امرأة في الأربعين تتحوّل لسمكة

السبت 4 ديسمبر 202111:28 ص

 نطفو على قدم من هواء

 

عندما أسبح لا أتخيل نفسي إلا سمكة، زلقة ومغناجة. التخشّب الذي لازمني طوال حياتي يتفكك وشيء من الحياة يدب في. جسدي المشدود يتحرك مثل ريشة، يداي تزيحان قبضة العالم عن قلبي، قدماي تضربان الأسى فيطير مع الماء، أبصق الخوف من فمي فيصعد كفقاعات متتالية، هزيلة، على السطح. تملأني نشوة غامضة، مثل طفل ينفخ بالون، ترقّب وخفّة، لا أعرف إن كنت أنا الطفل أم البالون.

ماء بطعم الغرق

كنّا في تجمّع عائلي في فيلا تطل على البحر الأبيض، نزل جميع الرجال والأبناء لحوض السباحة، وجلسنا نحن النساء نراقبهم، كنت أتسلّى بالقراءة قبل أن تلحّ عليّ ابنتي أن أنزل معها وهي تسبح. ولأنني أغرق في شبر ماء، نزلت ووقفت ممسكة بالسور في أكثر الأماكن ضحالة، الغريب أن الخوف كان يقبض على أنفاسي ويقطّر في روحي، لم يتوقف عن التقطير إلا عندما خرجت من الماء. جلست على أحد الكراسي البلاستيكية وأنا أنهج بينما أسمع جملاً مثل: "طول عمرك خوّافة"، "السباحة مش ضرورية للستات"، "إنتي كبيرة والكبار صعب يتعلموا يعوموا". كانت هذه هي اللحظة التي قررت فيها أن أتعلم السباحة.

عندما أسبح لا أتخيل نفسي إلا سمكة، زلقة ومغناجة. التخشّب الذي لازمني طوال حياتي يتفكك وشيء من الحياة يدب فيّ... مجاز في رصيف22

امرأة دخلت الأربعين لتوها، مشغولة بألف مسؤولية، تعاني من نوبات الخوف من عدة أشياء أهمهم الغرق. تنزل بكامل إرادتها لحوض السباحة لا لتصارع الخوف لكن لتهزم كل الأفكار التي تحاصرها، لتثبت لمجتمعها مرة بعد مرة أنه على خطأ، لتصرخ بوجه الافتراضات والثوابت بكلمة "لا".

الطفلة التي كانت تخشى الرقص حتى لا يهتز جسدها المقدس، فتصبح أضحوكة، أو تصنف كفتاة غير مهذبة، الطفلة التي تخاف أن تخسر الاحترام والحب حتى لو كان الثمن جسداً متخشّباً. المرأة التي لم تفهم أبداً مشهد امرأة ترقص لرجل، المرأة التي لم تعرف من الرياضة إلا المشي ومن الحركة إلا ملاحقة الأشياء. الآن تختار أن تصبح سمكة.

يضحك الجميع من جسدي المرتعش تحت الماء، حركاتي البهلوانية، جُبني وتلعثمي وأخطائي، يظنون أنني أخاف الغرق، بينما أخاف الفشل، إن أكثر ما أحببته في تعلم السباحة هو تجربة الغرق، لحظات الاستسلام التي تسبق الهلع أو التسليم بعد النفس الأخير. ربما لأنني كنت طفلة جبانة فلم أختبر الغرق ولا تعرضت للمرور أمام سيارة ولا تهت أبداً عن أهلي. أنا المخلوق الحريص دائماً (إلا في الحُّب). فكان من المُلهم أن أجرّب الغرق، وأتخيل نفسي فيرجينيا وولف أخرى، تكتفي من العالم، تترك نفسها للمياه بدون حذر، غير أنني أترك نفسي للمياه لأختبر مقاومتي لليأس.

أقول للمدربة بثقة العارف بنفسه: "أنا نفسي قصير"، فتختبرني ثم تصرّح أن نفسي أطول من العادي، أؤكد لها أنني امرأة سيمترية وكل جانب في يشبه الجانب الآخر، فتُصر أن قدمي اليسرى أضعف من اليمنى، تدمر لي السباحة كل ما أعرفه عن نفسي، تبعدني عن الأرض التي تكبلني بالمسئوليات والسماء التي طالما نظرت إليها نظرة المنقذ الذي سيأتي في اللحظة الأخيرة مثل الأفلام. تضعني السباحة وجهاً لوجه أمام الماء الذي آمنت دائماً أنه يثير الغرائز ثم يبتلع العاشقين تماماً مثلما يبتلع النازحين واللاجئين والضعفاء.

أنقذني الخيال كالعادة

ارتديت نظارة بحر وغطست برأسي تحت المياه، رأيت كل مخاوفي بوضوح لأول مرة، شفافة ورقراقة، تذكرت اللحظة التي ارتديت فيها نظارة القراءة لأول مرة بعد أن أتممت عامي الأربعين. جلست أمام طبيب العيون ووضع أمام عيني عدسة ما. رأيت الفرق بين رؤيتي بالعدسة وبدون العدسة. شعرت بالنور يغمر الحروف، لا ظلال ولا خيالات غريبة، والحروف وقفت بثبات بعد أن كانت دائماً مهزوزة. لم أدرك وقتها منذ متى وأنا أكابر ولا أشعر بأنني لا أرى. ربما كانت لحظة عادية مرّ بها الناس في طفولتهم، لكن بالنسبة لي كانت لحظة إدراك ملهمة. تمنيت بعدها أن تتكرر لحظة الرؤية في حياتي حتى لو أتت مخيفة وصادمة.

امرأة دخلت الأربعين لتوها، مشغولة بألف مسؤولية، تعاني من نوبات الخوف من عدة أشياء أهمهم الغرق. تنزل بكامل إرادتها لحوض السباحة لا لتصارع الخوف لكن لتهزم كل الأفكار التي تحاصرها... مجاز في رصيف22

رأيت الماء، وبدأت أطمئن لعدوي رغم معرفتي السابقة بغدره، لكن ربما لو منحته فرصة أخرى سيمنحني بعض الشجاعة. كلما حملني برفق ورفعني دون جهد، يلعب عقلي دوره بإخلاص ويذكّرني أنه لا شيء تحتي، وأنني عالقة في الفراغ، وأنني سأغرق إن تماديت، فتتحرك أطرافي بجنون في محاولة ساذجة لحمايتي والوصول إلى الأرض. يتكرر نفس السيناريو مرات ومرات، إلى أن أتت مرة وتخيلت أنني سمكة، وأن هذه هي حياتي وبيئتي، وأنني صغيرة وخفيفة ومرِنة، انزلقت بخفة وشعرت أن جسدي انفصل عن روحي وتحرك وفقاً لفكرة مسيطرة عليه، ضبط نفسي أردد داخلي: "أنتِ الآن سمكة".

يومها رجعت للبيت وأنا أحمل الماء في جسدي، لم أشعر بحرّ أغسطس كأنني عدت بتكييف داخلي ملأني بالبرودة اللذيذة. نمت دون حتى مروحة واستيقظت كأنني رفعت رأسي من الماء لأتنفس. بعدها غادرني شعور الماء والتكييف الداخلي تدريجياً، لكنني معه تحررت من بعض الطبقات التي تغلف جسدي، استبدلت بالزلاقة التخشّب وأصبحت عصية على الإمساك، منذ زمن وأنا عرف عن نفسي أنني دائمة الإفلات، لكنني لم أدرك أن وراء هذا الشعور بالهروب والتفلّت من كل ما لا يشعرني بنشوة السعادة، سمكة وهمية تسبح تحت جلدي.

مع كل تعلّم جديد في السباحة، عندما أتحرك مثل بدّال، أو أتقافز مثل دولفين، أو أضرب قدماي كعجلة، أردد لنفسي نفس الجملة: "أنتِ الآن سمكة"، فتنفصل روحي ويبقى جسدي ينثني وينفرد دون تحكم مني، تباغتني الأفكار وأنا أسبح، لامعة ومرنة مثل جسدي المغمور بالماء، أقابلها بالسخرية، أقول لها: "دعيني الآن يا عزيزتي وتعالي في وقت لاحق... فالسمك لا يدوّن الأفكار". عندما يأتي الصيف القادم وأسافر مع عائلتي، سأريهم ماذا فعلت الجبانة الكبيرة بموروث الخوف، وربما حينها لن أترك الكرسي البلاستيكي وأنزل لحوض السباحة، سأبقى مكاني أقرأ كسمكة مثقفة ترفض أن تستعرض ليونتها الجديدة، وتفكّر كيف تحولها لأدب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard