"يحفرون في الصخر لإيصال معاناة الناس"... معاناة يومية لصحافيي وصحافيات اليمن

الخميس 7 أكتوبر 202105:50 م

"تتنوع الانتهاكات التي يجابهها الصحافيون والحقوقيون والأكاديميون بين القتل والاعتقال التعسّفي والإخفاء القسري والاعتداءات الجسدية والتهم الملفقة أو التضييق على أعمالهم، فضلاً عن القيود غير المبرّرة المفروضة على حقوقهم الأساسية، خاصة حقهم في حرية التعبير".

هكذا، اختصر التقرير الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر واقع الانتهاكات التي يتعرّض لها المدنيون بمّن فيهم الصحافيون/ات والحقوقيون/ات والأكاديميون/ات في اليمن، خلال النصف الأول من عام 2021، فلا يزال وضع هؤلاء محفوفاً بالمخاطر ومعرضاً للتدهور في ظل الاقتتال المستمر وتفشي الإفلات من العقاب.

من ناحية أخرى، وثّق الأرشيف اليمني 183 حادثة استهدفت صحافيين وصحافيات ووسائل إعلام في اليمن، في سياق النزاع المسلح الدائر منذ عام 2014، بينها مقتل 71 صحافياً وإصابة 79، والتدمير الكلي أو الجزئي لـ25 وسيلة إعلام أو غيرها من البنى التحتية الإعلامية الرئيسية.

وأسفرت الهجمات المسلحة التي طالت صحافيين/ات ومؤسسات إعلامية في اليمن حسب التقرير الصادر عن الأرشيف، في النقص العام في المعلومات والبيانات حول الضحايا والدمار.

ومع الحاجة الماسة إلى المعلومات، وفي ظل هذه الظروف الشديدة الصعوبة، يعمل الصحافيون في اليمن، ويتعرضون للهجوم من جميع أطراف النزاع.

تحديات على الأرض

يتفق صحافيون/ات يمنيون/ات على صعوبة واقع العمل الصحافي في اليمن. يصف مراسل إذاعة مونتي كارلو في صنعاء عدنان الصنوي اليمن بأنه "بات أحد أسوأ البلدان للصحافيين في العالم، ففي غضون الأسبوع الأخير فقط، كان هناك ثلاثة صحافيين على الأقل رهن الاحتجاز من قبل سلطة الحوثيين في صنعاء، والمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، وقد أغلق هذا الأخير أيضاً الأسبوع الماضي إذاعتين أهليتين، كما لا يزال يحتجز مديرهما رأفت رشاد حتى اللحظة".

وأشار الصنوي إلى أن أرقام نقابة الصحافيين تشير إلى وقوع أكثر من 1400 انتهاك طالت الصحافة والمؤسسات الإعلامية اليمنية منذ اندلاع الحرب قبل سبع سنوات، مضيفاً لرصيف22 أن "هناك لوناً واحداً ومنبراً واحداً وصحفاً بموقف واحد في مناطق النزاع، إذ سحق الحوثيون على سبيل المثال كافة وسائل الإعلام التابعة للخصوم السياسيين، بينما أغلق المجلس الانتقالي في عدن وسائل الإعلام الحكومية واستحوذ على مبانيها ومقراتها لخدمة ماكينته الدعائية، في مسعاه لاستعادة الدولة الشطرية التي كانت قائمة قبل عام 1990".

أما الصحافي اليمني محمد القاضي فقال لرصيف22: "تعرّضَت الصحافة اليمنية بشكل عام لانتكاسة كبيرة جداً على الصعيد المهني والحريات، مقارنة بما كانت عليه واقعها قبل 2011، كما جرى مع بقية مكونات المجتمع، وذلك لإسكاتها، وتم جرفها بالكامل، كما أغلقت مؤسسات إعلامية في صنعاء، وبات صحافيون/ات في مناطق أخرى معتقلين ومشردين ويعانون من مشاكل معيشية صعبة، وخسرت الصحافة اليمنية أقلاماً كانت عقلاً راجحاً وناقداً، فقد توقفوا عن الكتابة بشكل كامل أو هُدّدوا أو قتلوا".

واعتبر القاضي أن ما يجري اليوم هو عملية استقطاب واسعة من قبل أطراف الصراع، إذ "أصبحت الصحافة بوقاً لهذا وذاك، وهذا أثّر على قيمة الصحافة ورزانتها".

"هناك لون واحد ومنبر واحد وصحف بموقف واحد في مناطق النزاع، إذ سحق الحوثيون كافة وسائل الإعلام التابعة للخصوم السياسيين، بينما أغلق المجلس الانتقالي في عدن وسائل الإعلام الحكومية واستحوذ على مبانيها ومقراتها لخدمة ماكينته الدعائية"

تؤثر هذه المصاعب والعراقيل والانتهاكات على ما يمكن أن يعمل عليه الصحافيون، فبحسب الصحافي الاستقصائي أحمد الواسعي، لا يستطيع الصحافيون/ات في اليمن تغطية كل الموضوعات. يقول لرصيف22: "يتعرض الصحافيون/ات للاعتقال، وللاختطاف، وللتعذيب وقد يصل الأمر إلى القتل وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، كما هناك صعوبة في الحصول على المعلومة".

ويضيف: "أنت كصحافي لا يمكنك طلب المعلومات من المؤسسات الحكومية لأنك لن تحصل عليها. لا توجد إجراءات تسهّل حصول الصحافيين على المعلومات. هذا بالإضافة إلى المصاعب المالية والمعيشية التي تواجه العديد من الصحافيين/ات بعد أن فقدوا/ن أعمالهم/ن بسبب إغلاق معظم وسائل الإعلام في اليمن، سواء الصحف أو المواقع الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية، وما بقي مرتبط بجماعة سياسية".

ويتابع أن "الصحافي في اليمن هو عدو وخصم لكل الأطراف المتنازعة دون استثناء. كل الأطراف تراه عدواً وخصماً ما لم يتحوّل إلى أداة في أيدي هذه الجماعات، لذلك الصحافي المستقل والمحايد في اليمن لم تعد لديه القدرة على العمل بشكل سليم في مناخ صحي وآمن على حياته وعلى حياة أسرته".

أما عن وضع الصحافيات بشكل خاص، فقالت الصحافية اليمنية فتحية شمسان لرصيف22: "ليس لدينا حرية للكتابة، فأطراف الصراع يفرضون قيوداً كبيرة على الصحافيين/ات في قول الحقيقة، ويسمحون فقط بنقل الحقائق التي تخدم مصالحهم، فلا تستطيع الصحافية في اليمن أن تكون مراسلة لأي صحيفة أو قناة في الخارج في الوقت الراهن، لأن هذا قد يعرضها للسجن أو القتل من قبل أطراف الصراع اليمنية".

انقسام واستقطاب

تنقسم اليمن اليوم إلى ثلاث مناطق تسيطر عليها جماعات تتقاسم النفوذ: فجماعة "أنصار الله" (الحوثيون) تسيطر على مناطق الشمال وبعض مناطق الوسط، وجماعة المجلس الانتقالي الذي يدعو إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله تتحكم في بعض المحافظات الجنوبية، أما قوات الرئيس عبد ربه منصور هادي فتتحكم في بعض مناطق شرق اليمن بالإضافة إلى محافظة مأرب.

"الأغلبية في المجتمع الدولي، ما عدا منظمات المجتمع المدني الدولية المعنية بالصحافة، لا تعرف عن وضع الصحافيين/ات في اليمن، وذلك نابع من عدم الاكتراث بالوضع السياسي والأمني فيها"

عن هذا الواقع، يقول الواسعي: " الأمر أشبه ما يكون بدويلات ثلاث مستقلة، التنقل بينها عملية صعبة جداً، ومحاطة بالكثير من المخاوف بالنسبة إلى الصحافيين/ات، فقد تُتَّهم بالجاسوسية، أو الارتباط بالجماعة الأخرى، كما لا يمكن في أي من هذه المناطق الإشارة إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها الجماعة في هذه المنطقة ولا قضايا الفساد وإلا فأنك ستدفع الثمن، كما جرى مع الزميل محمد العبسي".

ويشير الصنوي إلى أن هناك قيوداً مثلاً على هوية المتحدثين عبر شركات الإنتاج الإعلامي لوسائل الإعلام الدولية.

ويروي: "أملك كصحافي يعمل مع وسائل إعلام فرنسية مساحة أفضل للتواجد في كافة مناطق النزاع، نظراً إلى استقلالية وحيادية الوسيلتين الفرنسيتين في تغطية الشأن اليمني، لكن ليس بوسعنا الوصول إلى كل مكان أو التصوير دون إذن مسبق في أي قضية، باستثناء بعض الاستطلاعات أو ‘الفوكس بوب’ غير السياسية، كما إنه من الصعب في كل المناطق تقريباً على أي صحافي الحديث عن وجهة نظر الخصوم".

ويتابع: "في الإجمال، يستحيل على وسائل إعلام قريبة من الحوثيين أو حلفائهم الإقليميين العمل في مناطق الحكومة، والعكس صحيح أيضاً، كما يفرض التحالف بقيادة السعودية قيوداً على دخول على الصحافيين الأجانب إلى مناطق الحوثيين، بل إن بعض وسائل الإعلام الدولية تجد صعوبة أيضاً في الدخول إلى مناطق الحكومة المعترف بها على خلفية التأطير السلبي المسبق لمواقفها وتغطياتها للنزاع اليمني".

موضوع الانقسام والاستقطاب يغيب عن اهتمامات المجتمع الدولي، بحسب الباحثة في الشأن اليمني في منظمة "هيومن رايتس ووتش" أفراح ناصر.

تقول ناصر لرصيف22: "للأسف، الأغلبية في المجتمع الدولي، ما عدا منظمات المجتمع المدني الدولية المعنية بالصحافة، لا تعرف عن وضع الصحافيين/ات في اليمن، وذلك نابع من عدم الاكتراث بالوضع السياسي والأمني فيها".

وتضيف: "بالنسبة إلى وسائل الإعلام العالمية الكبيرة، فهي تهتم باليمن من زاوية محدودة ضيقة واحدة فقط وهي زاوية دور السعودية في اليمن ولا تهتم مثلاً بمعرفة دور جماعة الحوثي، أو دور المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات في الانتهاكات ضد الصحافيين/ات أو المدنيين/ات بشكل عام".

الحاجة إلى الحماية والأمن

تطالب الصحافية شمسان بدعم الصحافيات اليمنيات عبر "توفير الحماية القانونية في حالة تعرض الصحافية للسجن أو التهديد من قبل أطراف الصراع... بالإضافة إلى الدعم النفسي".

وتحذّر من أن "بقاء الحال على ما هو عليه اليوم سيؤثر على مستقبل الصحافيات اليمنيات ويمكن مع الأيام أن ينتهي العمل في مجال الصحافة بالنسبة إلى المرأة في اليمن لانعدام الحرية في نقل الحقائق وزرع الخوف من ممارسة مهنه الصحافة، كما أنهن بحاجة إلى دورات في مواجهة الأزمات".

تحديات كثيرة تواجه الصحافيين والصحافيات، على رأسها الأمن والسلامة وهامش حرية التعبير وحرية التنقل.

يقول الباحث الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في لجنة حماية الصحافيين جاستن شيلاد لرصيف22: "يحتاج الصحافيون/ات في اليمن إلى أن يكونوا قادرين على العمل بحرية وأمان، دون خوف من تعرّضهم للقتل أو الاعتداء أو الاختطاف أو الاحتجاز بسبب قيامهم بعملهم. يجب على المجتمع الدولي إبداء تضامنه ودعمه لحرية الصحافة في البلاد، ويشمل ذلك تجديد ولاية فريق الخبراء البارزين، ودعوة جميع أطراف النزاع إلى التوقف عن استهداف الصحافيين، فالصحافيون/ات ليسوا/ن مقاتلين/ات في الصراع الحالي، كما يجب التأكد من أن أي تسوية سلمية يتم التفاوض عليها تعترف بالدور الأساسي للصحافة الحرة في اليمن".

هذا الأمر يؤكد عليه أيضاً مركز القاهرة لحقوق الإنسان، لضمان بيئة آمنة ومؤاتية لعمل الصحافيين والصحافيات.

تناشد الباحثة ناصر الرأي العام الدولي "للضغط على حكوماته ومساءلتها عن دعم أطراف النزاع في اليمن ومسؤوليتها عن الانتهاكات الجسيمة التي تحدث من خلال هذا الدعم سواء الدعم الدبلوماسي أو الدعم بالأسلحة"، وتضيف: "على الحكومات المعنية كأمريكا، بريطانيا، وفرنسا، وكندا، وألمانيا، وغيرها، أن تؤيد علناً ​​الدعوات إلى اتخاذ تدابير دولية للمساءلة".

وسط هذا الظلام كله، يرى الصحافي محمد القاضي أن هناك أقلاماً وصحافيين/ات يغطون ما يجري على الأرض، ويحاولون أن يحفروا في الصخر وأن يوصلوا معاناة الناس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard