عن الماضي والبديهي والبدائي... شوقي عبد الأمير

السبت 4 ديسمبر 202111:14 ص

مجاز البدايات

رفقة الأحلام الأولى والكوابيس ، يقف "مجاز" في زاوية دوريّة مع تجارب شعريّة وأدبيّة وفكريّة، تحاورها تسائلها... من أين أتت؟ ما الذي أودى بها إلى هذا الدّرْك؟ ما هي إرهاصات الكتابة الأولى؟

يستنبش "مجاز" عن خبايا رحلاتهم الطّويلة في رحاب الحرف والكلمة. تسأل: هل هم راضون عن هذه المدّة؟ هل عرفوا كنه ما كتبوه؟ تسأل وتسأل: ما هو أسوأ  كوابيسك وأجمل أحلامك؟ والإجابة لديهم في ذاك الطّريق الطّويلْ. البداية مع شوقي عبد الأمير.

▪▪▪

في البدء كان الرّنين وحده يتردّد مثل الصّدى آتياً من بعيد. رنينٌ آسرٌ يسكن الصّمت والخلوات، ظلّ هكذا زمناً حتّى صار تمتمات ومقاطع صوتيّة لا تجرؤ أن تقول كنهها. لم يصر كلمة ولم يجرؤ على معنى، رنينٌ يمسك بي، يشبه الحداء الذي يقود القوافل في الصّحراء .

شيئاً فشيئاً صار كلمة اصطفّت جنب أخرى، ولكن تحت إيقاعه وترانيمه فظلّ هو المحرّك وهو الدّال والمدلول حتّى ولدت العبارة، الحبلى الّتي ولدت منها جملٌ موزونة تتلاقى نهاياتها برنينٍ مشترك عرف بعد حين أنّ هذا التّلاقي في الرّنين يسمّى القافية.

استهوته اللّعبة الإيقاعيّة قبل المعنى وصار يتأرجح في حبالها الصوتيّة كالأطفال المتيّمين بالأراجيح. واستمرّت الحال حتّى تكوّنت القصيدة وكانتْ في حلّتها الأولى عموديّة البناء، أحاديّة الوزن والقافية، شديدة الالتهاب في كلّ حقول المعنى. عشقاً... غضباً... وسياسة.

استهوته اللّعبة الإيقاعيّة قبل المعنى وصار يتأرجح في حبالها الصوتيّة كالأطفال المتيّمين بالأراجيح. واستمرّت الحال حتّى تكوّنت القصيدة وكانتْ في حلّتها الأولى عموديّة البناء، أحاديّة الوزن والقافية، شديدة الالتهاب في كلّ حقول المعنى... شوقي عبد الأمير لـ"مجاز"

لكنّه كان يكتمها ولا يجاهر لها إلّا لخالٍ له كان شاعراً مجيداً وكان يأنس إليه ويسمعه بعض الأبيات. هذا الخال هو الشّاعر رشيد مجيد ابن مدينة النّاصريّة الّذي كان يرفض مغادرتها وظلّ صوته محْصوراً فيها، حتّى صدح في أحد الأعوام في مهرجان المربد بقصيدةٍ هزّت الجميع ، قصيدة "وجه بلا هوية"، ففازت بالجائزة الأولى. كان رشيد مجيد الخال هو الّذي أصغى له وأعطاه الثّقة بأن يظهر إلى العلن.

ذلك ما حدث في متوسّطة الفجر في الكاظميّة - بغداد عندما انتقل الرّنين السّريّ عبر مكبّر الصّوت أمام مئات الطلاب المتجمهرين ولم يكن له من العمر 14 عاماً . هنا كانت شارة الانطلاق، ثمّ توالت القصائد حتّى كليّة الآداب الّتي تنظّم مهرجاناً سنوياً للشّعر تتزاحم فيه أصوات شعريّة متمّرسة في لعبة القوافي.

 هناك أذكر، كان لا بدّ من اجتياز هذا الاختبار الأهمّ والّذي يشكّل اجتيازه شهادة الاعتراف التي كانت بالنسبة له أهمّ من شهادة الليسانس الّتي دخل  الكلية ساعياً نحوها وإليها  لينالها. تردّد كثيراً، لأنّه يجب أن يقدّم القصيدة وتقبلها لجنة المهرجان عند ذلك فقط يستطيع المشاركة.

حدث ذلك عام النّكسة 1967، ولم يكن له من العمر  سوى سبعة عشر عاماً. كان في الصفّ الأوّل من الجامعة وشعراء الصفوف المتقدّمة كثر ويتزاحمون على المنصّة. لكنّه مع ذلك أصرّ أنْ يقدّم قصيدةً كتبها منْ وحي النّكسة وهذه أبياتها الأولى :

"دعيني دعي داميات الجراح تخضّب أرضي بأسمى رواءْ

دعيني فما عزّ هذا البقاءْ وصوت الثكالى يلوك الدعاءْ".

هكذا ستون بيتاً، أودعها لأستاذ يقدّره وهو عضوٌ في لجنة المهرجان. أذكر أيضاً أنّه لم ينم تلك اللّيلة حتّى جاءه الأستاذ بالنبأ السّار، إنّ القصيدة قبلتْ وسيتمكّن من قراءتها في المهرجان.

كانت الموافقة هذه أشبه بالحصول على بطاقة عبور حقل للألغام أمام جندي في الجبهة. آنذاك عبّأ الأهل والأصدقاء والقريب والبعيد لحضور القاعة لرؤيته يرتقي منصّة مهرجان الآداب. حضرت العائلة والأب كان شديد الافتخار والاعتزاز أنه منحه اسم الشّاعر الكبير أحمد شوقي، لأنّه كان يعرف ويحسّ أنّه سيكون شاعراً... بالمناسبة اسمه الصّغير أحمد شوقي عبد الأمير، واسم الوالد واللّقب الحمداني.

في ذلك اليوم المشهود تعاقب الشّعراء بقصائدهم، وقرأ قصيدته وكان الأمر بالنسبة له قدْ تحقّق لمجرد المشاركة. لم يكن يحلم بأكثر من ذلك، لكن لا بدّ من انتظار الإعلان عن النتائج ومعرفة القصائد الفائزة. هكذا يقول البروتوكول. ينتهي الحفل وتبدأ مراسم الإعلان، وإذ برئيس المهرجان: "تمنح الجائزة الأولى لقصيدة الشاعر أحمد شوقي الحمداني"... وقع الصّوت عليه وعلى العائلة موقع الصّاعقة. آنذاك رأى الدموع في عيني أبيه وأمّه، أجل دموع الفرح للمرّة الأولى. والقاعة اشتعلت بالتّصفيق وهو في حالة تشبه الإغماء، بحيث لم يصغ لنداء الرئيس بالحضور إلى المنصة لاستلام الجائزة.

ما زال يذكر أيضاً أن الجائزة كانت (خمسة دنانير + قلم باندان + مجموعة كتب المجمع العلمي العراقي).

عن الرضى تسألني؟ الشّعر يشبه الحياة. لن نكتفي منها ولن نرضى بما أنجزنا فيها حتى لحظة الرّحيل... شوقي عبد الأمير لـ"مجاز"

بعد ذلك جاء النّشر الأول، فقد أصدرت كلية الآداب كرّاساً ضم القصائد الثلاث الفائزة تحت عنوان "فلسطين أبداً". وكان بغلاف أصفر وفيه اسمه الأوّل "أحمد شوقي الحمداني". هنا حدثت مشكلة صغيرة مع الوالد إذ غاب اسمه (عبد الأمير) كان السّبب أنّ اسمه الصّغير مركب، كما حدثت تساؤلات...كيف اجتمع في اسم هذا الشّاعر شاعران كبيران، أبو فراس الحمداني و أحمد شوقي؟

وهنا صار عليه أن يجد اسماً يخرج به منْ مشكلة اختفاء اسم الوالد والاشتراك مع أسماء الشّعراء الكبار. وهكذا ومن هنا  ولد اسم "شوقي عبد الأمير" من هذا الحيّز ومن هذا المكان .

▪▪▪

عن الرضى تسألني؟

الشّعر يشبه الحياة. لن نكتفي منها ولن نرضى بما أنجزنا فيها حتى لحظة الرّحيل. وهكذا هو الحال دائماً مع النّشوة لأننا لنْ نكتفي ولنْ نرتوي قطّ. النص الحقيقيّ هو الّذي يمسك بك ، يستجوبك يهزّك، كنخلة في آية كتبتْ يوماً.

لذا أقول أنّ أيّ حكم تطلقه عليه هو آنيّ ومحكوم بواقع اللّحظة التي أتت فيها، ولكن لن نرتضي نصاً دون اقتناعنا بجماله وقوّته لحظة الولادة، حتّى وإن انتهى أمره ضيفاً في سلّة مهملات بعد حين.

شخصياً لا يهمّني سبر الدّلالات والرّموز الّتي يمكن أن يحتويها نصٌ أكتبه، لأنّ ذلك مرتبطٌ بالقارئ الذي هو نصف المؤلّف كما يقال. لكنني بالتأكيد بعد القراءة الأولى للنّص، أحاول أن أبلور دلالة ما تقنعني على الأقل وأعجب بها، وإلّا لن يقاوم النّص الوليد أمامي طويلاً.

أفضّل في المعنى انفتاحه على دلالات وإيحاءات وإسقاطات لا أعرفها وأكتشفها بعد حين أو مع القرّاء، ذلك ربّما لأنني كائن يفضّل الاختباء في المعنى لا المجاهرة به وذلك لأترك للقارئ نشوة الفضح، ويحقق ذاته بانتصاره.

أضيف وأختم أسوأ الكوابيس هي تلك  الّتي تأتي غالباً من الشّعراء الّذين يتواجدون في نفس المساحة الزمكانيّة معي، وذلك عندما تفتعل إشكالات ومهاترات وتقوّلات وصفقات لا علاقة لها بالأدب ولا بالنقد ولا حتّى بالأخلاق، تلك هي أسوأ الكوابيس. أما أجمل الأحلام صديقي، فهي اليقظة والسّلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard