الإمارات في مأزق... "الصين-إيران" أو "إسرائيل-أمريكا"؟

الخميس 16 ديسمبر 202103:42 م

أبلغت أبو ظبي الولايات المتحدة اعتزامها الانسحاب من صفقة شراء طائرات F-35 الأمريكية الصنع، وطائراتٍ من دون طيّار من طراز "ريبر"، وذخائر متطوّرة أخرى.

وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، بأن أبو ظبي تعتقد أن "المتطلّبات الأمنية التي وضعتها الولايات المتحدة لحماية الأسلحة عالية التقنية من التجسس الصيني، مرهقة للغاية، وأن السيادة الوطنية للبلاد في خطر".

وورد على لسان مسؤولٍ إماراتيٍّ ضمن تعليقه للصحيفة على أسباب تجميد الصفقة، قوله: "أدّت المتطلّبات الفنية، والقيود التشغيلية السيادية، وتحليل التكلفة، إلى إعادة التقييم"، وهو ما استدعى عدّ كثيرين أن ما حصل لا يتعلق كثيراً بالصين.

ولم يتّضح ما إذا كانت الصفقة التي تبلغ كلفتها 23 مليار دولار، والتي تم توقيعها في الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس السابق للولايات المتحدة، دونالد ترامب، قد ماتت هكذا، أو ما إذا كان التهديد الإماراتي هو خطوة تفاوضية، عشية زيارة مقررة حصلت أمس، لوفد عسكري إماراتي إلى وزارة الدفاع الأمريكية، وتستمرّ يومين لإجراء محادثات.

وقال مسؤولون أمريكيون لـ"وول ستريت"، إن "الرسالة التي حملت التهديد بتعليق الصفقة، كتبها مسؤول صغير نسبياً في الحكومة الإماراتية، ما يشير إلى أن العرض كان بمثابة تكتيك تفاوضي قبل الاجتماع في وزارة الدفاع". 

الرسالة التي حملت التهديد بتعليق الصفقة، كتبها مسؤول صغير نسبياً في الحكومة الإماراتية، ما يشير إلى أن العرض كان بمثابة تكتيك تفاوضي قبل الاجتماع في وزارة الدفاع

ونقلت وكالة بلومبرغ الأمريكية، عن مسؤول إماراتي، أن "الاتفاق مع فرنسا لشراء 80 مقاتلةً من طراز رافال، استغرق عقداً من الزمن، وتوقّف وبدأ ثلاث مرّات على الأقلّ"، في إشارةٍ إلى أنه لا يزال هناك متّسع من الوقت لحلّ الخلافات حول صفقة أف35. ويؤكد المسؤولون في الإمارات والولايات المتحدة، أن صفقة الطائرات الفرنسية تهدف إلى استبدال مقاتلات ميراج المتقادمة في الإمارات، وليست بديلاً لطائرات أف35.

جاء تأكيد الإماراتيين على أن طائرات رافال ليست بديلاً لمقاتلات أف35، بعدما ألمحت وسائل إعلام غربية إلى أن إبرام فرنسا الاتفاق مع أبو ظبي لبيع 80 مقاتلة رافال، وتخلّي الأخيرة عن أف35 الأمريكية، جاء ردّاً على توقيع أمريكا وبريطانيا على اتفاقٍ لبيع غوّاصات نووية بنحو 50 مليار دولار لأستراليا، بعدما كان مقرراً أن باريس هي من ستقوم بتصنيع تلك الغوّاصات.

ورد على لسان مسؤولٍ إماراتيٍّ ضمن تعليقه للصحيفة على أسباب تجميد الصفقة، قوله: "أدّت المتطلّبات الفنية، والقيود التشغيلية السيادية، وتحليل التكلفة، إلى إعادة التقييم"

 وذكر مسؤولون آخرون أن الولايات المتحدة لديها مخاوف أمنية مشروعة، لكن كانت هناك جهود لإنقاذ صفقة الأسلحة للشريك الخليجي. وصرّح وزير الخارجية الأمريكية، أنطوني بلينكين، بأن الولايات المتحدة لا تزال مستعدةً لبيع طائرات مقاتلة من طراز أف35 إلى الإمارات، وكلامه أتى بعد أن هددت الأخيرة بإلغاء الصفقة، بسبب الشروط الصارمة.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، جون كيربي، للصحافيين إن البلدين سيناقشان "الاهتمامات المشتركة" في حوارٍ عسكري في البنتاغون، في محاولةٍ "لمعالجة أسئلتهم وأسئلتنا في ما يتعلق بهذه الصفقة". لكنه أعلن في الوقت نفسه، أن "متطلبات الاستخدام النهائي، وحماية المعدّات الدفاعية الأمريكية عالمية، وغير قابلة للتفاوض، وليست خاصّةً بالإمارات".

الشراكة مع الصين 

لطالما كانت العلاقات المتعمّقة للإمارات مع الصين تثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي في واشنطن. وانزعجت الولايات المتحدة في العام الحالي، عندما علمت وكالات المخابرات الأمريكية أن الصين تبني سرّاً ما اشتبهت بأنه منشأة عسكرية في ميناءٍ قرب أبو ظبي، حسب ما قال أشخاص مطّلعون على الأمر، لوول ستريت جورنال.

وفي إشارةٍ إلى الاستجابة للضغوط الأمريكية، صرّح مستشار الرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، في الأسبوع الماضي، بأن بلاده أوقفت مؤخراً العمل في منشآتٍ صينيةٍ في ميناءٍ إماراتيٍّ، بعد أن أعربت واشنطن عن قلقها من أن لها أغراضاً عسكريةً، ونفت أبو ظبي أن تكون للمنشأة أي علاقة بأنشطةٍ صينيةٍ أمنية. 

لكن حتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة تثير أزمة شركة الاتصالات الصينية "هواوي تكنولوجيز"، التي تزوّد الإمارات بالبنية التحتية للاتصالات، وفقاً لوول ستريت جورنال، والتي عدّتها إحدى المشكلات التي تعرقل صفقة الأف35 للإمارات.

ولا تشير الأخبار القادمة من أبو ظبي إلى أنها ستتخلى عن هواوي، إذ وقّعت شركة "طيران الإمارات"، في آذار/ مارس الماضي، مذكرة تفاهمٍ مع الشركة الصينية، لتوسيع شراكتهما القائمة. 

لا تشير الأخبار القادمة من أبو ظبي إلى أنها ستتخلى عن هواوي، إذ وقّعت شركة "طيران الإمارات"، في آذار/ مارس الماضي، مذكرة تفاهمٍ مع الشركة الصينية، لتوسيع شراكتهما القائمة.

وقال الباحث والمحاضر في العلاقات الدولية، أنس القصاص، لرصيف22، إن الإمارات ليست لديها "أولوية إستراتيجية لتقبل بشروطٍ ضخمةٍ لتحصل على المقاتلة الأمريكية، يكون لها تأثير على اقتصادها"، مضيفاً أنها لا تريد من الأساس حرباً في المنطقة، للحفاظ على الاستقرار، ولتبقى في وضعها الاقتصادي الحالي.

ولفت إلى أن "اقتناء الإمارات للمقاتلة الأمريكية، كان بهدف الوجاهة لدولةٍ تمتلك المال، لكن يبقى أن الاقتصاد هو عنصر قوّتها، وعليه قد تتخلّى عن الصفقة إذا كانت هناك شروط كبيرة تفوق قدرتها، خصوصاً من الناحية الاقتصادية".

في 2019، أصبحت أكبر أربعة بنوك تجارية مملوكة للدولة في الصين من حيث الأصول، هي المحرّك الرئيسي للميزانية المصرفية الكاملة لمركز دبي المالي العالمي. وفي عام 2018، قُدّر حجم الميزانية العمومية الجماعية للبنوك في الإمارات، بما يتراوح بين 170 و180 مليار دولار. وربع هذا المبلغ جاء من "الأربعة الكبار" في الصين، حسب سلمان جعفري، كبير مسؤولي تطوير الأعمال في المركز.

اقتناء الإمارات للمقاتلة الأمريكية، كان بهدف الوجاهة لدولةٍ تمتلك المال، لكن يبقى أن الاقتصاد هو عنصر قوّتها، وعليه قد تتخلّى عن الصفقة إذا كانت هناك شروط تفوق قدرتها

وقال جعفري: "الصينيون ليسوا غرباء في الإمارات، ولكنهم جزء لا يتجزّأ من الدولة. في أيّ مكانٍ ستجد ما بين 10 و15 في المئة من السكّان من الصين. ومن بين خمسة آلاف شركة صينية في الإمارات، توجد أربعة آلاف في دبي وحدها".

وبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين، في نهاية العام 2019، نحو 50.2 مليار دولار، لتصبح الإمارات مركزاً رئيسياً لإعادة تصدير المنتجات الصينية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين واشنطن وأبو ظبي في 2019، 26.5 مليار دولار.

وغرّد الخبير في الشؤون الأمنية والأكاديمي في جامعة كينغز كوليدج البريطانية، أندرياس كريغ، قائلاً: "الإمارات تظهر أن الصين هي الشريك المفضّل في عصر الذكاء الاصطناعي، والإنترنت، وعمليات المعلومات".

ورأى الكاتب في صحيفة آسيا تايمز الصينية، ديفيد غولدمان، أن "الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باع ثمانين مقاتلةً إلى الإمارات، مقابل 19 مليار دولار، لتجلب ما يقرب من ضعف صافي عائدات صفقة الغوّاصات الأسترالية التي وقّعتها الولايات المتحدة بدلاً من فرنسا، وهو يعطي الإمارات مساحةً للتعامل بحرّية مع الصين".

 مع إيران 

قبيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، إلى أبو ظبي، دعت الأخيرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لزيارة الإمارات. والتقى مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، الأسبوع الماضي، برئيسي في طهران.

وزار نائب وزير الخارجية الإيراني، علي باقري كاني، في 24 تشرين الأول/ نوفمبر 2021، أبو ظبي، لإعلان أن إيران والإمارات "اتفقتا على فتح فصلٍ جديدٍ في العلاقات الثنائية الودّية". وكتبت صحيفة جيروزلم بوست الأسبوع الماضي، أن هذه التطورات الإقليمية الأخيرة أثارت قلق إسرائيل، إذ يقترب بعض حلفائها الجدد من عدوّتها اللدود إيران.

وفي تعليقٍ على هذا التقارب مع الصحيفة، قال موران زاغا، الخبير في شؤون الخليج في جامعة حيفا، والمعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية: "هذا مقلق للغاية لإسرائيل. هذا التقارب سيكون له ثمن. التقارب مع إيران ومع إسرائيل في وقتٍ واحدٍ لا ينفعان معاً".

قال مصدر دبلوماسي إسرائيلي لموقع "ذا ميديا لاين"، إن "إسرائيل ليست معنيةً بتطور علاقة أبو ظبي مع طهران، لكنها أيضاً غير راضية عن هذا التطور... وهم يعرفون جيداً أننا لا نحب هذا، ولكن لسنا بحاجةٍ إلى تطمينات".

وقال مصدر دبلوماسي إسرائيلي لموقع "ذا ميديا لاين"، إن "إسرائيل ليست معنيةً بهذا التطور، لكنها أيضاً غير راضية عن هذا التطور... وهم (الإمارات) يعرفون جيداً أننا لا نحب هذا، ولكن لسنا بحاجةٍ إلى تطمينات".

وقال القصاص إنه من الصعب جمع كل "الخيوط في يدٍ واحدةٍ. هذا سيكون له تكلفة في المستقبل، لذلك قد لا تستمرّ أبو ظبي في سياسة جمع المتناقضات على المدى البعيد. هي فقط استراحة إستراتيجية، لأن سياسة الاقتحام في العديد من الملفات التي تبنّتها كانت لها تكلفة اقتصادية".  

ولفت يوئيل جوزانسكي، الزميل البارز في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، لجيروزلم بوست، إلى أن الخطوات الأخيرة تعكس أن الإماراتيين "أقرب بكثيرٍ من إيران"، وأن "على إسرائيل أن تفهم أن الإمارات لا يمكنها أن تنحاز إلى إسرائيل ضد إيران. قد يكون هناك تعاون على مستوى التحركات التكتيكية، ولكن أيّ شيء أكثر من ذلك ضدّ مصلحتهم".

على إسرائيل أن تفهم أن الإمارات لا يمكنها أن تنحاز إلى إسرائيل ضد إيران. قد يكون هناك تعاون على مستوى التحركات التكتيكية، ولكن أيّ شيء أكثر من ذلك ضدّ مصلحتهم

من جانبها، قالت المحللة السياسية الأمريكية، إيرينا تسوكرمان، في تغريدةٍ: "سبب آخر تم الإعلان عنه، هو معارضة إسرائيل لمشاركة الإمارات، بسبب مخاوفها بشأن الحفاظ على التفوّق العسكري في الشرق الأوسط، وهي قضية لم تتم مناقشتها علناً خلال محادثات اتفاقيات إبراهام، ولم يتم التعامل معها بشكلٍ مباشرٍ بعد ذلك أيضاً".

وأضافت تسوكرمان: "سارعت إسرائيل والإمارات وإدارة دونالد ترامب، إلى وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية، مع تبادل العديد من الوعود، ولكن من دون إستراتيجية واضحة للتعامل مع تضارب المصالح الواضح المتعلّق بالدفاع. ولكن حتى بعد التوقيع، لم يتم تطوير دبلوماسية هادفة".

الأسباب الحقيقة

قال شخص مطّلع على الصفقة، لصحيفة "ذا ناشينال" الإماراتية، إن "القضية لا تتعلق بعلاقات الإمارات مع الصين، بل تتعلق بمسائل السيادة في الصفقة التي أثارتها الإمارات، والتي يحاول الجانبان حلّها".

بالرجوع إلى الأسباب التي تناولتها "وول ستريت جورنال"، فهي نقلت عن المسؤولين الأمريكيين، قولهم: "أدّت المتطلبات الفنّية والقيود التشغيلية السيادية، وتحليل التكلفة والعائد، إلى إعادة التقييم".

وتتعلّق المتطلّبات الفنية بقضية انتزاع تقنيات فنية من المقاتلة الأمريكية عند بيعها للإمارات، مما يحافظ على التفوّق الإسرائيلي، ويمنع انتقالها إلى الصين، وفقاً لصحيفة جيروزلم بوست.

بصرف النظر عن المخاوف الأمنية لإسرائيل بشأن روابط الإمارات المتنامية مع إيران، والعلاقات التجارية الراسخة الحالية، وقلق الولايات المتحدة من الدور الصيني، فإن بايدن واليساريين من حوله، ليسوا بشكلٍ عام أصدقاء الإمارات

أمّا القيود التشغيلية، فهي أن يكون استخدام الإمارات للطائرة مقيّداً بتصاريح أمريكية، فلا يمكن استخدامها كما تشاء، وفقاً للصحيفة الإسرائيلية. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، جون كيربي، ضمن تعليقه على الصفقة، إن "هناك متطلبات المستخدم النهائي... لدينا التزامات تجاه الشعب الأمريكي، وتجاه مصالح أمننا القومي، عندما ننخرط في بيع الأسلحة والأنظمة".

وأثارت صحيفة جيروزلم بوست النقطة ذاتها، أي أن الخلاف يتعلّق كثيراً بالمستخدم النهائي، أي أن الإمارات لن تستخدمها كما تشاء، وهو القيد الذي وصفته الإمارات بالسيادي.

وفي رأي تسوكر مان، فإنه "بصرف النظر عن المخاوف الأمنية الحقيقية لإسرائيل بشأن روابط الإمارات المتنامية مع إيران، وبصرف النظر عن العلاقات التجارية الراسخة الحالية، وقلق الولايات المتحدة بشأن وصول الصين إلى الأسرار العسكرية الأمريكية، فإن بايدن واليساريين من حوله، ليسوا بشكلٍ عام أصدقاء الإمارات".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard