غابة كثيفة ممتدة داخل أحلامي

السبت 18 ديسمبر 202112:50 م

النائم في هوى المنحدر


نعدو نحن الاثنتان داخل تلك الغابة التي تبدو لا نهاية لها. لم أر قط غابة من قبل، لكني أعلم أن هذا سيكون شكلها حينما أراها يوماً. كانت تعدو بجواري ناظرة إليَ طوال الوقت. كأنها لن تضيق من رؤيتي أبداً. شعرها القصير الناعم يتناثر على وجهها. نتشارك نفس خصلات الشعر باختلاف أطواله، أمر لم ألاحظه طوال سنوات القرب التي مرت. الأشجار تتعالى حولنا كأنها أشخاص لا يودون مفارقتنا. يتعانقون كسياج مرتفع يحيط بنا ويرشدنا وسط الطرقات التي نتبعها.

لم نكن نتوقف لنتشاور عن أي مسار سنسلكه، كأننا كنا وقتها شخصاً واحداً لا ينفصل. أبدأ في تأمل الأشجار العالية وتخيل أسمائها، تتبدل ملامحهم لتتماهى مع وجوه ناس عرفتها يوما. الأرض المليئة بالأوراق الجافة تضيف صوتاً ساحراً أسفل حركة أقدامنا كأننا ندق بها مسارنا من حولنا. أحيانا كنا نستكمل العدو وأحياناً كانت تسير جواري بخطوات ليست مستقيمة على الأرض. كأنها تصعد شيئا فشيئاً، ثم سرعان ما تهبط لتدق قدماها فوق الأوراق المتكسرة مجدداً. ينبت جناحين من وسط ذراعي. صرت فراشة اليوم. أعلم ذلك. تنظر نحوي بابتسامتها الحانية وتبتسم.

صوت هاتفي يدق داخل الغرفة، لكني لا أرغب في فتح عيني والرد عليه. أبقى جالسة أرضاً داخل الغابة منكمشة من البرودة بانتظار أمي. تحلق الفراشة حولي دون توقف. أنظر للفراشة مجدداً متأملة: خصلات من شعر قصير ناعم تتطاير حول جناحيها

يبدأ جسدي في الحركة فوق الفراش لتتبدد الغابة من حولي. تصبح الألوان الخضراء المتسعة اتساع الكون جدراناً وفراشاً ومكتباً داخل غرفة صامتة لم يعد يزورها أحد. أعشق الذهاب لذلك المكان في نهاية اليوم. أمني نفسي طوال الصبح بوقت حتمي سأمضيه في الأمسية. أجهز غرفتي وأطفئ الأنوار متمددة فوق الفراش دون أية حركة. يداي فوق قلبي لأشعر بأثار أنفاسي، وعقلي يجوب في مكان آخر بعيد، خلقته داخلي.

وجود دافئ

ظلت أمي بعد وفاتها تأتيني كومضات داخل أحلامي. وجود دافئ يغمرني أحياناً. كنت أستيقظ من النوم شاعرة بأنفاسها الحبيبة ملتصقة بي. أمضي طوال اليوم شاعرة بهالة ما حولي منسوجة منها، لا يمكنني تفسيرها أو وصفها. أراها أحياناً في دفقة حارة بجوار وجهي، وأحياناً أخرى في لون أي شيء ألمسه. فقط وقتها أشعر بوجهها يبتسم نحوي. كان الأمر أحيانا يستدعي إحضار بعض الشموع ووضعها حولي في دائرة، كأنما لا يحيا داخلها سواي.

أفرد جسدي فوق الفراش مغمضة عيني، داعية إياها لزيارتي. لم تكن تأتيني ليلاً سوى داخل تلك الغابة. أشيد أدق التفاصيل حولنا كي تشعر بدفقات الهواء التي عشقته يوماً. داخل أحلامي، تفقد الدقائق والساعات أزمانها المعتادة. يصبح الأمر شريطاً متصلاً يمضي بنا معاً لسنوات أو ثوان، أقطعها فقط حين أفتح عيني أو يهتز جسدي رغماً عني.

ربما كان هذا يوم عيد ميلادها حين تجاهلت احتفالي بها مثلما كنا نفعل كل عام، شعرت وقتها بغربة الجلوس وحيدة أمام كعكة لن يأكلها سواي. لم يكن هناك أحد يشاركنا احتفالاتنا قديماً سوى هاتفي الذي لم يكن يفارق يدي، وكلمات حبيبي التي أرد عليها دون أن تشعر بشرودي عنها. تغمض عينيها وتأمل في عام آخر تمضيه معي. أغمض عيني وأفكر في مذاق حلوى أود الغرق داخله. كان هذا اليوم هو ذكرى عيد ميلادها الأول منذ رحلت. لابد أنها انتظرت الكعكة الخاصة بها كثيراً. لكني لم أرغب في الجلوس على الطاولة وحدي، ليظل كرسيها فارغاً. أمضيت اليوم كله أكتب كلمات كثيرة على هاتفي دون رغبة في الحركة. لابد أن هذا اليوم هو الذي قررت فيه أنها لن تأتيني مجدداً.

أمكث أياماً محاولة استعادتها دون أن أتمكن من تحقيق ذلك. أرقد فوق الفراش لساعات مغمضة عيني. أترك النور مضاء قليلاً ربما تقرر إتياني لأنها تخشى الظلام كثيراً. موسيقى Charles Aznavour تحلق في الغرفة كلها. ربما سترغب في الجلوس بجواري والاستماع إليه مثلما كانت تفعل دوماً. عطرها أنثره في كل مكان يتماهى مع الهواء من حولي، لكنها أبداً لا تحضر.

حين أغمضت عيني كانت الغابة مازالت موجودة، لكنها كانت خالية منها. كأنها تبخرت وسط الهواء البارد من حولي، أو تكسرت مع انكسار أوراق الخريف التي أخطو فوقها. أتخيل أنني فراشة. ربما تأتيني لأنها كانت تعشق الفراشات، لكنها لم تعد تود القدوم.

سماء رمادية بلا أفق

صارت الأشجار قاتمة اللون من حولي. السماء أحياناً تبدو رمادية وأحياناً أخرى قاتمة وباردة بلا أي دفء يطوف من حولي. أتخيلني فراشة تحلق نحو الأشجار المتقاطعة في الأعلى، لكن سرعان ما أصبح فراشة باردة غير قادرة على تحريك جناحيها، فأهوى أرضاً.

ربما ما أبعدها حقاً هو أني قبلته يوم ذكرى ميلادها أمام قضيب الترام. ربما كان هذا هو الوقت الذي قررت فيه الرحيل عني وليس مساء. كانت قبلة سريعة خاطفة لثواني معدودة. مر رجل خمسيني أمامنا ناظراً لنا بحدة واستياء. شابان يتبادلان القبلات أمام الناس نهاراً. شعرت وقتها بجميع الناس تحدق بنا، حتى الرؤوس البادية من نوافذ الترام الذي كان يستعد للتوقف أمامنا. لم أر جيداً الرجل الذي نظر لنا بحدة، لكني شعرت كأنما نظراتها هي ما مرت بنا وليست نظرات الخمسيني.

ربما ما أبعد أمي حقاً هو أني قبلته يوم ذكرى ميلادها أمام قضيب الترام. ربما كان هذا هو الوقت الذي قررت فيه الرحيل عني... مجاز في رصيف22

مر طيفها متدثراً بجسد الرجل الذي ابتعد عنا كأنما لم يشأ الارتطام بنا. ما أذكره أن القبلة كانت ذات مزيج من القهوة والسجائر التي لم تنطفئ بعد، رائحة تختلف عن رائحة البحر الذي لا نبعد عنه كثيراً. ظل مذاق القبلة داخل فمي وأنا أتلفت حولي باحثة عن ملامحها في أجساد أخرى. لم تكن تعلم في حياتها أننا نسترق القبلات هنا، لكنها عرفت اليوم.

ربما هذا ما جعلها تغادرني ليلاً. تأبى العودة نحوي مهما استمعت لعشرات أغاني Charles Aznavour في المنزل. أغمض عيني. أحاول جاهدة استحضارها كأنما هي روح مفقودة دون فائدة.

أجلس داخل الغابة وحيدة. لا أعرف أي طريق وسط الأشجار المتشابهة لأسلكه. تزداد برودة الهواء من حولي فأخلق فراشة تؤنسني. تتأمل الفراشة جناحي فتحلق حولهما. تحضر لي بعض القهوة وكعكة لم يأكلها أحد. أفتح عيني داخل الفراش لأستمع لمزيد من الأغاني الفرنسية القديمة. تأتيني الفراشة في صحوي تلك المرة فأمسكها بين كفي. أقرر العودة داخل الغابة ليلاً ونهاراً. أقرر ألا أفارق الحلم تلك المرة لعلها تقرر المجيء. صوت هاتفي يدق داخل الغرفة، لكني لا أرغب في فتح عيني والرد عليه. أبقى جالسة أرضاً داخل الغابة منكمشة من البرودة بانتظارها. تحلق الفراشة حولي دون توقف. أنظر للفراشة مجدداً متأملة: خصلات من شعر قصير ناعم تتطاير حول جناحيها. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard