دراهم الحيرة... نتسوّل الحياة يوماً بيوم

السبت 6 نوفمبر 202111:25 ص

 يعيش أهل بلدي


في شارع محمد الخامس في الرباط، أتخذ لي مقعداً في شرفة مقهى، أتناول "تشيزكيك" بالليمون، بقاعدة خُلط فيها جوز الهند مع البسكويت. ورغم الغنى الذي منحه للطعم، إلّا أنّه حرمني من الاستمتاع بحموضة الليمون الكاملة. كنت أُفكّر في فصل الطعم داخل فمي، وإيجاد القليل من حموضة الليمون في آخر كل لقمة. بينما يقترب متسولون كثر بلا كمامات. أرُدّهم بلطف؛ يدٌ تحمل الهاتف، وتُسيّر العمل عن بعد، ويدٌ تتناول القهوة والكيك بالتناوب... ذنبٌ خفي يثقل كاهلي، وتنقلب حلاوة الكيك إلى مرارة.

مرارة الموقف تهزّ صورتك أمام نفسك، لكن يدك القصيرة عاجزة عن إتباع بصيرتك. تشعر بالذّنب لأنك لا تمنحهم وقتك، وأنت تعرف أنه حتى لو تركت كل شيء، فتحت الحقيبة بحثاً عن دراهم ما ومنحتها لأحدهم، هذا لن يُنهي الموضوع، لأنّهم يتوالون على طاولتك كل دقيقة. لحد الآن مر خمسة، رابعهم امرأة، والخامس ماسح أحذية. قلت له: "لا"، بلطف، لكنه ألحّ: "دعيني فقط أمسح الحذاء قليلاً..."، قلت: "لا، رجاء". وأصر. فقلت مرة أخرى: "لا" لكن بحزم... فذهب من دون أن أرفع رأسي إليه.

مؤلم النّظر إلى عيني المتسوّلين ورؤية الأرواح المعذّبة التي تقف خلفها، ومؤلم عدم النّظر. صحيح أن بعضهم يراكم ثروات، لكن أليس هذا مؤلم أيضاً، أن يراكم المرء ثروة بهذه الطريقة؟ في إحدى المرات، تقمّص صحفي أمريكي شخصية متسول، ولاحظ أن لا أحد ينظر في عينيه على الإطلاق، سواء منحوه المال أم لا؛ إذ لا أحد يتحمّل نظرة من هم في قاع سلّم الحياة.

أتذّكر بدون مبالغة، عيون المتسوّلين الذين نظرت في وجوههم، طيلة حياتي، إلى الآن. بعضهم قابلته كثيراً في أماكن مختلفة من المدينة، واضطررت مرات أن أتأملهم لأنّهم كانوا أمامي لمدة من الزمن، وكنتُ في حافلة أو سيارة أنتظر الضّوء الأخضر، أو الشروع في السير، وأرى كيف يغيّرون قصصهم كل مرة، وكيف يتقمّصونها؛ خاصة الذي يختارون مواقع المحطات والحافلات. غريب أن يتموقع أحدهم في خط حافلة للطلبة، فهؤلاء فتيات وصبية يملكون مصروف يومهم فقط، ومع ذلك يرى المتسوّل الخبير أنّهم أرقُّ جانباً من الكبار، حتى لو كانوا ذوي دخل.

مؤلم النّظر إلى عيني المتسوّلين ورؤية الأرواح المعذّبة التي تقف خلفها، ومؤلم عدم النّظر. صحيح أن بعضهم يراكم ثروات، لكن أليس هذا مؤلم أيضاً، أن يراكم المرء ثروة بهذه الطريقة؟... مجاز في رصيف22

ترى هل يلتقون ويتبادلون الخبرات؟ هل يتناقلون التجارب والمعلومات حول الأماكن الأكثر مردودية؟ هل يتشاجرون مثلما رأينا في الأفلام على مناطق العمل؟

تبادل الأدوار والجنسيات

في طنجة، رأيت نساء وأطفالاً أتقنوا اللهجة السّورية من أجل التسول بها بتقديم أنفسهم لاجئين... وتكاد تقسم على إتقانهم الدور، خاصة الأطفال، يبدو أنهم عاشروا سوريين في الغالب. فجأة يبتعدون عن خط العمل، ويتحدثون دارجتهم المغربية القحة، بلا شعور بالذنب، فهناك فرق بين لغة العمل ولغة الحياة.

مرة في تحقيق إذاعي توجّهتُ إلى زوجين لاجئين مع طفليهما، كانت ردودهما غير مقنعة عن سؤال: لماذا لا يعملان؟ أحدهما يمكنه العمل، والآخر يعتني بالطفلين. لكن ربما المردود أكبر، من يعلم؟ وقد رأينا في باريس لاجئين يتسوّلون مع أنهم يملكون الدعم الرّسمي، لكنهم يستجدون الناس، كأنّ التسول لعنة أو حرفة أو إدمان.

على شاطئ طنجة، تتفرّق نساء يستغلّين أطفالاً في بيع المناديل الورقية أو الورد. الغريب أن ملابس بعضهم جيدة ومظهرهم لطيف، لكن ما يفعلونه استغلال لطفولتهم. تَحارُ، هل تشتري منهم فترحمهم من وقت إضافي في الشارع؟ لكنك ستشجع على استغلالهم، لأن المال يذهب إلى الكبار الذين قد يوظفون أطفالاً آخرين إذا كان العمل مربحاً أم تتجاهلهم رفضاً للظاهرة؟

كلّ وجه يحمل قصة، ومعظم القصص مروّع وغير قابل للنّسيان. فكّرت أن أفعلها مرة، أن أسأل النساء بشكل خاص عن قصصهن. وربما أفعل يوماً إذا وجدت في نفسي قدرة على تحمّل قسوة هذه القصص. لكن ما يرعبني أكثر من غيره، هي رؤية النّساء اللواتي تجاوزن السّبعين والثمانين، وهن جالسات على الشوارع في عز البرد، ينتظرن دراهم معدودات. لم أستطع أن أتجاوز منظر كثيرات منهن.

قد يكون نقطة عبور

قد يكون التسول نمط حياة للبعض، وقد يكون مرحلة مؤقتة في عمر أحدهم، أو إحداهن. مثلما حدث لليزا موراي بطلة فيلمHomeless to Harvard: The Liz Murray Story الذي يحكي القصة الحقيقية لليزا موراي، التي وُلدت لأبوين مدمنين، فتُجبر على التشرّد، قبل أن تستعيد زمام أمورها، وتتفوق في دراستها وتخرج من النفق.

كانت ليزا تتسوّل أحياناً حين كان مأواها الوحيد هو الشّوارع، وتسرق أحياناً أخرى. وحتى عندما عادت للدراسة، لم تكن تملك مسكناً، وكانت تؤدي الواجبات اليومية وتنام في المترو. إلا أن هذا لم يمنعها من التميز الدراسي، حتى استطاعت الحصول على منحة نيويورك تايمز للطلاب المميزين دراسياً، للالتحاق بجامعة هارفارد. وهي تعمل الآن مُحاضرة في الجامعة نفسها، وتناضل من أجل المشردين.

جان جينيه في شوارع طنجة

نعرف جميعاً قصة الكاتب الفرنسي جان جينيه مع التسكّع والسّرقة والتسوّل، هو الذي أقام زمناً في طنجة. لهذا ما الذي يمنع أحد هذه الشخوص التي نتفادى النّظر في عيونها، ونحن نتجاهلها أو نمدّ لها يداً تحمل مالاً هزيلاً، أن يصبح شخصية مهمة لاحقاً؟ يقول جان جينيه في يومياته: "لا أريد أن أخفي في هذه اليوميات الأسباب الأخرى التي جعلتني لصاً، أبسطها على الإطلاق: الحاجة للطعام، فإن القسوة والتمرد والغضب لم تدخل قط مجال اختياري".

في طنجة، رأيت نساء وأطفالاً أتقنوا اللهجة السّورية من أجل التسول بها بتقديم أنفسهم لاجئين... وتكاد تقسم على إتقانهم الدور، خاصة الأطفال، يبدو أنهم عاشروا سوريين في الغالب. فجأة يبتعدون عن خط العمل، ويتحدثون دارجتهم المغربية القحة، بلا شعور بالذنب... مجاز في رصيف22

كما لم تكن شخصية "المتشرد" التي وضعت تشارلي تشابلن على رأس قائمة المبدعين في القرن العشرين وليدة الصّدف. فشخصية المتشرّد تتضح معالمها كلما تعمقنا أكثر في ماضيه مع الفقر والحرمان اللذين عاشهما في لندن. وكان الماضي وسيلةً سخر تشابلن عبرها من الرأسمالية، من خلال شخصية المتشرد، في فيلم "الأزمنة الحديثة"، والذي اعتُبر بمثابة بيان اجتماعي.

فن التسوّل

في ما يقوله المتسوّلون إبداع كبير، وأحياناً تنمّر. فيُمكن لشخص أن يدعو لك وأنتِ مقبلة، من أجل حثّك على نقده بضعة دراهم، ويدعو عليك وأنت مدبرة متجاهلة إيّاه، من دون أن يرفّ له جفن. ولا يمكن توقّع ما يقوله بعض المتسولين، مما بذلوا جهداً كبيراً في اختراعه. بعضهم لئيم، وبعضهم يذهب أبعد مما يتناوله الآخرون عادة. مرة قال لي متسول: "الله يخلي لك نور عينيك". "هذا ما كان ينقص، ترى في نور عيني شيئاً يستحق الدّعاء للإبقاء عليه، وتريدني أن أُنقدك مالاً على ذلك؟"، قلت ذلك بيني وبين نفسي، فمهما كان لا يجوز نهر سائل، حتى لو أفسد لحظة من يومك، ما فيه يكفيه. فبالنّسبة له، كل شيء جائز عندما يضع وجهه ويده على المحك، من أجل دراهم قليلة، ولن تكون المراعاة من بينها، فالفقر فاجر ومهين.

إنّها ورطة مشتركة، ولو أنها غير متساوية. ففي التسوّل سؤال الآخر، وأكثر ما يكره الآخر هو سؤال المال. لا أتخيّل نفسي في موقف هؤلاء الذين يمدّون أيديهم، لا أحد يعرف كم استغرقهم التعوّد على مد اليد، بعيون واثقة ونظرة متسوّلة، يتطلبها مُرافقة الأمر بالسّؤال والأدعية. فكلّ شيء بجزاء، وهو لا يسألك بلا مقابل، بل يعدك بثوابٍ ديني، مع أدعية فوقه، كمنحة إضافية منه. إنّه ذكاء التاجر الذي يُبيّن لك السّعر والمُنتَج، لترى أنك الرّابح لا هو. مع ذلك يبقون داخلي هؤلاء الذين يطلبون، ولا أنجح في التخّلص من نظراتهم، وأصواتهم وهيئاتهم.

أشتري آيس كريم، وقبل أن أتذوّقه، يعترضني شاب أو طفل يطلب مني أن أعطيه مما لديّ. يلعبون على نقط ضعفي وشعوري الدّائم بالذنب، الذي يُخلّفه ضغط العمل، والعصبية التي تُثيرها الحياة بكل ضجيجها ولهاثها. كنتُ في البداية أعطيهم الكوز وأمضي، لأن الصفّ طويل، ولا يمكنني العودة من أجل كوز آخر. الآن وفي سبيل التخلّص من الشّعور المزمن بالذنب، أُكمل طريقي، حاملة كوزي، إنّه حقي في لحظة استرخاء، بدون ضغط آخر.

فقط حين أرى شخصاً بعاهة، أو في وضع جسدي ضعيف، أتوقف عنده، شرط ألّا يكون مِلحاحاً، فالإلحاح علامة الاحتراف وفقدان الشُّعور. والشعور هو مربط الفرس، والحافز الأول لمدّ اليد بالدراهم الثمينة. لهذا أرقُّ للذين يتسوّلون بخجل وتعفّف، هؤلاء متسوّلون عابرون، ويوماً ما سيكونون في مكان آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard