هل نصعق أنفسنا بالكهرباء عن قصد بسبب الملل؟

الثلاثاء 14 ديسمبر 202104:40 م

نميل للتفكير في الملل كاستجابة مباشرة إلى حدّ ما للأنشطة الرتيبة، فمن النادر مثلاً العثور على شخص يزعم أنه يستمتع بغسل الأواني، لا بل يكون الأمر مريباً للغاية عندما يصرّح بذلك، غير أن الملل ليس بهذا الوضوح.

فقد كشفت عقود من البحث أن الملل هو أمر غامض بقدر ما هو مؤلم، وهناك قدر مذهل من الاختلاف في الرتابة التي يمكن لكل شخص التعامل معها.

تجارب صادمة

يقول جيمس دانكرت، الذي يرأس مختبراً في جامعة واترلو، أونتاريو: "أعتقد أن الجميع يتلقون إشارة الملل. بعض الناس بارعون حقاً في التعامل معها بالرغم من ذلك".

في العام 2014، اكتشف فريق من علماء النفس الاجتماعي من جامعة فيرجينيا، خلال سلسلة من التجارب عن شرود الذهن، أن العديد من المشتركين/ات (حوالي 25% من النساء و 67% من الرجال) صعقوا/ن أنفسهم/نّ عن قصد بالكهرباء عندما تُركوا/ن بمفردهم/نّ في غرفة لمدة 15 دقيقة فقط، هذا وقد قام شخص بصعق نفسه حوالي 200 مرة.

وبخلاف التجارب المحصورة في المختبرات، كشف وباء كورونا عن أساليب غريبة ابتكرها البعض للتعامل مع الملل وكسر الرتابة، فقد أعدّ رجل وليمة بابلية من وصفة على لوح طيني عمره 3750 عاماً، في حين قامت إحدى السيدات بإعادة اختبار امتحان المدرسة بدافع الفضول.

في المقابل، يبحث بعض الأشخاص عن مواقف، هي في نظر الآخرين مملة إلى حدّ كبير، فقد كشف كريستوفر نايت، الذي قاد سيارته إلى غابة في ولاية ماين في العام 1986 ولم يخرج منها لمدة 27 عاماً، أنه لم يشعر بالملل أبداً، على الرغم من اعترافه الشخصي بأنه لم يكن يفعل شيئاً على الإطلاق.

"أنا لا أفعل شيئاً جديداً"

تعود إحدى أقدم الروايات عن الملل إلى العصر الروماني، عندما بدأ الفيلسوف سينيكا في التذمر منه.

أثناء تبادل الرسائل مع صديقه، سأل سينيكا: "إلى متى يجب أن نتحمل القيام بنفس الأشياء؟"، وأضاف: "أنا لا أفعل شيئاً جديداً. لا أرى شيئاً جديداً. في نهاية المطاف هناك غثيان حتى من هذا".

خلال سلسلة من التجارب عن شرود الذهن، قام العديد من المشتركين/ات بصعق أنفسهم/نّ عن قصد بالكهرباء عندما تُركوا/ن بمفردهم/نّ في غرفة لمدة 15 دقيقة

في العصور الوسطى، راج مصطلح acedia أي اللامبالاة، والتي اعتبرها بعض رجال الدين في المسيحية نوعاً من الكسل.

وعلى الرغم من اختراع كلمة "الملل" في الإنجليزية في أوائل القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تكن موجودة في الوعي العام، لحين أدخلها المؤلف تشارلز ديكنز في إحدى رواياته.

أما اليوم، فيبدو أن الملل قد أصبح في كل مكان، ويوصف أحياناً بأنه وباء المجتمع الحديث.

هذا وقد اخترع الجيل Z - أي أولئك الذين ولدوا بين منتصف التسعينيات وأواخر 2010- تسمية جديدة: "ملل الهاتف"، والذي يتضمن تصفح التطبيقات بلا هدف وعدم العثور على أي شيء يثير الاهتمام.

ما هو الملل ولماذا يتفاوت بين الناس؟

إن تفسير سبب إصابة بعض الأشخاص بالسأم المزمن، بينما يمكن للآخرين العيش بدون ترفيه مستمر، كان أمراً معقداً، بسبب حقيقة أنه لفترة طويلة لم يتمكن علماء النفس من الاتفاق على ما يعتبر ضجراً.

اقترح عالم النفس الألماني تيودور ليبس، أحد التعريفات للملل في العام 1903، قائلاً: "الملل هو شعور بعدم الارتياح الذي ينشأ من الصراع بين الحاجة إلى نشاط عقلي مكثف وعدم التحريض عليه، أو عدم القدرة على التحريض عليه".

والحقيقة، أنه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عرَّف بعض الباحثين الملل على أنه شعور ناتج عن أداء مهمة متكررة. أدى ذلك إلى فكرة مفادها أن الملل يمكن أن يزيد من مستوى "الإثارة" لدى الشخص، أي القدرة على جذب انتباهنا والاستجابة للأشياء التي تحدث من حولنا.

"الإبداع يعني أن نخلق من الكبت أي نشاط خارج عن المألوف"

ففي إحدى الدراسات، طُلب من المتطوعين في الجيش الضغط على الزر عند رؤية ومضات من الضوء تنبعث من أحد الصناديق، واعتبرت حالة اليقظة العالية ناتجة عن الملل.

وفي الوقت نفسه، استخدمت العديد من التجارب "مقياس القدرة على الملل" لقياس مستويات الملل لدى المشاركين، من خلال مطالبتهم بتقييم مدى موافقتهم على عبارات مثل "من السهل بالنسبة إليّ التركيز على أنشطتي"، وقد تبيّن أنه كلما زادت موافقتهم على هذه العبارة، كلما كانوا أقل عرضة للإصابة بالملل.

في الواقع، يوضح علماء النفس أن هناك خمسة أنواع على الأقل من الملل، بما في ذلك "ضبط الملل"، حيث يكون لدينا أفكار شاردة وشعور بعدم معرفة ما يجب القيام به، "الملل التفاعلي"، حيث نشعر بالعدوانية تجاه مدرّس أو مكان عمل ونفكر في الأشياء الأخرى التي نفضل القيام بها، "ملل البحث"، حيث نشعر بالقلق ونبحث عن مخرج، "الملل اللامبالي"، حين نشعر بالراحة والانفصال عن العالم من حولنا و"الملل اللامبالي"، المتمثل بعد الشعور بالرضا ولا بالسوء، ولكننا نعجز عن الهروب.

بغض النظر عن النوع الذي نختبره، فقد أظهرت الأبحاث أن الملل يترك بصمة منبهة في الدماغ.

في إحدى الدراسات التي قادها كل من دانكرت وعالمة النفس كولين ميريفيلد، تم فحص أدمغة مجموعة من المتطوعين بواسطة جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء مشاهدة مقطع فيديو مملّ لرجلين يعلقان ملابسهما، ويسألان بعضهما البعض من حين لآخر عن أوتاد الملابس.

وجد الباحثون رابطاً بين الملل والنشاط في "شبكة الوضع الافتراضي"، وهي مجموعة من مناطق الدماغ المترابطة التي ترتبط عادةً بشرود الذهن.

يوضح دانكرت أن ما تخبرنا به إشارة الملل حقاً هو أننا نفشل في التفاعل مع العالم، أي نفقد السيطرة على محيطنا ولا نكون فعّالين.

على غرار المشاعر السلبية الأخرى، مثل الغضب والحزن، من الممكن أن يكون الملل قد تطوّر ليحفّزنا: "ما نبحث عنه حقاً هو المشاركة المعرفية. نريد أن نكون قادرين على استخدام مواردنا العقلية لشيء نجده ذا مغزى".

إذا كان هذا هو الحال، فقد يساعد ذلك في توضيح سبب قدرة بعض الأشخاص على تحمّل العيش لسنوات بمفردهم، بينما يكون بعض الأفراد على استعداد لصعق أنفسهم بالكهرباء بعد مرور 15 دقيقة فقط من العزلة.

يقول دانكرت إن الأخبار السيئة للأشخاص الذين يشعرون بالملل بسهولة هي أن القابلية للإصابة مرتبطة بمجموعة من القضايا الأخرى، مثل السلوك الاندفاعي، تعاطي المخدرات، إدمان القمار، الاستخدام القهري للهاتف المحمول، الاكتئاب والصدمات العقلية التي تظهر كأحاسيس جسدية، بالإضافة إلى ارتباط الملل بالعديد من اضطرابات الشخصية والأمراض الجسدية، فقد كشفت دراسة في العام 2010، أن الأشخاص الذين يشعرون بالملل بسهولة أكثر عرضة للوفاة بأمراض القلب بمقدار مرتين ونصف مقارنة بالأشخاص الذين لا يشعرون بالملل.

الملل الحديث

في كتابها How Emotions Are Made، تشرح ليزا فيلدمان باريت، أستاذة علم النفس في جامعة نورث إيسترن، أن العواطف ليست عالمية، فلا توجد تجربة واحدة للخوف أو السعادة أو الغضب يشاركها الجميع.

بدلاً من ذلك، تتشكل العواطف من خلال خلفيتنا الثقافية والاجتماعية وأحياناً الكلمات التي نستخدمها لوصفها.

من جهتها، تقول ياسمين مشربش، رئيسة الأنثروبولوجيا في الجامعة الوطنية الأسترالية، لموقع بي بي سي، إن الملل بدأ كشعور غربي على وجه التحديد.

يشير العلماء إلى "الملل الحديث" على أنه النوع الذي ظهر حول الثورة الصناعية. في هذا الوقت، أصبحت مراقبة "وقت الساعة" أكثر أهمية. في عصر البخار، كانت القطارات تعمل وفق جدول زمني. فجأة، مع ازدهار شعبية وسائل النقل العام، كانت الحاجة إلى معرفة مكان وجودنا والتوقيت أمراً مهماً. وبالمثل، بالنسبة للعمال في المصانع، كان من الضروري تسجيل الدخول والخروج إلى المصنع. كانت هذه بداية العمل بنظام المناوبة.

الملل هو استجابة تطورية للمواقف الاجتماعية الضارة، ويمكن أن يكون نوعاً من نظام الإنذار المبكر، بالإضافة لتحفيز الإبداع

قد يسأل البعض عن السبب الذي يجعل الملل مفيداً في بعض الأحيان؟

في كتاب Boredom: A Lively History، يشير المؤلف بيتر توهي، إلى أنه عندما يتحدث الكتّاب في عهد سينيكا عن الملل، فإنهم غالباً ما يصفون أنه كان نوعاً من الغثيان، واللافت أن عنوان رواية الكاتب الوجودي الشهير، جان بول سارتر، عن الملل الوجودي في القرن العشرين هو "الغثيان".

لذلك، إذا كان الاشمئزاز آلية يتجنب بها البشر الأشياء الضارة، فإن الملل هو استجابة تطورية للمواقف الاجتماعية الضارة، ويمكن أن يكون نوعاً من نظام الإنذار المبكر، بالإضافة لتحفيز الإبداع.

في حديثها مع رصيف22، اعتبرت المعالجة النفسية ستيفاني غانم، أن الملل هو فقدان الاستثمار الشخصي، أي إقدام المرء على قمع رغبات معيّنة ليس لديه آليات كافية لتحقيقها: "عندما يقمع الشخص المعني هذه الرغبات التي هي أساسية من وجهة نظره، لا يشكل أي شيء آخر التحفيز الكافي، وهنا يبدأ الشعور بالملل".

من هنا أوضحت غانم سبب شعور بعض الأشخاص بأنه ليس بمقدورهم البقاء بمفردهم لفترة طويلة، في حين أن هناك أفراداً يقرّرون إنهاء علاقة عاطفية ما أو ترك الوظيفة بسبب الملل والشعور بالروتين: "قمع الرغبات يجعلنا غير قادرين على وضع أهداف ومخططات والعمل من أجل تحقيقها".

وبهدف الهروب من هذا الكبت أو الشعور بفقدان السيطرة، فإننا قد نوظف حواسنا في نشاطات معيّنة، غير أنها لا تشبع أو تعوّض عن الحاجة الأساسية التي ليس بوسعنا تحقيقها.

وعمّا إذا كان الملل يساعد على الإبداع، كشفت غانم أن هذا الأمر ممكن بشرط أن يدرك المرء ما هي الحاجة الأساسية التي لم يتمكن من تحقيقها لسبب ما، ويقوم بالترفيع عنها، أي استخدام آليات نفسية مفيدة وغير عادية: "الإبداع يعني أن نخلق من الكبت أي نشاط خارج عن المألوف". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard