أنا أخناتون... زفرة أخيرة قبل نهاية حالم

الأحد 19 ديسمبر 202111:00 ص

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

ها هم يقتربون. قادة جيشي، أولئك الآتون من سواد الناس، وقد رفعتهم مقاماً عليّاً. لو شاءوا لأخمدوا المؤامرة، كما أحبّ، من دون قطرة دم، وتحميهم جموع الناقمين على الكهنة. لكن قادة الجيش لن يشاءوا، وسوف يتحالفون مع الكهنة ويسترضونهم، ثم يزيحونهم إلى الظل، ويصعدون. أكاد أرى ملوكاً لا تسري في عروقهم دماء ملكية، يبدأ عهدهم بالدم، دمي، ويستكثرون عليّ موتاً لائقاً، ولن يراعوا لجثتي حرمة، وأخشى أن يضيق بموميائي فضاء وطني العجوز.

لو كنت أعلم الغيب، لخشيت كوارث الثورة على الثورة، وما جمعت السلطتين السياسية والدينية في شخصي، وتركت الناس يتخذون من الأرباب والآلهة ما يشاءون

ها هم يقتربون. يقطعون عليّ خلوتي، وتتشوّش صلاتي الأخيرة بالصخب، ويقتحمني صهيل جياد تمتنع عن اختراق حرمة بيتي، فيلهبون ظهورها بالسياط، ويرتفع الصليل والحدوات تنقر البلاط. ولو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لكنت أكثر إنصاتاً إلى التعقل وحُسن التدبير؛ لإنقاذ جموح الحالم من تربّص ورثة اليقين، كنت سأفرق بين خيال الثائر واحتيالات السياسي، براءة المجدد وخبرة الداهية.

لو كنت أعلم الغيب، لخشيت كوارث الثورة على الثورة، وما جمعت السلطتين السياسية والدينية في شخصي، وتركت الناس يتخذون من الأرباب والآلهة ما يشاءون، ويكفي أن أكون الملك، ولست عليهم بوصيّ ولا مسيطر. هل أخطأتُ بنسف المسافة بين الكاهن والحاكم؟ تكاد إجابتي تكون "نعم"، وأنا لا أعرف مصائر زوجتي نفرتيتي، وأمي الملكة "تي"، وأولادي وأولهم "توت عنخ آتون"؟(1).

ما أتعس أن تكون ابناً لبنّاء عظيم. إذا نجحتَ في الإضافة إلى إنجازاته، أرجَعوا الفضل إلى نقاء السلاسة وقانون الوراثة والتربية الحسنة. وإذا فشلتَ، نسبوا الإخفاق إليك وحدك، وتبرأوا منك، وازداد ترحّمهم على أبيك، شماتة ونكاية بك، تمهيدا للانقضاض على ما كنت تمثله. حكم أبي، الملك أمنحتب الثالث، 38 عاماً من السلام والرخاء وتشييد الصروح. وكنت أرى السعادة في عيني أمي الملكة "تي"، بنت الشعب، وهما يتنزهان على القارب "تحن آتون" (قرص الشمس يسطع)، في بحيرة صناعية حُفرت من أجل الملكة. ولكن نفسي تاقت إلى الزهد، والتخلي عن البذخ والترف، وعن الكهنة، وعن العاصمة نفسها، وصعدت شمالاً إلى أخيتاتون(2)، لتكون "أفق آتون" عاصمة جديدة لعهد جديد.

سأموت، ويوزن قلبي وترجح أمامه ريشة الحقيقة "ماعت"؛ فتتأكد لقضاة السماء خفة موازيني، وأسكن الفردوس الأعلى

ما أشقّ أن تواجه العالم وحيداً. ولو رُددتُ لما عدتُ إلى السبيل، ولاخترتُ من الوسائل ما يمكنني من بلوغ غاية لن تتبدل. لا أندم الآن على ثورة لم أستعد لتفادي عواقبها بقدر كاف يعصمني من القتل، ويقلل فداحة الثمن. هل قلت: "ثورة"؟ لا أدعي هذا، وإن أمكنني أن أقول لكم إن ثورة لا يحميها سيف لن تنجح بعد اليوم، في مصر وفي غيرها. وأما الثائرون على الثورة فسوف يفوزون؛ لتسلّحهم بالسيف والقلم، كاتب التاريخ.

سأموت، ويوزن قلبي وترجح أمامه ريشة الحقيقة "ماعت"؛ فتتأكد لقضاة السماء خفة موازيني، وأسكن الفردوس الأعلى، بعد أن شهد لي قلبي الذي دلني على الإله الذي ليس كمثله شيء. كنت أغمض عينيّ، وأفتح قلبي، فأرى الإله، مطراً يحيي الأرض، وينبت الزرع، ويطعم الجائع، ويفتح الزهور فتتجه إلى أفق الشمس، تصلي وتدور مهتدية بالنور. كل شيء يدل على الإله فهو ينتمي إلى الإله الذي اهتدى إليه جدي تحوت (3)، ورددتُ صلاته إلى الإله:

هو الواحد الصمد لا يشوبه نقص

هو الباقي دوماً

هو الخالد أبداً

هو الواقع الحق كما أنه المطلق الأكمل الأسمى

هو جماع الأفكار التي لا تدركها الحواس

ولا تدركه المعرفة مهما تعظم

الإله هو الفكر الأول وهو أعظم من يطلق عليه اسم "أتوم"(4)

هو الخفي المتجلي في كل شيء

تعرف كينونته بالفكر وحده وتدركه عيوننا في الآفاق

لا جسد له ولكنه في كل شيء

وليس هناك ما ليس هو

لا اسم له لأن جميع الأسماء اسمه

هو الجوهر الكامن في كل شيء

هو أصل ومنبع كل شيء

هو الواحد الذى ليس كمثله شيء.

أما أنا فأبتهل إلى ربي، وأردد دعائي الذي أحبه: "يا موجد نفسك بنفسك". بصلواتي وحدها راهنت على إقامة مجتمع جديد، لا أتمتع فيه بجسارة أسلافي المحاربين العظام: سقنن رع، كامُس، أحمس، أما تحتمس الثالث فهو قائدي الذي لا أحب أن أكونه. بالأفكار وحدها تسلحتُ، ولعلي أخفقت لأنني لم أنتظر النضج الكافي لعقيدتي؛ لكي تمشي في الأسواق، ويألفها الكثيرون، ويُخلي لها الناس في قلوبهم مكاناً، ويصبحون أكثر استعدادا للدفاع عن إيمانهم وثورتهم، فأستعين بهم على مواجهة جبروت الكهنة، والرد على بطش القادة، أولئك الذين وثقت بهم، وإلى أصولهم تنتمي أمي الملكة تي. وها هم يقتربون.

هوامش:

(1) كان أمنحتب الرابع قد غير اسمه إلى أخناتون، ونقل العاصمة من مقرها في طيبة "الأقصر"، إلى أخيتاتون شمالاً "تل العمارنة في محافظة المنيا". وغيّر ديانة "آمون" التي تسمح بالتعدد، إلى ديانة "آتون" ورمزها قرص الشمس. حكم أخناتون 17 عاماً، وانتهى عهده حوالي عام 1362 قبل الميلاد بفوضى، وتدمير العاصمة، واختفاء جثة أخناتون وزوجته نفرتيتي وأمه القوية "تي". تمّ تنصيب ابنه الصبي، وتغير اسمه إلى "توت عنخ آمون"، وحكم البلاد من العاصمة طيبة، ومات بعد تسع سنوات في حادث غامض. وبعثت عنخ إسن آمون، أرملة الملك توت، إلى ملك الحيثيين تطلب إليه أن يرسل أحد أبنائه، ليتزوجها: "لن أتخذ أبدا واحدا من خدمي، وأجعله زوجا لي". خشي الملك أن يكون في الأمر خدعة، وتأكد له صدق "الرسالة اليائسة" على حد وصف آنا رويز في كتابها "روح مصر القديمة". وأرسل ابنه ليموت قبل بلوغ حدود مصر. وأغلب الظن أنه قتل بتدبير قائد الجيش "حور محب"؛ رفضا لاعتلاء أمير أجنبي عرش مصر. حور محب، غير المنتمي إلى النبلاء، أنقذ البلاد من الفوضى، وحكم 28 عاماً، ولم يورث الحكم لأحد من أسرته. ويقال إنه اتفق مع زميله رمسيس ألا يكون الحكم وراثيا، ولكن التاريخ مضى في اتجاه آخر. بعد حور محب، تولى رمسيس لمدة عامين، وبه بدأ عصر الرعامسة، الأسرتان التاسعة عشرة والعشرون (نحو 1320 ـ 1085 قبل الميلاد). بعد رمسيس حكم ابنه سيتي الأول، وتلاه رمسيس الثاني.

(2) يذكر سليم حسن في موسوعته "مصر القديمة" أن إحدى لوحات تل العمارنة وثقت أن أخناتون أنشأ "مدينته الجديدة على مكان لا يملكه أحد"، إذ وجد الحاكم "أنها ليست ملكاً لإله ولا لإلهة ولا لأمير ولا لأميرة، وأنه ليس لمخلوق أن يدّعي ملكيتها". وكان سلطان مصر "قد تقلص عن آسيا كلها تقريباً في عهد أخناتون"، وتمكن حور محب من "إنعاش مصر، وإرجاع ممتلكاتها إليها". المجلد الخامس وعنوانه "السيادة العالمية والتوحيد"، ص ص 151، 442.

(3) توت، تحوت، تحوتي، جحوتي: أسماء مختلفة في طريقة الرسم الكتابي لرب المعرفة والحكمة، العارف، رسول الآلهة في مصر القديمة، وقد سمّاه الغزاة الإغريق "هرمس". تحوت كائن إلهي علّم الإنسان الكتابة، واخترع الأبجدية في الألف الخامس قبل الميلاد. ويبدأ التقويم المصري أول شهر توت (11 سبتمبر سنوياً. ويوافق يوم 11 سبتمبر 2021 بداية السنة المصرية 1 توت 6263). تحوت، سيد الميزان، كان يدوّن وقائع المحاكمة التي يقف أمامها الإنسان في قاعة العدالة "ماعت"، يوم الحساب، لتوزن أعماله. وكان مركز عبادة تحوت مدينة الأشمونين بمحافظة المنيا. وتتخذ جامعة القاهرة تحوت شعاراً لها.

(4) أتوم يعني التام أو الكامل. في فجر التاريخ، اعتقد المصريون أن "أتوم" خلق نفسه من نفسه على قمة التل الأزلي، ومن ثمّ فهو خالق العالم. خلق من ذاته، وبمفرده "شو وتفنوت"، الهواء والماء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard