أتجنب الحياة خوفاً من الموت وأتمنى أن أكون قطرة تائهة في مياة العالم

السبت 18 ديسمبر 202101:55 م

المضطرب


حكوا لنا صغاراً عن أبي رجل مسلوخة الذي سيلتهمنا إن لم نسمع الكلام، أما الطعام المتبقي في أطباقنا فسيجري خلفنا يوم القيامة، وغيرها من الحكايات القديمة التي توارثناها وعمقت داخلنا الإحساس بالخوف، ذلك الشعور بالرجفة من المجهول، وسؤال ماذا يحدث لو! يلوح في عقولنا دون إجابة. كبرنا نخاف من التجارب الجديدة، من كسر التابوهات، من التمرد على ما وجدنا عليه آباءنا، فلا نجحنا أن نشبههم ولا استطعنا تكوين كينونتنا الخاصة، فعشنا مسوخاً مشوهة، لا نتذوق الحياة بعمق.

تجنب الحياة خوفاً من الموت

بعمري لم أهب الموت بل خفت مجيئه قبل الحياة، أن تعيش ولم ترتشف من الحياة قطرة واحدة، تمر عليها كمن يمشي على أطراف أصابعه خوفاً أن يلمس شوكة، لا يسمح لها بالمرور داخله وإعادة تشكيله كل مرحلة.

يتجسد الخوف في أن تظل حبيس قوقعة تعزلك عن الغوص في الحياة، ألا تخوض التجارب خوفاً من الخسائر والهزائم والأحزان، أن تفوت على نفسك فرص دغدغة الحب لكيانك، خوفاً من الفراق، كمن ينتظر الموت فيفوت على نفسه فرصة العيش.

يتقمص الخائف شخصية أخرى غير شخصيته، يظهر قوياً أنانياً غير مبالياً بغيره. يجيد الظهور بمظهر الغامض غير المفهوم للآخرين. فالمحبة توجعه لأنها تعريه بعمقها، والحنان يكشفه لأنه يذكره باحتياجه الذي يحاول الهروب منه... مجاز في رصيف22

غريب أمر النفس البشرية. مُعقدة وتحمل داخلها الأعاجيب. بالأمس صادفت أغرب نفس بشرية في حياتي. فتاة تتجنّب الشعور بالحياة خوفاً من الموت. تتجنّب الحب خوفاً من الفراق. تهرب إن فهمها أحداً حتى لا تكون مكشوفة أمامه. تتجنّب القرب من الناس حتى لا تتعلق بهم وتحبهم. تخاف الترك والفراق لدرجة الفوبيا.

كنت قرأت عن التجنّب المرضي وفهمت أنه ناتج عن خوف شديد. خوف يجعل المرء جباناً تجاه خوض التجارب. لا يحب التعمق فيها. يحبها من على السطح. يفضل الانبساط بالقشور فقط. ويخاف أن يقول بينه وبين نفسه إنه يحتاج للبشر.

هنا يتقمص شخصية أخرى غير شخصيته، يظهر قوياً أنانياً غير مبالياً بغيره. يجيد الظهور بمظهر الغامض غير المفهوم للآخرين. فالمحبة توجعه لأنها تعريه بعمقها، والحنان يكشفه لأنه يذكره باحتياجه الذي يحاول الهروب منه.

من أنا؟

أحيانا أحملق في وجه من حولي فجأة، لا أستطيع تعرفاً عليهم، يقول الناس إنهم أسرتي لكنني أظل مدهوشة، وأسأل من أنا؟ ماذا أفعل؟ من أتى بي إلى هنا دون إذني؟ أتطلع بمرآتي محاولة إدراك ماهيتي، والشعور المسيطر علي أني أبحث عن ذات مفقودة وسط أيامي المنسية، وسنين عمري اغتالتني قبل صفع وجه الوجودية.

فهل أنا الرسامة التي رسمت كثيراً بطفولتها حتى اللوحة الأخيرة التي شاركت بها بمرسم الجامعة ثم توقفت بعدها، أم أنا الكاتبة التي خطت الخواطر والقصص ثم اتجهت للشعر، فبزغت الشاعرة التي بداخلها وشاركت بأمسيات عديدة حتى صدر لها ديوانين مطبوعين، أم أنا المطربة التي اكتشفها مايسترو بفرقة الموسيقي العربية صدفةً مُصراً على انضمامها لفرقته، ثم تركت الفرقة ورحلت بلا عودة؟

أأنا الريشة والألوان، أم القلم والورقة أم المقامات الموسيقية والصوت الحزين دوماً، أم الباحثة السابقة بقسم الدكتوراة، والمشتغلة بالعديد من الوظائف المختلفة كالحسابات، الإدارة، العلاقات العامة، خدمة العملاء، المبيعات، الموارد البشرية، الصحافة، التحرير، الترجمة؟

أأنا المتطوعة بفرق الخير أم من اشتغلت بمبادرة فنية تنموية سنوات أم من أسست مبادرة ثقافية سنوات تليها؟ أنا التي فشلت كثيراً أم من خاضت تجارب عديدة أنا المقدامة أم الخجولة، الشجاعة أم الجبانة، المستقلة أم التابعة، المبادرة أم المقلدة، الحقيقة أم الوهم، هل أنا كل هؤلاء؟ أخاف الرحيل دون إجابة.

ماذا تعني نفس؟

دوائر عديدة من الأشخاص، حفروا بقلبي وغرزوا بروحي الكثير من الآثار حباً وكرهاً، فكانت النتيجة ذاتاً جديدة مختلفة عن سابقتها. خسرت الكثير وكسبت غيرهم لأكسب نفسي. ما هي نفسي؟ هل هي التي تعمل تحت جلدي متخفية، وما عليها الا اختلاج مخاوف، أحلام، تطلعات، طموحات، أوهام، أمنيات، أفكار، رغبات، مقلقات، منغصات؟

الخوف الحقيقي أن أجدني في نهاية العمر لم أستطع تذوق قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية أو أن أطلق يمامات صوتي عبر أغنية أحبها... مجاز في رصيف22

أتذكر مقولة الإمام النفري بكتابه المواقف والمخاطبات: يقول الله لعبده "يا عبد أنت مني، أنت تليني، كل شيء يأتي بعدك، أنت أكبر من السموات والأرض، لا أحد يقدر عليك إذا عرفت مقامك ولزمت مقامك... إلخ. كيف أكون العبد المخاطب؟

المخاوف تقف على صدري، أخاف من أن أضل الطريق الذي وُلدت من أجله. فلكل منا سبب وُلد لتحقيقه وعلى الإنسان أن يكتشفه ويحقق مراد الله منه قبل الرحيل. حاصرني الخوف حتى أضحيت بلا وجهة، بلا ملامح، بلا معالم.

عن ماذا نبحث وماذا نجد؟

أتعجب من عدميتي المنتشرة في كل مكان. أنا لست موجودة في هذا العالم وما الإثبات أنني موجودة؟ وما معنى الوجود من الأساس؟ هل هو جسد قابع في إحدى زوايا عالم شاسع؟ هل وجودي فارق مع أحد؟

الأمر يؤرقني دوماً ويؤلمني كثيراً، فلم خُلقت على تلك الأرض؟ ولنفترض عرفت سبب وجودي، فهل سيفيد ذلك العالم الضخم المملوء بالعظماء؟ أشعر بضآلتي نحو الجميع، أحدق في نقش خطوات السالفين على الأرض، علامات إنجازاتهم بارزة مغروسة تفضح وجودهم السابق عليها، وأسأل خائفة: هل وجودي سينقش في الأرض تأثيراً إيجابياً للعالم؟ تساؤلاتي التي ألقيتها في وجه الورق مُخيفة ولا إجابة تريحيني.

اشتغلت بإحدى الشركات الكبرى، كان العمل يمتص من وقتي نحو 14 ساعة يتخللهم ست ساعات مواصلات، وبعد مدة لا بأس بها، تركته خوفاً من أن يستنزف طاقتي، أغار على الفن والكتابة من كل شيء، أخاف أن يبتلعني العمل بعدما قدمت إليه عمري قرباناً، الخوف الحقيقي أن أجدني في نهاية العمر لم أستطع تذوق قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية أو أن أطلق يمامات صوتي عبر أغنية أحبها، أن يشدني العمل تجاهه دون أن أهرب منه إلى الفن الذي أعشقه، وأجد روحي متحررة فيه عن كل ما يثقل جسدي الطيني، فعبر الفن أتحول فراشة أو ربما عصفوراً.

ذات يوم وخزت قلبي ضربات قوية بينما كنت وحدي بالمنزل، النبضات تحولت بغتة إلى عداءة في ماراثون، إلى الدرجة التي جعلتني أغشي هاوية على الأرض، حتى جاءت أسرتي وأنقذتني من إغماءة هبوط، في تلك اللحظة أدركت معنى الوحدة التي صاحبتها ثلاثة عقود متحايلة عليها بالكتب والقراءة والكتابة والعمل والبحث العلمي والأنشطة المختلفة.

الخوف لم يكن من الوحدة في حد ذاتها بقدر السقوط دون وجود أحد يساعدني على النهوض، أن أمرض ولا أجد يداً تناولني الدواء، وقتها تتجسد مخاوفي جلية أمامي من الوحدة وقت المرض والشيخوخة. سمعت قصصاً عديدة عن أناس توفوا في منازلهم دون أن يدري بحالهم أحد سوى بعد تعفن جثثهم وخروج روائح كريهة منها وهذا ما يرعبني من الوحدة.

الأيام الغادرة

حكى لي صديقي أنه لم يعد نفس الشخص الذي خرج من السجن، دخله ظلماً في جريمة لم يقترفها. بعد خروجه انطفئ وميض داخله، روحه لم تعد متقدة بالحماس ولا متأججة بالمشاعر، سيطرت عليه اللامبالاة من الخارج بينما من داخله شعور مركب بين الغضب والصدمة ممزوج بسؤال لماذا دون إجابة، ورغبة في لملمة الباقي منه بعيداً عن العالم الذي أجاد تحطيمه بقسوة.

انظر يا صديقي إلى نفسك بعين الفخر أنك خضت تجاربك بجسارة، حتى لو أوجعتك، فتلك هي الحياة بحلوها ومرها، فهي ليست مباراة بين منتصر ومهزوم بل هي لعبة مصممة لعباقرة الروح... مجاز في رصيف22

انتابني وقتها شعور بالخوف من غدر الأيام بالبشر، وبتُّ أستعيذ كل يوم من شر تقلبها الذي يحمل نوائب مباغتة، تهبط بها على رأس الإنسان فتكسره، وتهشمه، ولا يملك إلا التسليم والرضا بقضاء الله.

قطرة تائهة في مياه العالم

منذ مدة بُترت من شجرة الدنيا ورُميت في غرفة صغيرة أمام لابتوب. أكتب كل يوم الأخبار والمقالات لعدة مواقع. أقرأ، أكتب، أحاول تخيل العالم خارج غرفتي التي لم أغادرها منذ سنتين. لم تدع لي الحياة فرصة للتعرف على أنماط مختلفة من البشر. أعيش تجارب مختلفة لكني منغلقة ومتقوقعة. أتوحد مع نفسي لدرجة فوبيا الخروج من منطقة الأمان.

وعلى عكس خوفي من الخارج تشكلت داخلي رغبة في ضرب باب غرفتي بقوة، لأطير أعلى العالم كعصفور. في الشعور بالتحليق والانطلاق نشوة تفجر منابعي المحبوسة منذ أمد. أتخيل العالم شاسعاً ممتلئاً بالأماكن والبلاد والبشر. أتمنى أن أجوبه شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً. أسافر كل شبر فيه.

أجلس مع أغراب لكني أصادقهم من أول لحظة. أدخل قلبهم ويدخلون قلبي. أحبهم ويحبوني ببساطة. سأكون قطرة تائهة في مياه العالم لكني أرغب في التوحد معه والاندماج فيه دون خوف.

البشر روايات، وربما حقول تجري الحياة عليهم تجاربها. تجرب فيهم الحب، الكره، اليأس، الأمل الوحدة، الخذلان، الاغتراب، الغربة، الإحباط، العدمية، الجدوى وهكذا. تضعهم تحت اختبارات دائمة لترى كيف يفكرون، ينفعلون، يتصرفون، يتألمون ويعيشون.

تخرج كل يوم الحياة من معملها بعدما تأكدت من نتيجة تجربتها أن العيش مرادف الألم، أو ربما هما وجهان لذات العملة، وبداخل التجربة الواحدة الآف المشاعر التي إن أردنا عيشها فعلينا تجرع ألمها في سكون وتقبل تجاه أنفسنا والغير والعالم.

لذلك، انظر يا صديقي إلى نفسك بعين الفخر أنك خضت تجاربك بجسارة، حتى لو أوجعتك، فتلك هي الحياة بحلوها ومرها، فهي ليست مباراة بين منتصر ومهزوم بل هي لعبة مصممة لعباقرة الروح، ممن يدركون أنها لا تقتصر على شكل أو هيئة ولا زمان أو مكان، بل تتجسد في مدى معايشتهم لكل أحداثها بعمق، أن يخوضوها من الداخل. فالخوف يتجسد داخلك إن عشتها من على السطح، وظللت حبيساً لخوفك الذي يعزلك عن الغوص فيها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard