"العدالة لا تعرف حدوداً ولا جنسيات"... رُهام هوّاش من اليرموك إلى محاكمة كوبلنز

الاثنين 20 ديسمبر 202111:45 ص

هذا النص هو جزء من مجموعة نصوصٍ عن عرب يعيشون في أوروبا؛ عن بعض أوجه حيواتهم، وعن كيف يعيشون؟ وفي ماذا يفكّرون؟ وما هو شكل هذه الحياة؟ سوف تُنشر هذه النصوص تباعاً في رصيف22.

"أضافت المحاكمة خاتمةً إلى قصة اعتقالي، ففي السابق كنت أقول إنّه قد تمّ اعتقالي، وأسر حرّيتي، وانتهاك حقوقي. أما اليوم، فأستطيع إكمال القصة، والقول إنّني ساهمت في محاكمة أحد أولئك الذين فعلوا ذلك، وأعدت جزءاً من كرامتي المنتهَكة".

جاء ما سبق، ضمن مرافعة رُهام هوّاش، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، والمتضمَّن في المرافعات النهائيّة للمدّعيات والمدّعين المشاركين في المحكمة الإقليمية العليا، في مدينة كوبلنز الألمانيّة، أو ما يُعرف باسم محاكمة الخطيب، والتي تتمّ فيها محاكمة الرئيس السابق لقسم التحقيقات في فرع 251 التابع للمخابرات العامة السوريّة في دمشق، أنور رسلان.

ألتقيتُ رُهام هوّاش، بعد أيامٍ قليلةٍ من نشر هذا التصريح، في بيتها، في العاصمة الألمانيّة، برلين. بيتها واسع يشعر المرء فيه بالراحة منذ دخوله إليه، وحتى لحظة خروجه منه، وكأنّه قد عاش سابقاً في هذا البيت الذي يدخله الضوء من الاتجاهات كلها. منزلها "نظيف مثل عين الديك"، وتتشاركه مع قطٍّ اسمه "زعتر". بيتها يشبهها، كلّ شيء فيه منظَّم، وفي مكانه؛ لا فوضى، ولا "كركبة"، الأشياء كلّها واضحة ومتموضعة في مكانها، ولا مفاجآت.

عاشت رُهام هوّاش، الفلسطينيّة السوريّة، سنواتها الأولى في مدينة هامبورغ، في شمال البلاد، وانتقلت للعيش في برلين خلال العام 2020. "في برلين، أكاد لا أشعر بالغربة، أصدقائي وصديقاتي فيها أعرفهم مذ كنتُ أعيش في سوريا، أولئكِ هم سندي في هذه البلاد، ووجودهم يخفّف من شعوري بالغربة"

بسبب حساسيتي من القطط، نخرج من البيت لنكتشف أجزاءً مختلفةً من برلين. نتوجه إلى وسط المدينة، قريباً من موقع سجن بارنيم المركزي للنساء، والذي سُجنت فيه المناضلة والمفكرة روزا لوكسمبورغ. "في هذا الموقع الذي نقف فيه، هتف الناس لحريّة روزا لوكسمبورغ"، قالت رُهام.

سُجنت لوكسمبورغ لأسبابٍ سياسيّة، ولفتراتٍ متقطعة، في هذا السجن، خلال أعوام 1907، و1915، و1917، وذلك بسبب نشاطها السياسي ضدّ قيام الحرب العالميّة الأولى. شاركت خلالها عدداً من النساء المحكومات جنائياً، بجانب أخريات سُجِنَّ لأسبابٍ سياسيّة. في ذلك السجن الذي تمّ إنشاؤه في العام 1864، كتبت روزا لوكسمبورغ وناضلت ضدّ قيام الحرب.

تمّ هدم السجن في العام 1974، كي لا تعاد الفظاعات التي ارتُكبت في داخله، ولا سيما في زمن ألمانيا النازيّة، مرةً أخرى، وبُنيت في المكان مدارس تعليميّة، ومراكز نشاطات رياضيّة ومدنيّة مختلفة.

الصورة  بعدسة غيفارا نمر

اختارت رُهام هوّاش، الواصلة إلى ألمانيا نهاية العام 2012، ذلك المكان لنمشي حوله، بسبب رمزيته الكبيرة بالنسبة إليها. ذلك المكان الذي تعرّفتْ عليه من خلال رحلات مشيها الممتدة لساعاتٍ طويلة، وحيدةً، أو مع أصدقائها، في شوارع المدينة؛ "أمشي وأمشي وأمشي لأعرف المدينة أكثر، المشي هو رياضتي المُفضّلة".

لا تنسى رُهام هوّاش أيام اعتقالها وتعذيبها في سوريا، ولا تنسى المعتقلين والمعتقلات فيها اليوم، إيماناً منها بالحريّة التي يستحقها البشر كلّهم.

عاشت رُهام، الفلسطينيّة السوريّة، سنواتها الأولى في مدينة هامبورغ، في شمال البلاد، وانتقلت للعيش في برلين خلال العام 2020. "في برلين، أكاد لا أشعر بالغربة، أصدقائي وصديقاتي فيها أعرفهم مذ كنتُ أعيش في سوريا، أولئكِ هم سندي في هذه البلاد، ووجودهم يخفّف من شعوري بالغربة"، تقول رُهام.

درست هوّاش الاقتصاد، وحصلت على درجة الماجستير في دراسات الأمن والسلام، وشاركت في الثورة السوريّة السلميّة منذ بدايتها في أواسط آذار/ مارس 2011، ونشطت في المجتمع المدني، والحركات الشعبيّة غير العنفيّة، وشاركت في لقاءاتٍ سياسيّة عديدة، وهي عضوة حالياً في مجلس إدارة اتحاد المنظّمات الألمانيّة السوريّة، ومشاركة دوريّة في كتابة أبحاثٍ ودراساتٍ حول الشرق الأوسط.

عملها الرئيسي هو نائبة مدير منظمة إمباكت للبحث والتطوير في مجال المجتمع المدني، وهي المنظّمة التي شاركت في تأسيسها في العام 2013، وهي غير ربحيّة تهدف إلى "إنشاء مجتمعٍ مدنيٍّ نشطٍ عالمياً، ومتّصل جيداً، ليمثّل حجر الزاوية للتغيير الاجتماعي والسياسي".

تجيب عند سؤالها عن طبيعة عملها: "أقوم بكلّ شيءٍ، وفي الوقت نفسه لا أقوم بفعل شيء محدّد". مثلها مثل مايسترو فرقة موسيقيّة، أو مخرج/ ة فيلم سينمائي، تنسّق أعمال الجميع حين لا تمشي الأمور مثلما خُطِّط لها، وتتدخل في العمل حين يطلب منها زملاؤها وزميلاتها ذلك، من أجل حلّ مشكلة ما. تكتب وتنسّق وتحضر الاجتماعات. عملها هو المركز الذي تدور حوله حياتها: "أعمل لساعاتٍ طويلةٍ جداً، ربما أكثر من اثنتي عشرة ساعة في اليوم"، تقول وهي تمشي في إحدى حدائق برلين الكثيرة.

نصعد إحدى التلال القليلة في المدينة، وتنظر إلى الأبنيّة الممتدة أمامها وتقول: "كلّ شيءٍ سورياليّ، ما الذي يعنيه عيشي في برلين؟ ما الذي يعنيه أن يكون عندي هذا البيت البعيد عن بلادنا؟ كلّ شيءٍ سوريالي." تحكي قليلاً عن الحياة في ألمانيا، وعن الشمس المفقودة في هذه البلاد، وعن تعبها من العيش فيها.

"ما الذي تعنيه محاكمة ضابط مخابرات سوري في ألمانيا، بالنسبة إليكِ، وأنتِ لاجئة سوريّة هنا، وقبلها لاجئة فلسطينيّة في سوريا؟"، أسألها من دون مقدّمات، فتسكت قليلاً، ثمّ تجيب: "تعني المحاكمة أنّ العدالة لا تعرف حدوداً، ولا جنسيات".

"كلّ شيءٍ سورياليّ، ما الذي يعنيه عيشي في برلين؟ ما الذي يعنيه أن يكون عندي هذا البيت البعيد عن بلادنا؟ كلّ شيءٍ سوريالي." تحكي قليلاً عن الحياة في ألمانيا، وعن الشمس المفقودة في هذه البلاد، وعن تعبها من العيش فيها

لا تنسى رُهام هوّاش أيام اعتقالها وتعذيبها في سوريا، ولا تنسى المعتقلين والمعتقلات فيها اليوم، إيماناً منها بالحريّة التي يستحقها البشر كلّهم. تنهي هوّاش مرافعتها المتضمَّنة في المرافعات النهائية أمام المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز بالقول إنّها تؤمن بـ"أن حكم هذه المحكمة هو بالتأكيد، ليس العدالة للسوريين والسوريات، ولن يكون بديلاً لإيجاد حلٍّ شاملٍ ومستدامٍ لقضيّة المعتقلين والمعتقلات، ولقضيّة سوريا ككلّ، لكن لا بدّ أن يكون هذا الحكم دعوةً صارمةً للحكومة الألمانيّة، ولحكومات العالم كلّها، للقيام بفعلٍ حقيقيٍّ، وإنقاذ من لا يزال من الممكن إنقاذهم داخل زنازين النظام، وفي سجنه الكبير المسمّى سوريا الأسد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard