذي أنهى من خلاله هنري الرابع عام 1598 الحروب بين الكاثوليكيين والبروتستانت--استمرّ حتى سن قانون فصل الدين عن الدولة في 1905.

فرنسا لا تخجل من رغبتها بأن ينسلخ من يأتون إليها عن ماضيهم، وأن يتأبّطوا هوية اجتماعية وثقافية على الطراز الفرنسي

نسي المدرّب أن لويس الرابع عشر، في سعيه لفرض نظام السلطة المطلقة للملك، أبطل العمل بالمرسوم وعاود ملاحقة البروتستانت. كما لم يمرّ المدرب بفترة "الكونكوردات"، وهي المعاهدة التي وقعها كلّ من الفاتيكان ونابّوليون بونابارت، معلنين أن الكاثوليكية هي دين الأكثرية في البلاد، في محاولة لمصالحة الثورة الفرنسية مع الكنيسة، والتي استمرت حتى 1905.

كان كلّ من اليومين الثالث والرابع في مراكز مختلفة، إلّا أنها حملت العلامة التجارية للمركز الأول: ضئالة الحجم بالمقارنة مع عدد الحضور، وانعدام النوافذ.

بعد تأخير ساعتين كاملتين، اتضح أن المدرب المسؤول عن اليوم الثالث لن يأتي. مرة أخرى، استدعي شخص آخر ليعطي الدرس، أيضاً دون سابق استعداد أو تحضير.

في اليوم الرابع، وصل المدرّب متأخرًا ساعة كاملة، وفوجئ عندما أخبرناه أننا المجموعة التي اختارت الشقّ الثقافي من اليوم الرابع، حيث لم يكن أحدٌ قد أعلمه بذلك.

تحدث المدرب خلال اليوم بأكمله إلى جميع الحاضرين بصيغة المفرد المخاطب ذات الطابع الحميمي (tu / toi) دون تصحيح أيّ شخصٍ ناداه بصيغة جمع المخاطب ذات الطابع الرسمي vous، وكأن المُجبرين على الحضور طلاب في المدرسة الابتدائية.

بعد توزيع أوراق على ربع الحاضرين (لم تكن آلة المسح الضوئي تعمل لتقديم عدد كافٍ من النسخ) تحمل صوراً لمعالم ومواقع فرنسية، بدأ اليوم التكويني الأخير.

الصورة الأولى- على حد علمي، إذ لم أكن أحد المحظوظين الذين حازوا على ورقة - كانت لكاتدرائية نوتردام في باريس، ما قاد إلى حديث كانت بداياته واعدة، عن بعض الكنائس الشهيرة في فرنسا، وتاريخها، وطرازها العمراني، لولا أن الحديث أخذ بُعداً مختلفاً بعد ذلك بقليل.

لاحظ المدرس خلال مناقشة الموجودين في القاعة أن بعضهم لا يؤمن بالله، ما قاده لأن يروي قصة الشفاء الإعجازي لعمته من مرضٍ عضال بعد زيارتها إلى منطقة لورد بفرنسا، وهي وجهة الكثير من الحجاج الكاثوليكيين، وتغطيسها في "الماء المقدس" هناك.

"هناك عشرات الشهادات المختلفة عن ظهور العذراء في منطقة لورد بفرنسا … فلا يقلّ لي أحدٌ أن هذه كلّها غير صحيحة أو ملفقة."

لم أعلم خلال الاستراحة الأولى أن غرابة ذلك اليوم الأخير من المعاناة لم تكن قد بلغت أوجها بعد؛ إذ شرعنا بعدها نناقش معالم فرنسية أخرى غير الكنائس، أبرزها متحف اللوفر وقصر فيرساي، وكيف كان الأول القصر الملكي حتى غادره الملك لويس الرابع عشر في مطلع عهده ليستقر في الأخير، والذي لم يكن قبل ذلك سوى مقرّ مبيت الملك الشاب عندما يغادر عاصمته ليمارس هواية الصيد.

بعد انتهائه من الحديث عن عظمة الملك لويس الرابع عشر، وخصاله الحميدة، انتقل إلى لويس الخامس عشر، ومن ثم إلى لويس السادس عشر، الملك الذي قامت الثورة الفرنسية في عهده، وأودت إلى قطع عنقه وعنق ملكته، النمساوية ماري أنطوانيت.

"الثوريون هم من قتلوا الملك والملكة، وليس الناس، من الخطأ أن نقول أن الناس قاموا بذلك … فقط حفنة من الثوريين الذين لم يريدوا شيئاً سوى الاستيلاء على السلطة لأنفسهم."

تحدث المدرب بشغف عن براءة الملك لويس السادس عشر وزوجته، اللذين قاما بكل ما بوسعهما لتحسين أحوال البلاد، ولكن المناخ لم يساعدهم إذ أودى بالمحاصيل الزراعية قبل اندلاع الثورة. كما قال أن الثوار قاموا باختيار أصدقائهم ليكونوا هيئة المحلفية عند مقاضاة الملك، ورشوهم بالمال ليضمنوا إعدامه.

ظننت خلال استراحة الغداء أنّني ظلمت المدرس من خلال استماعٍ انتقائي لما قاله، وأنني أبالغ في سوء توصيفه لواقع فرنسا قبيل قبيل الثورة من قدر الكراهية التي تراكمت لديّ تجاه هذا الكورس الذي كاد أن يذكرني بدروس التربية القومية الاشتراكية في صفوف مدارس سوريا الأسد. لكن، بعد الغداء فوراً: "أين كنا … آه، الملك لويس السادس عشر… ذلك الملك المسكين… ذلك الملك البريء الذي تكالبوا عليه."

بنبرة معلمة في الصف الأول الابتدائي تسأل تلاميذها "ماذا تعطينا البقرة؟" منتظرة رداً جماعياً ذي نغمة موسيقية: "الحليب!"، هكذا طرحت المدرّبة في اليوم الأول على الحاضرين أسئلة مثل: ما هي عاصمة فرنسا؟، أين تقع فرنسا؟، وما هو نظام الحكم في فرنسا؟

ليست فرنسا الوحيدة

هناك سؤال مشروع قد يمرّ بذهن القارئ خلال المرور بوصفي لتجربة هذه "الدورة التكوينية": هل يعتقد كاتب هذا المقال أن غناه عن هذه الدورة والمعلومات التي تم تقديمها خلال أيامها الأربعة يعني بالضرورة جميع المهاجرين على اختلاف خلفياتهم لا يحتاجونها أيضاً؟

لا أهدف من خلال وصفي لهذه التجربة للقول بأنها لم تقدم شيئاً من المنفعة لأحد؛ وإلا فسأكون على خطأ.

عند الحديث عن بعض الجوانب المتعلقة بالقطاع الصحي أو سوق العمل، كان هنالك أناسٌ يدوّنون ملاحظات ويطرحون الأسئلة. وأثق تماماً أنني كنت لأتعلم الكثير من هذه التجربة لو أنها تزامنت مع الأشهر الثلاثة الأولى لي في البلاد، وليس بعد أن خضت، كما غيري، تجارب حيازة الحق بالإقامة والعمل والسكن والرعاية الصحية خلال قرابة عامين، أو على الأقل تجربة السعي لحيازتها.

في نهاية اليوم الثاني، طالب المدرب الحضور أن يسمّوا ثلاثة أهداف عليهم تحقيقها قبل اليوم الرابع، والذي كان بعد ذلك بشهر. اشتملت اقتراحاته على: إرسال الأولاد إلى المدرسة، وكتابة CV والبحث عن عمل. وهنا تساءلت، هل هنالك من أحد كان بانتظار هذه الدورة حتى يقوم بهذه الأمور؟ بعد شهورٍ، أو سنوات، من الإقامة في فرنسا؟ لو كانت هذه الدورة التكوينية اختيارية، منحصرة ببعض المعلومات المهمة حول البلاد، ومن ثم نصائح عملية وشروحاً واضحة لقوانين العمل والنظام الصحي وغير ذلك، لكانت ذات فائدة أكبر بكثير.

ليست فرنسا الدولة الوحيدة في العالم التي تسعى لإطلاع المهاجرين إليها، الذين ينوون البقاء مدة طويلة وربما أن يصبحوا مواطنين، على هيكليتها الإدارية والمجتمعية، وقوانينها، وحقوق وواجبات قاطنيها. ولعلّها ليست الدولة الوحيدة التي تمتدّ فيها هذه المساعي لتشمل محاولات جدية لأدلجة المهاجرين بحجة تسهيل اندماجهم.

لكن فرنسا لا تخجل من رغبتها بأن ينسلخ من يأتون إليها عن ماضيهم، وأن يتأبّطوا هوية اجتماعية وثقافية على الطراز الفرنسي، وأن يعلو الامتنان لهذا البلد الذي احتواهم فوق كل شعور آخر. لا يسلم المهاجرون في فرنسا، ولا أولادهم أو أحفادهم، من كبريائها الجريح، الباحث عن نسيجٍ بغيض التجانس، صعب التحصيل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard