حسن أوريد لرصيف22 : "أستدرج القارئ في "عالم بلا معالم" إلى قضايا عميقة ودقيقة"

الخميس 16 ديسمبر 202104:42 م

يُعدّ حسن أوريد، من أكثر المثقفين المغاربة حضوراً في الساحة الأدبية والفكرية، بأعمالٍ تراوح ما بين التخييل تارةً، والكتابة الفكرية التي تشرح واقع المجتمعات العربية والإسلامية تارةً أخرى مع قدرة كبيرة على فهم الغرب. مساره الاستثنائي دفع به إلى أن يدرس إلى جانب الملك محمد السادس، ويصبح مؤرّخاً رسمياً للمملكة، قبل أن يبتعد عن السلطة، التي لا يتردّد في تشريح بنياتها وخطابها، كمواطنٍ يمتلك حسّاً نقدياً، وثقافةً بلغاتٍ عدة، يحرص على أن يتشاطرها مع قرّائه. في آخر أعماله "عالم بلا معالم"، يحضر حسّ المحلل للجغرافيا السياسية العالمية، والرهانات المطروحة أمام مجتمعاتنا. التقيناه في العاصمة الرباط، وكان هذا الحوار.


تحدّثتم في كتاباتكم السابقة عن "أفول الغرب"، وفي كتابكم الأخير "عالم بلا معالم"، انتقدتم الأسس الفكرية والفلسفية التي قام عليها الفكر الغربي، وخاصّةً نبوءة فوكوياما التي فنّدتم أسسها ومنطلقاتها. هل فعلاً نحن أمام أفول الغرب، ونهايته؟

قلتُ أزمة، ولم أتحدث عن أفول، وعنوان الكتاب السابق "أفول الغرب" كان من اختيار النّاشر، ولست راضياً عنه في الحقيقة، فأنا لا أستطيع أن أتنبّأ، لكن يجب القول إن الغرب والولايات المتحدة فعلاً يعيشون أزمةً، والأزمة ليست بالضرورة شيئاً سلبياً. فالأزمة هي في نهاية المطاف وضعٌ مُعضل يفرض تجاوزه وجود "براديغم" جديد، كبديل لـ"البرديغم" القديم. وأن يكون الغرب في أزمةٍ، فهذا ما يقوله الغربيون أنفسهم.

"اليوم، لا يمكن أن يجادل أحد، ويقول إن الليبرالية لا تعيش أزمةً، بل نحن في مشارف بروز عالمٍ جديدٍ لم تظهر معالمه بعد"، المثقف المغربي حسن أوريد لرصيف22

بعد سقوط حائط برلين، ظهر خطاب يقول بنهاية التاريخ، وسيادة قيم الليبرالية، سواء في سياقها السّياسي مع الديمقراطية، أو الاقتصادي في ما يخصّ نظام السوق. ولكن، وبعد مرور ثلاثين سنةً، من الضروري أن نقوم بفحصٍ، ونطرح السؤال: هل حقاً تحققت نبوءة فوكوياما؟ نحن نرى اليوم في الجانب السياسي أن الديمقراطية في أزمة، لذلك أفردت فصلاً حول ما سُمّي بـ"الكساد الديمقراطي"، مُحيلاً إلى عالمٍ سياسي أمريكي، فلست أنا من صاغ مصطلح "الكساد الديمقراطي"، لكن على كل حالٍ، هناك أزمة في ما يخصّ قيمة الديمقراطية، بل هناك عودة للسلطوية، وأحسن من يعبّر عنها في الولايات المتحدة هو ترامب.

في ما يخصّ الجانب الاقتصادي، والمتعلّق بالليبرالية الاقتصادية، وشكلها المرتبط بالنيو ليبرالية، فالقصة معروفة منذ أزمة 2008، وما تمخّض عنها من اختلالاتٍ اجتماعية، ظهرت بشكلٍ جليٍّ في حركات احتجاجية منها السُّتْرات الصفراء وغيرها، وتالياً أصدرت كتاب "عالم بلا معالم"، وهو عنوان اخترته شخصياً وأتبنّاه، إذ صدر في خضم جائحة كورونا، ويمكن القول إن هذا الكتاب عبارة عن نعيٍّ لمنظومة انتهت، وهي منظومة دامت 30 سنةً، وتميّزت بأحادية قطبية، كما تميّزت بالرؤية الهلامية لسيادة الليبرالية. واليوم، لا يمكن أن يجادل أحد، ويقول إن الليبرالية لا تعيش أزمةً، بل نحن في مشارف بروز عالمٍ جديدٍ لم تظهر معالمه بعد.

تحدّثتم في كتاب "عالم بلا معالم"، عن الصين بالكثير من التفصيل، وأبرزتم دورها في الساحة الدولية، لكن هناك من يقول إن الصين نظام شموليّ، وهناك ملاحظات بخصوص تجاوزات مسّت حقوق الانسان والحريات في البلد. هل من الممكن أن يكون نظام شموليّ بديلاً لمنظومةٍ غربيةٍ قلتم إنها في أزمة؟

الاتحاد السوفياتي كان شمولياً، لكنه كان فاعلاً في العلاقات الدولية في حقبةٍ معيّنة. لا أقول إن النظام الصيني جيّد أو سيّء، لكن أقول إنه أصبح فاعلاً لأنه القوة الاقتصادية الثانية في العالم، ومن المرجّح أن يصبح القوة الاقتصادية الأولى فيه.

كاتب الدولة السابق جون بولتون، مستشار مجلس الأمن القومي الأمريكي، أكّد أن العلاقات الدولية مستقبلاً ستُحدَّد بناءً على ثنائية الولايات المتحدة والصين، إذ لا يمكن عملياً أن نفهم العلاقات الدولية، من دون الصين كعنصر، وهنا لا أقول إنه نموذج أو بديل، والحال أن الفصل الذي كتبته عن الصين كان بنَفَسٍ بيداغوجيٍّ، إذ حاولت أن أقرّب الصين للقارئ العربي باللغة العربية، وعرضت المحطات الأساسية.

ما كتبته عن الصين لم أتستر من خلاله عن الجانب المتعلّق بالحريات وحقوق الانسان أبداً، بل إن المعطيات التي أشرت إليها لم ترُق لبعض الأشخاص المرتبطين بالصين، بل الصينيين الذين قرأوا الكتاب، لم يرقهم أن أشير إلى وضع "الإيغور"، وما يتعرّضون له مثلاً. فأنا إذاً لم أتستر، وبالنسبة إليّ، كانت هذه نظرةً موضوعيةً، لذلك لم أقل إن الصين هي بديل، أو نموذج، لكنها فاعل، إذ لا يمكن حالياً، أو مستقبلاً، أن نفهم العلاقات الدولية من دون الصين.

أشرتم في الكتاب إلى أن الشعبوية من أعراض الأزمة التي تمرّ بها الديمقراطية، ولكن في جانبٍ آخر، هناك من يتحدّث عن أن الشعبوية تعبير عن إرادة شعبية، وإجابة على الأزمة التي تعيشها الديمقراطية؟

إلى الآن، ليس لدينا تحديد دقيق للشعبوية، فقد اقترنت بمفهومٍ قدحي على اعتبار أنها رديف للديماغوجيا، وتحدّث الكتاب عن ظاهرةٍ تطورت عبر التاريخ، لها شكل جديد، ولم تعد الصفة القدحية مقترنةً بالشعبوية، وهذا يعني أن هناك شخصياتٍ تعدّ نفسها شعبويةً، وتفتخر بذلك. إلى الآن، مفهوم الشعبوية غير دقيق، وهو هلامي، وهناك من يتحدث عن الشعبوية السائلة، بل هناك من يقول إن الشعبوية، بحكم أنها ليست أيديولوجيا، وليست لها سرديّة، فهي أسلوب أكثر من أن تكون خطابا، على خلاف ما ورد في كتابي حين قلت إن الشعبوية هي عرض من أعراض الديمقراطية، لكن يمكن أن تكون هناك شعبوية حيث لا توجد ديمقراطية، فما أريد أن أقوله، إن هناك أخطاراً محدقةً مقترنةً بالشعبوية، على أساس أنها قد تهيّئ بشكلٍ من الأشكال للفاشية، أو ربما شكل جديد من السلطوية، ويعدّها البعض شكلاً من أشكال الشمولية الجديدة، وهذه الظاهرة يبدو لي أنها لم تُدرس بما فيه الكفاية في الكتابات باللغة العربية، بل تكاد تخلو الكتابات العربية منها، لذا ارتأيت أن أفرد لها فصلاً، لأقرّب القارئ بالعربية من هذه الظاهرة المستفحلة.

لم تعد الصفة القدحية مقترنةً بالشعبوية، وهذا يعني أن هناك شخصياتٍ تعدّ نفسها شعبويةً، وتفتخر بذلك.

الجانب الجديد في هذه الظاهرة، هو أن الخطاب الشعبوي لم يعد خطاب احتجاجٍ، والحال أن هناك من تولّوا السلطة بناءً على اتّجاهات شعبوية مثل بيرلوسكوني في إيطاليا، وربما هناك من يرى أن ساركوزي شكل من أشكال الشعبوية اليمينية، وطبعاً الوجه اللامع في الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، الذي أخفق في الانتخابات. لكن هناك ظاهرة تُسمّى "الترامبية"، هل اختفت، أو توارت؟ هل يمكن أن تعود؟ هذه أسئلة مشروعة، لذلك كان لزاماً عليّ أن أقف عند هذه الظاهرة في أفق أن أفرد لها كتاباً خاصاً.

قلتم إن العالم العربي أو الإسلامي يحتاج إلى "استقلاليةٍ في القرار"، وأيضاً إلى وجود "تصوّرٍ واضحٍ". هل أزمة هذا العالم الذي يُعدّ على الدوام مختبر تجاربٍ للقوى الدولية يكمن في النقطتين اللتين أشرت إليهما؟

أولاً، دعنا نبقى في العالم العربي، فالعالم الإسلامي شاسع، وهناك من يرفض حتى هذا المصطلح، ويفضّل عليه عالم المسلمين. حين نتحدث عن العالم العربي، نتحدث عن عالمٍ تخترقه تمايزات، عالم فيه أشكال متعددة، وهو على عكس الوطن العربي، فالعالم العربي متعدد بما يكتنفه من خصوصيات جهوية وثقافية، ولذلك نبقى في دائرة هذا المصطلح الذي اعدّه محايداً، وليست له أي حمولة أيديولوجية.

(مقاطعاً) لكن هناك من يقول إن فيه تعبيراً عن قومية، إذ يميل إلى القومية، ويُقصي خصوصياتٍ معيّنةٍ، خاصّةً حينما نتحدث مثلاً عن شمال إفريقيا؟

لا لا، هذا يصحّ حين نتحدث عن الوطن العربي الذي له حمولة واضحة، لكن في حالة الحديث عن العالم العربي، فالأمر ليس كذلك. الصين مثلاً تمثّل العالم الصيني، ولكن تخترقه وتكتنفه تمايزات إثنية لا نراها ولا نعرفها، فحين نقول عالم، فهو يضمّ كلّ الاختلافات والتمايزات، وأظنّ شخصياً أن مصطلح "عالم عربي"، مصطلح محايد.

على العموم، العالم العربي تم تحليله لأكثر من قرنٍ من طرف الآخر، وبالأخصّ بعد الحرب العالمية الأولى حين ساقت بريطانيا رؤية انبنت بالأساس على التحكّم بالمعابر المائية، وبالأخصّ مضيق جبل طارق، وقناة السويس، وباب المندب، وإلى حدودٍ ما مضيق هرمز، وتم كذلك التحكّم بالبترول، وهي المحددات نفسها التي تعاملت بها الولايات المتحدة الأمريكية مع العالم العربي، بعد الحرب العالمية الثانية. وبتعبيرٍ آخر، كان يُنظر إلى العالم العربي بناءً على عاملَين: أولاً البترول، وثانياً الممرّات البحرية، ثم انضاف بعد ذلك الإسلام السياسي، فهذه هي المحددات التي يُنظر إليها وتحدد رؤية الغرب.

الآن، وفي النظر إلى المتغيرات الحالية، فالثقل الاقتصادي تحوّل إلى المحيط الهادي، إذ لم تعد للمعابر المائية للبحر الأبيض المتوسط إستراتيجية، أما الإسلام السياسي فهو في أزمةٍ، ولم يعد يُشكّل خطورةً، وبخصوص البترول، لم يعد إستراتيجياً، وهذا ما انعكس سلباً على العالم العربي، فمن الممكن أن ينطوي هذا على عوامل إيجابية على المدى المتوسط، أو الطويل، لكن من المؤكّد أن هناك فترة اختلالٍ، وهناك رؤية غائبة، أو مغيّبة، وهو ما يفسّر فشل "الربيع العربي".

تحدّثتم كذلك في كتابكم عن الديكتاتورية الرقمية، وانتقدتم سطوة الثورة التكنولوجية، وتهديدها للحرّيات، والديمقراطية نفسها، لكن ألا ترون في جانبٍ آخر، أن هذه الثورة هي التي أسست لفضاءاتٍ، وأطلقت عنان الانتفاضات، وأسمعت الصوت المقهور، وكسرت المنطق الكلاسيكي في الاتصال الذي تحكمه وتقبض عليه أيادي السّلطوية؟

هذه مواضيع دقيقة، وأنا غير مُخوّلٍ لأتحدث عنها بصفة الباحث، أو بصفة خبير، ولذلك استعنت بخبراء، بل حتى المصطلحات التي استعملتها، هي من صياغة خبراء، ومصطلح الديكتاتورية ليس من صياغتي، ولكن أردت في المجمل أن أقول إننا نعيش ثورةً غير مسبوقةٍ، ثورة رقمية كان من المفترض أن تكسر الحواجز، واحتكار المعرفة والخبر، وتسهم في الدّمقرطة. هذا هو المفترض، والحال أن أدوات التواصل كانت بالفعل مساهمةً في الدّمقرطة، فالصحيفة، أو الجريدة بالنسبة إلى الأحزاب اليسارية، قامت بهذا الدور، و"الكاسيت" أو الشريط الصوتي، كان عنصراً أساسياً في تقويض نظام الشاه، والفيديو مثلاً، أو حتى "الفوتوكوبي"، و"الفاكس"، أسهمت في تقويض المنظومة الشيوعية، ومن دون شك أن الإنترنت و"الفايسبوك" كانا أداتين وعاملين لتقويض قبضة أنظمةٍ سلطويةٍ في العالم العربي، وهذا واقع.

في الوقت ذاته، هناك جانب آخر، هو أن هذه الثورة الرقمية تقتحم على الانسان حميميته، وتنهي عملياً الحرية الفردية، وتمنح السلطات الأمنية إمكانية الرصد والترقّب بشكلٍ فظيع، إذ لم يعد هناك مجال للهروب من ذلك، إلا إذا أراد الانسان أن يعيش من دون هاتف، ومن دون بطاقة ائتمان، ومن دون إنترنت، وهذا عملياً غير ممكن.

ما أريد قوله، هو أنه ينبغي أن نعي الجوانب السلبية لهذه الثورة، من دون أن نغفل في الوقت نفسه الجوانب الإيجابية، والجوانب السلبية للثورة الرقمية فيها، ومن ضمنها قولبة الحقيقة عبر ما يُسمّى بـ"عصر ما بعد الحقيقة"، وعن طريق ما أسميته سلاح الدمار الذي هو "Fake news"، أي الأخبار الزائفة، ولا بدّ إذاً من ضوابط أخلاقية، ولا بدّ من متنٍ قانونيٍّ، وهو غائب اليوم، سواء في الصحافة الرقمية، أو حتى لدى السلطات الأمنية التي يجب ألا تقتحم حميمية الأفراد. ولكن أرى أن هذا المتن القانوني سيظلّ متأخراً أمام حجم الثورة الرقمية الحاصلة. وعلى العموم، فالثورة الرقمية لها أوجه إيجابية، ولا يمكن أن نجادل في ذلك، لكن لا بدّ من أن نقف على سلبياتها، ونعمل على حماية حريات الأفراد.

هذه الثورة الرقمية تقتحم على الانسان حميميته، وتنهي عملياً الحرية الفردية، وتمنح السلطات الأمنية إمكانية الرصد والترقّب بشكلٍ فظيع، إذ لم يعد هناك مجال للهروب من ذلك


لنعرّج الآن على أوريد الكاتب والمفكّر والأديب، ونريد أن يعرف القرّاء برنامجك اليومي المرتبط بهم فكراً وكتابةً. كيف يقضي أوريد يومه في خضم هذه المجالات العلميّة المُتنوّعَة، وكيف يبرمجه على أساس هذه الاهتمامات الموزّعة بين القراءة والكتابة والتدريس والتأليف؟

يبدأ برنامجي باكراً، إذ ابدأ بالاشتغال، عند السادسة صباحاً، في أمورٍ ذات طبيعةٍ أدبيةٍ أو فكرية، وأتناول وجبة الفطور عند الساعة التاسعة والنصف، وعند الساعة العاشرة أقوم برياضة المشي، إذ لا بدّ على الأقل من نصف ساعةٍ يومياً من المشي، فهذه المدة تتيح لي التفكّر في ما كتبت، وما قد أكتب. عند الساعة العاشرة والنصف، أنتقل إلى الكلّية، وأشتغل على ما يرتبط بما أُدرّسه للطلبة، يعني العلوم السياسية، فالآن مثلاً أشتغل على موضوع الشعبويّة، ويومياً أقرأ في هذا المجال، ثم بعد الساعة الثانية، ألتحق لإلقاء الدّرس، وفي هذه المدّة كلها، أقرأ في هذا المجال، وآخذ النّقاط حتى تختمر لدي الأفكار، وبعد ثلاثة أشهر أنتقل إلى كتابة ما اختمر لديّ منها.

أمّا في فترة المساء، فأقرأ الكتب التراثية. إذ حين أدخل إلى البيت، أحب أن أقرأ التراث العربي، والآن أقرأ "البيان والتبيين" للجاحظ. أما بخصوص الكتابة، كما سبق وأشرت، فتكون بشكلٍ يوميٍّ، وتكون دائماً في فترة الصباح، فلا أستطيع الكتابة إلا في الفترة الصباحية.

هناك سؤال آخر مرتبط بقدرتكم على المزج بين ما هو قانونيّ متخصص، والكتابة الأدبية، إذ رأينا كيف أن كتاب "عالم بلا معالم"، جسّد هذه القدرة في الكتابة بلغةٍ أدبيةٍ رشيقةٍ في مجال متخصص. كيف مزجتم بين الاثنين؟ وهل من المفروض أن يكتب المفكّر بلغةٍ متخصصةٍ تتعالى على القرّاء، إلى درجة غياب تواصل فعّال وفاعل؟

كنت قارئاً نهماً للأدب منذ الصغر، من المنفلوطي إلى جرجي زيدان وغيرهم، ثم بعدها باللغة الفرنسية، فاللغات كانت بالنسبة إليّ أساسية، وأرى أن جمالية اللغة هي التي تجعل الكاتب كاتباً. قد نقرأ بالضرورة أشياءً تقنيةً في حقولٍ معيّنة، لكن قد نقرأ بمتعةٍ حين تكون اللغة جميلةً، أي حين تستأثر بنا اللغة، وتجذبنا، وأنا حاولت أن أستدرج القارئ في هذا الكتاب "عالم بلا معالم"، إلى قضايا عميقة ودقيقة، ولكن بأسلوبٍ أريده أن يكون رشيقاً، ولا أدري هل وُفّقت في ذلك.

الذي سمح لي بذلك، هو أنني قرأت كثيراً الكتب الأدبية، ولديّ علاقة ممكن أن أقول إنها وجدانية مع اللغة العربية، وحتى مع الفرنسية، وأرى أنه لا يكون الكاتب كاتباً، إلا إن كان له أسلوب، فالرجل هو الأسلوب، كما يقول جورج بوفون، إذ يمكن للخبير أن تكون له معرفة دقيقة حول موضوع معيّن، لكن من الممكن أن يتحدث إلى فئةٍ محصورةٍ ومحدودةٍ، والكاتب من المفترض أن يتحدث إلى شرائح واسعة، ووسيلته هي اللّغة، ولا بدّ أن يمتطي جسر اللغة، ويروّضها لكي يصل إلى شرائح واسعة. لا أدري إن وُفّقت، فأنا أعدت مثلاً قراءة فصل الشّعبوية من كتاب "عالم بلا معالم"، ووجدت أنه عسير، وهذا ما حدا بي للتفكير في كتابة شيءٍ لربما معمّق، لكن بلغةٍ رشيقةٍ، وأقلّ تعقيداً.

ونحن نتحدث عن الأثر والفعالية في الكتابة لدى المثقف، هناك سؤال يقترن بإشكالية التواصل المباشر، إذ بالكاد يفهم المتابع ما يريد أن يقوله كثيرون من المثقفين، فيما يلاحَظ أن مجهوداتكم التواصلية في هذا الجانب تلقى تفاعلاً كبيراً، ووُصفت من طرف الكثير من المتابعين بأنها ناجعة؟ أين يكمن السّر؟

حينما تختمر الفكرة في ذهن شخصٍ ما، يصبح التعبير عنها بسيطاً، وحينما ترد فكرة بشكلٍ معقّدٍ، فهذا دليل على أنها لم تختمر بعد. فحين نُلمّ بموضوعٍ ما، يصبح التعبير عنه سهلاً، ويصير التّلقّي بذلك يسيراً، ولكن حين لا نُلمّ بموضوعٍ ما، فسنعبّر عنه بطريقةٍ معقّدةٍ، ويصعب طبعاً على المتلقي فهمه، وهذا بصفةٍ عامّة.

أما في ما يخصّني شخصياً، فأنا أمضي وقتاً كبيراً كي تختمر الفكرة لديّ، ولكي أضبطها، أقوم بقراءاتٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ حول الظاهرة، وأرسم فترةً زمنيةً لكي تختمر لدي، وتالياً يصبح التعبير عنها بسيطاً، بل تصبح الفكرة فكرتي، ولا تصبح فكرة الآخر. فحين تصبح الفكرة فكرتي، يصبح التعبير عنها سهلاً، لكن حين لا تكون الفكرة فكرتي، ولم أتملّكها بعد، فمن المؤكد أن هذا سينعكس على طريقة التعبير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard