القتل عبر "الريموت كونترول"... حروب الظلّ الأمريكية التي لا تنتهي في اليمن!

السبت 18 ديسمبر 202111:21 ص

في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2002، استهدفت أوّل طائرةٍ أمريكية من دون طيّارٍ، شخصاً يُدعى "أبو علي الحارثي"، في مدينة مأرب في اليمن، والذي يُعتقد أنه قام بالتخطيط للهجوم على المدمّرة الأمريكية "USS Cole"، في العام 2000.

تَكمُنُ أهمية مقتل الحارثي، في تحقيق النجاح الكبير لبرنامج "القتل المستهدف"، الذي وُلِد في أعقاب مقتله. ومع ذلك، بقي مقتل الحارثي موضع نقاشٍ أخلاقيٍّ وقانونيٍّ حول شرعية استخدام الطائرات من دون طيّار، لكن الولايات المتحدة تخطّت/هما، وركّزت أكثر على تقنية القتل عن بُعد. ومنذ ما يقرب من عقدَين من الزمن، ما زال الشعب اليمني يعاني من حالة الخوف المستمرّة، جرّاء ضربات "الدرونز" المنهالة على رؤوسهم، إذ شنّت الولايات المتحدة على اليمن أكثر من 500 غارةٍ بطائرات من دون طيّارين، وقتلت المئات من المدنيين، بينهم أطفال ونساء.

وصلت حرب "الدرونز" في اليمن إلى إدارتها الرابعة، وكان بايدن نائباً للرئيس السابق باراك أوباما، وجزءاً من الإدارة التي أشرفت على التصعيد الكبير لعمليات القتل باستخدام "الدرونز"

وعلى الرغم من المعارضة الواسعة لبرنامج الطائرات من دون طيّارين، والضغط من المؤسسات الحقوقية في الداخل والخارج (طالبت أكثر من مئة منظمة حقوقية من الرئيس بايدن إنهاء ضربات الدرونز على المدنيين)، وعدت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بالقيام بمراجعة مهام الطائرات تلك، في اليمن وغيرها، وأعلنت أنها ستفرض قيوداً وتدابير مؤقّتة لتجنّب إلحاق الضرر بالمدنيين، وهو ما يطرح تساؤلاتٍ عن حقيقة هذه الوعود، وجدّيتها، وعما إذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية مستمرّةً على نهج الإدارات الثلاثة السابقة نفسه، في التعامل مع ملفّ الطائرات من دون طيّارين.


"درونز" بايدن

وصلت حرب "الدرونز" في اليمن إلى إدارتها الرابعة، وكان بايدن نائباً للرئيس السابق باراك أوباما، وجزءاً من الإدارة التي أشرفت على التصعيد الكبير لعمليات القتل باستخدام "الدرونز"، وظلّت الطائرة من دون طيّارٍ، التكتيك المفضّل لأوباما، ثم فرض قيوداً متواضعةً عليها في آخر فترةٍ من حكمه، إلى أن قامت إدارته بتسليم الملف إلى الإدارة الجديدة.

بلغت الهجمات ذروتها في ظل إدارة ترامب، والتي كانت مرنةً للغاية في ملف "الدرونز"، إذ خفّفت القيود التي فرضتها الإدارة السابقة، وسمحت للجيش والاستخبارات بأن يقرروا بأنفسهم الأهداف

بلغت الهجمات ذروتها في ظل إدارة ترامب، والتي كانت مرنةً للغاية في ملف "الدرونز"، إذ خفّفت القيود التي فرضتها الإدارة السابقة، وسمحت للجيش والاستخبارات بأن يقرروا بأنفسهم الأهداف، من دون الحاجة إلى الرجوع إلى البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، وهو ما جعل الأمر أكثر لا مركزية من قبل، ما أدّى إلى ارتفاعٍ سريعٍ وكبيرٍ في عدد الهجمات التي وصلت على مدى أربع سنوات إلى 133 غارةً، وقع بسببها 42 حادثاً بين المدنيين، وما يقدّر بنحو 86 إلى 154 قتيلاً مدنياً، بينهم 28 طفلاً، و13 امرأةً، بالإضافة إلى الجرحى والمصابين. ومع ذلك، فإن مؤسسة "Airwars"، رصدت 146 غارةً أخرى، بالإضافة إلى الـ133 السابقة، خلال عهد ترامب.

ومذ تولّى بايدن منصبه، زعم بأنه سيصحّح تجاوزات سلفه، وقام بعمل مراجعة لسياسات أوباما وترامب تجاه ملف "الدرونز" في اليمن، وأماكن أخرى، واجتمع مع مستشارة الأمن الداخلي، إليزابيث شيروود راندال، وكبيرة مديري مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، كلير لينكينز، بهدف "تصحيح التجاوزات الماضية، ومناقشة شروط سياسةٍ جديدة".

وأصدر مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، قيوداً مؤقّتة حول استخدام "الدرونز" في اليمن، وبعض الدول، تتطلب الإذن أَولاً من الرئيس بأهداف الاغتيال، وحصول الجيش ووكالة المخابرات المركزية على إذنٍ وموافقةٍ من البيت الأبيض، قبل البدء بتنفيذ أيٍّ من ضربات الطائرات من دون طيّارين.

المأساة في اليمن

على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الإدارة الأمريكية لإبقاء ضربات الطائرات من دون طيّارين سرّية، بالإضافة إلى عدم وجود إحصاء شامل للقتلى المدنيين، بسبب صعوبة تأكيد هويات القتلى، فقد رصدت بعض المنظّمات الحقوقية، من ضمنها منظمة أمريكا الجديدة، مع ذلك، غارتَين لطائرات من دون طيّارين وقعتا في محافظة شبوة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وقُتل فيهما ثلاثة أشخاصٍ، وكشف مسؤول حكومي طلب عدم الكشف عن هويته، لوكالة فرانس برس، أن طائرةً من دون طيّار أمريكية، استهدفت رجلاً "يُشتبه في كونه من القاعدة، كان برفقة زوجته وقتلت الغارة الاثنين، بالإضافة إلى مدنيٍّ آخَر غير مشتبهٍ به"، وأكد مسؤول حكومي ثانٍ في المنطقة الحدودية بين محافظتي شبوة والبيضاء، وقوع الهجوم، وعدد القتلى، فيما لم تعلّق السلطات الأمريكية، كالعادة، على الحادث.

كشف مسؤول حكومي، لوكالة فرانس برس، أن طائرةً من دون طيّار أمريكية، استهدفت رجلاً في اليمن، "يُشتبه في كونه من القاعدة، كان برفقة زوجته وقتلت الغارة الاثنين، بالإضافة إلى مدنيٍّ آخَر غير مشتبهٍ به"

وتستهدف ضربات الطائرات الأمريكية من دون طيّارين، أشخاصاً من دون حتى لائحة اتّهام حقيقية، وتستخدم مبدأ "التهديد الوشيك والمحتمل" وفق تفسيرها وتصنيفها الخاصّين، وفي أواخر أيار/ مايو 2021، قصفت طائرات "الدرونز" الأمريكية منزل شيخ قبيلةٍ بارزٍ في منطقة الخشعة في وادي عبيدة في محافظة مأرب، يُدعى علي حسن بن غريب، وهو مسؤول الارتباط بين حزب الإصلاح، وتنظيم القاعدة، إذ أُطلقت صاروخين على منزله ومزرعته، لكنه نجا.

ويزعم الناشط السياسي والإعلامي، حسين البخيتي، أن طائرة أمريكية من دون طيّارٍ، استهدفت في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2021، "دار الحديث" الواقعة في منطقة العمود في مديرية الجوبة، وذلك من خلال صاروخٍ أمريكيٍّ من طراز "Hellfire"، ويُستخدم بشكلٍ واسعٍ في هجمات طائرات "الدرونز" الأمريكية، ونشر البخيتي صوراً لبقايا الصاروخ على صفحته على فيسبوك.

رصدت مؤسسة "Airwars"، خلال أشهر فترة بايدن، ثماني غارات أمريكية بطائرة من دون طيّار، وستةً من القتلى المدنيين في اليمن فقط، لكن السلطات لم تدلِ بأيّ تفسيرٍ أو نفيٍ

ويصعب التحقق من عدد المدنيين الذين قُتلوا في غارةٍ أمريكية بطائرةٍ من دون طيّارٍ في اليمن، لأن الحكومة المركزية لا تتمتع بأيّ قدرةٍ على مراقبة الهجمات، أو التحقيق في آثارها، وسرعان ما تقوم عائلات الضحايا بإزالة القتلى من منطقة الهجوم، ودفنهم سريعاً وفقاً للشريعة الإسلامية.

ورصدت مؤسسة "Airwars"، خلال أشهر فترة بايدن، ثماني غارات أمريكية بطائرة من دون طيّار، وستةً من القتلى المدنيين في اليمن فقط، لكن السلطات الأمريكية لم تدلِ بأيّ تفسيرٍ أو نفيٍ بشأن أيٍّ من الهجمات السالفة، وعادةً يرفض البنتاغون والبيت الأبيض التعليق على أيٍّ من تلك الهجمات. لكن تحت ضغطٍ من تحقيقاتٍ قامت بها بعض المنظّمات الحقوقية، اعترف الجيش الأمريكي على مضضٍ، في 3 حزيران/ يونيو الماضي، بقتل مدنيٍّ واحدٍ في اليمن، وقالت سارة كنكي، وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان، إن "تقييم الجيش الأمريكي للأضرار المدنية الناجمة عن عمليات الدرونز في اليمن، لا يزال أقلّ بكثير مما وثّقته منظّمات مستقلّة، بمصداقيةٍ وعناية".

وقالت رئيسة منظّمة مواطنة لحقوق الإنسان، رضية المتوكل: "لقد أمضى الجيش الأمريكي ما يقرب من 20 عاماً في قتل الناس في اليمن، لكنه لم يتوصل بعد إلى كيفية التحقيق بشكلٍ صحيحٍ، وضمان المساءلة، وهذا الاعتراف الجديد والمتأخر من قبل الجيش الأمريكي، يُظهر مدى عدم كفاءة التقييمات الأمريكية لعملياتها، وأنه لا يمكن الوثوق بها".

تقييم الجيش الأمريكي للأضرار المدنية الناجمة عن عمليات الدرونز في اليمن، لا يزال أقلّ بكثير مما وثّقته منظّمات مستقلّة، بمصداقيةٍ وعناية

ولا يقتصر الأمر على اليمن فحسب، إذ استهدفت طائرة "درونز"، عائلة مزارع سوري قبل أيامٍ، وفي أفغانستان، أواخر آب/ أغسطس الماضي، استهدفت عائلةً ريفيةً، وأودت بحياة عشرة مدنيين، بينهم سبعة أطفال. اكتفى جنرال أمريكي بوصف ما حصل بأنه "خطأ مأساوي".

الوعود الجوفاء

على أرض الواقع، لا يبدو أن بايدن بعيد عمن سبقوه، فمنذ تولّى منصبه، لا يبدو أنه تمّت مراجعة برنامج الطائرات من دون طيّارين مراجعةً حقيقيةً، أو تحليل جاد للعواقب، وما تمّ في الحقيقة هو الرجوع إلى سياسات أوباما في فترة حكمه الأخيرة.

وموقف الإدارة الأمريكية الحالية، بشأن ملف الطائرات من دون طيّارين، لم يتغير كثيراً عن سابقتها، ويتبع ملف تلك الطائرات السياسة لا القانون، وهو ما جعل القضية عرضةً للتحولات السياسية الطفيفة بين الإدارات الأمريكية.

موقف الإدارة الأمريكية الحالية، بشأن ملف الطائرات من دون طيّارين، لم يتغير كثيراً عن سابقتها، والملف يتبع السياسة لا القانون، وهو ما جعل القضية عرضةً للتحولات السياسية الطفيفة

وترفض الولايات المتحدة تقديم أيّ تعويضٍ أو اعتذارٍ لعائلات المدنيين الذين تعترف بقتلهم. وفي عام 2015، عندما قتلت طائرات "الدرونز" في باكستان، اثنين من عمّال الإغاثة، جيوفاني لو بورتو عامل الإغاثة الإيطالي، وزميله وارين وينشتاين، وهو مواطن أمريكي، اعتذرت الولايات المتحدة لعائلتي الضحيتين، ودفعت لهما طواعيةً تعويضاتٍ ماليةً بلغت أكثر من مليون يورو.

وكان رجلٌ يُدعى علي فيصل جابر، وهو رجل يمني قُتل ابن أخيه، وزوج أخته، في غارةٍ أمريكية بطائرة من دون طيّار، قد رفع دعوى قضائية في أمريكا، وطلب تعويضاً قيمته دولار واحد، واعتذاراً علنياً من واشنطن، لكن وزارة العدل الأمريكية خاضت القضية حتى نهايتها، وتم رفض الدعوى. وقالت المحكمة إنه "ليس لديها أيّ صلاحيات للنظر في قضايا البرنامج العسكري الأمريكي".

ويسعى أقارب ما لا يقلّ عن 34 يمنياً مدنياً، بينهم تسعة أطفال قتلوا في غارات الطائرات من دون طيّارين، للحصول على العدالة للضحايا في الولايات المتحدة، عبر لقاء المسؤولين في إدارة بايدن، وعبر القنوات القضائية. ويقول عادل المنظري، الذي فقد ساقيه، وذراعه، وأصيب بحروقٍ في جميع أنحاء جسده، وقُتل شقيقه، وعمّه، وابن عمّه، في حادث طائرةٍ من دون طيّار، وقد حاول الحصول على تعويضاتٍ واعتذارٍ من الولايات المتحدة: "لقد فقدت الأمل، لا شيء سوف يحدث".

وقالت المتوكّل: "العائلات اليمنية تستحق الاعتذار، وجبر الضرر، والتعويض، وإجراء مساءلةٍ جادّة عما لحق بهم من أضرار، لكن الإدارة الأمريكية لم تتخذ إلى الآن أيّ خطوات نحو العائلات اليمنية، ويبدو أن الولايات المتحدة تستكثر حتى أن تقول لمن قتلتهم: نحن آسفون".

صيد البشر!

وسبق أن قال النائب السابق لرئيس مركز مكافحة الإرهاب التابع لوكالة المخابرات المركزية، هنري كرومبتون، إن "الطائرات من دون طيّارين شكل من أشكال الحروب الأخلاقية، بل وحتى الإنسانية".

قال النائب السابق لرئيس مركز مكافحة الإرهاب التابع لوكالة المخابرات المركزية، هنري كرومبتون، إن "الطائرات من دون طيّارين شكل من أشكال الحروب الأخلاقية، بل وحتى الإنسانية"

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر ضحايا "الدرونز"، هم من المدنيين، فمثلاً، عدد قادة القاعدة الذين قُتلوا في ضربات "الدرونز" في اليمن، نسبتهم 6% فقط، أي أن أكثر ضحايا هجمات "الدرونز" هم من المدنيين.

ورصدت منظمة "reprieve"، أن ما يصل إلى 1،147 شخصاً قد قُتلوا في أثناء محاولات اغتيال 41 رجلاً فقط، وعلى سبيل المثال، قتلت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 66 مدنياً، منهم 31 طفلاً في مطاردةٍ فاشلةٍ لرجلٍ واحدٍ يُدعى قاسم الريمي، وهو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة في اليمن.

يقول كريس وودز، مدير مؤسسة "Airwars"، إن "فكرة الضجيج في أن ضربات الدرونز تقتل إرهابيين مسلحين فحسب، هي ادّعاء كاذب من قبل حكومتنا... ولا تزال طائراتنا التي من دون طيّارين تقتل أعداداً كبيرةً من المدنيين".

العيش تحت الخوف

ما الذي يمكن أن يراه اليمني، سوى أن الولايات المتحدة تشنّ حرباً غير معلنةٍ عليه؟ عبّر علي عبد ربه العزاني، عن مرارة الخسارة والبؤس اللذين جلبهما عليه موت نجله ياسر، في ضربةٍ أمريكيةٍ، بقوله: "ما تبقّى من ابني هو بعض الصور، وكومة من الملابس المتواضعة. موت ابني ترك الأسرة بلا مأوى؛ لأن ياسر كان معيلها، وقُتل وهو في طريقه إلى العمل".

يقول كريس وودز، مدير مؤسسة "Airwars"، إن "فكرة الضجيج في أن ضربات الطائرات دون طيار تقتل إرهابيين مسلحين فحسب، هي ادّعاء كاذب من قبل حكومتنا"

في جميع أنحاء اليمن، أصبحت السماء نذير شؤم، ووسيلةً للموت، ومصدراً دائماً لاضطراب ما بعد الصدمة، الذي يأخذ أشكالاً وآثاراً نفسية واجتماعيةً خطيرة، كالمشكلات المتعلّقة بالنوم، بما في ذلك الأرق، والكوابيس، وسلس البول للأطفال، والاكتئاب والحزن، والانفصال عن العالم، ووصف بعض المتخصصين في الصحة العقلية، تأثير الطائرات من دون طيّارين، بين السكان المدنيين، بأنها "قلق استباقيّ، بالإضافة إلى أن هذه الآثار النفسية تكون أقوى وأفجع في ظلّ مجتمعات مقهورة ومكبوتة كالمجتمعات العربية".

وأجرى عالم النفس، بيتر شابفيلد، دراسةً ميدانيةً حول التأثير النفسي لضربات الطائرات من دون طيّارين في اليمن، وخلص في دراسته إلى أن 92% من الحالات، تعاني من اضطرابات نفسية، و76% منها تعاني من آثار ما بعد الصدمة، وذكر أن بعض النساء زعمن بأنهن أجهضن بسبب الخوف من الطائرات تلك، ويعلّق بقوله: "الخوف من الطائرات من دون طيّارين يصيب جيلاً بأكمله بالصدمة".

هذا الواقع اليومي، اضطر العديد من العائلات إلى النزوح خارج منازلهم، لحماية عائلاتهم من خطر الاستهداف، ويواجه جيل جديد الخوف من طائرات "الدرونز". وفي مقابلة مع الطفل مؤيد المرواني، تحدّث عن الألم الجسدي الذي لا يزال يشعر به بسبب إصابته في حادثٍ لطائرة من دون طيّار، وعبّر عن خوفه من الخروج واللعب، بالإضافة إلى القلق المستمر له، وللأطفال الآخرين في القرية، في كلّ مرّةٍ يسمعون فيها صوت طائرة تحوم في السماء.

القتل عن بُعد

"قد لا تكون هذه الإستراتيجية فعّالةً أو إنسانيةً"؛ هكذا اعترف الجنرال كينيث ماكنزي، كبير المسؤولين العسكريين الأمريكيين، أمام الكونغرس في شهادته يوم 28 أيلول/ سبتمبر الماضي.

في جميع أنحاء اليمن، السماء نذير شؤم، ووسيلةً للموت، ومصدراً دائماً لاضطراب ما بعد الصدمة، الذي يأخذ أشكالاً وآثاراً نفسية واجتماعيةً خطيرة

وكان أحد الأسباب الأساسية من وراء الاستخدام المتزايد للطائرات من دون طيّارين، هو تقليل الخسائر البشرية، ومع ذلك، فإن هذه الهجمات سرعان ما تترك بصمةً في أعقابها، وتخلق ردّ فعلٍ سلبيٍّ أكبر من النجاح المزعوم ضد الإرهاب.

وفي الوقت الذي تضخّ فيه الولايات المتحدة أموالاً وموارد هائلةً لقتل من تُصنفهم إرهابيين، فإن العديد من الأشخاص سرعان ما يندفعون نحو أحضان القاعدة، بسبب ما تجلبه له الضربات الأمريكية. لقد ولّدت ضربات الطائرات من دون طيّارين شعوراً بالانتقام والثأر وازدياد مشاعر العداء، وخلقت بيئةً قابلةً للاشتعال، وهو ما أدى، حسب مراقبين، إلى تفاقم التهديد الذي تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهته، وليس العكس.

ولّدت ضربات الطائرات من دون طيّارين شعوراً بالانتقام والثأر وازدياد مشاعر العداء، وخلقت بيئةً قابلةً للاشتعال، وهو ما أدى، إلى تفاقم التهديد الذي تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهته، وليس العكس

وفقاً لتقريرٍ في صحيفة نيويورك تايمز، فإن "الولايات المتحدة تتساهل في ضربات الدرونز، ولا تكترث بوضع المدنيين، الأمر الذي جعل بعض مسؤولي وزارة الخارجية يقومون بالشكوى إلى البيت الأبيض من أن المعايير التي تستخدمها وكالة المخابرات والجيش، لتحديد توقيع إرهابيّ، في غاية الاستخفاف والتساهل، وتتعارض مع المساءلة القانونية والأخلاقية".

ويذهب تقرير صحيفة نيويورك تايمز، إلى القول إن "وكالة الاستخبارات عندما ترى ثلاثة رجالٍ يقومون بالقفز، تعتقد أنه معسكر تدريبٍ إرهابي"، وذكر أحد كبار المسؤولين أنه أثيرت "شكوك بعض مشغّلي الطائرات من دون طيّارين، بأن الرجال الذين يقومون بتحميل شاحنةٍ بالأسمدة، قد يكونون من صانعي القنابل، وعند الفحص الدقيق، غالباً ما ينهار هذا الأساس".

على سبيل المثال، في عام 2018 في اليمن، تم استهدف مزارعٍ يبلغ من العمر 70 عاماً، وقريبه الأصغر، بسبب خطأ في تفسير مشغّلي الطائرات من دون طيّارين، سلوك المزارع، وهو ما ظهر أيضاً في آخر هجومٍ على المدنيين في أفغانستان.

يقول أحد مشغّلي الطائرات تلك في قطر: "يماثل الأمر لعبة الفيديو؛ يمكن أن يتّصف بشيءٍ من الوحشية، ولكنه رائع للغاية".

وتذكر بعض المصادر أن النظرة الداخلية لمشغّلي الطائرات من دون طيّارين إلى الأشخاص الذين يلاحقونهم هي أنه "ليست لديهم حقوق، وليست لديهم كرامة، وليست لديهم إنسانية تجاه أنفسهم"، وقال جندي أمريكي خدم في أفغانستان، لوسائل الإعلام، إنه "قبل التخلّي عن ولاية هلمند لطالبان، كانت ضربات الطائرات من دون طيّارين عقابيةً؛ القتل من أجل القتل".

يقول أحد مشغّلي الطائرات تلك في قطر: "يماثل الأمر لعبة الفيديو؛ يمكن أن يتّصف بشيءٍ من الوحشية، ولكنه رائع للغاية"

وبرأي الكثير من المنظّمات الحقوقية، لم يعد "الدرونز" سلاحاً لمكافحة الإرهاب، لكنه امتدّ لقتل الأبرياء. وتحصل الهجمات بالطائرات من دون طيّارين على بلدٍ يغرق في الفقر، وتصف الأمم المتحدة ما تعيشه البلاد بأنه "أسوأ أزمةٍ إنسانيةٍ في العالم، ويواجه الملايين مجاعةً، ويُترك المدنيون خائفين على حياتهم، ويكافحون عبثاً لسنواتٍ من أجل الحقيقة والعدالة".

يبقى أنّ رفع الصوت في مواجهة ملف الطائرات الأمريكية من دون طيّارين، بات أكثر أهميةً الآن، من أيِّ وقتٍ مضى، بسبب أضراره الجسيمة على المجتمعات والأسر والحياة، ومن أجل أن يعيش أطفال اليمن، حياةً طبيعيةً بعيداً عن الخوف من الموت من السماء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard