"أتمنّى أن يحدث تغيير ولو كان سحرياً، كي نبقى"... الحرب تكسر أحلام الشباب السوري

الجمعة 10 ديسمبر 202102:02 م

في حديثٍ بين جوليا (اسم مستعار)، وإحدى صديقاتها، في العام 2006، والتي كانت تدرس في الصف العاشر حينها، دخلتا في نقاشٍ حول موجة هجرةٍ شهدتها البلاد في تلك الفترة. كانتا متخوّفتين من أن يعاني المجتمع من احتياجٍ ونقصٍ، بعد هجرة العقول منه. لم تعلم أنه بعد مرور أكثر من عشر سنواتٍ على حديثها ذاك، سيصبح أكبر طموحاتها الخروج من سوريا؛ "أرغب في أن أستمرّ في حياتي بمرونةٍ وسلاسة، في بلدٍ أكثر عدلاً من سوريا، لأكمل دراستي، ولأكون ضماناً لعائلتي، ولأتمكّن من إيجاد فرصةٍ لإخوتي وأخواتي للّحاق بي".

هو الطموح ذاته الذي يجمع بين جوليا التي تعيش في مدينة السويداء، ويوسف (اسم مستعار)، المقيم في إدلب. كان يطمح إلى أن يكمل دراسته، ويحصل على وظيفةٍ، ليتمكّن من تكوين أسرةٍ يعيش في كنفها حياةً مستقرّةً وهادئة؛ "بات طموحي الآن أن تنتهي الحرب، وأن أستطيع توفير الحماية لطفلَيّ، بعيداً عن القصف، وذلك لن يتحقق إلا بالهجرة".

حتى الآن، لا تلوح في الأفق ملامح مستقبلٍ واضحٍ للفئة الشابة في سوريا، في ظل الحرب التي امتدّ عمرها لأكثر من عشر سنوات.

أما سعاد (اسم مستعار)، فلم يتسنَّ لها أن تبني طموحاً، ورؤيةً واضحةً لمستقبلها، إذ بدأت الحرب في سوريا حين كان عمرها 17 سنةً. الفتاة التي عاشت في الريف، ولم تتمكن من عيش تجارب في طفولتها ومراهقتها، ولا حتى في بداية دراستها الجامعية، تقول: "كان لدي اهتمام بالعلم. كنت أحلم بأن أصبح عالمةً، أو مهندسةً ذات شأن. في ما بعد، توصّلت إلى قناعةٍ مفادها أن أي عملٍ، ما لم يخدم الناس في ظلّ الحرب، لا قيمة له، لذا تحولتُّ إلى العمل الإنساني".

حتى الآن، لا تلوح في الأفق ملامح مستقبلٍ واضحٍ للفئة الشابة في سوريا، في ظل الحرب التي امتدّ عمرها لأكثر من عشر سنوات. البعض من هذه الفئة، عايشوا/ ن الحرب بكل تفاصيلها، منذ مرحلة المراهقة، والبعض الآخر كان على أعتاب الدخول إلى الحياة العملية، بعد انتهاء المرحلة الدراسية، إلا أن الغالبية العظمى فقدوا/ ن فرصة تحقيق كل ما طمحوا/ ن إليه، في شتى مجالات الحياة.

استهداف التعليم في سوريا

نتيجةً لوجود تشابه بين اسمه واسم شخصٍ مطلوبٍ للقوى الأمنية في سوريا، بتهمة المشاركة في الصراع المسلّح، بدأت رحلة فقدان جوان (اسم مستعار)، فرصة استكمال تعليمه في أحد فروع كلية الهندسة في جامعة دمشق، إذ كان يتجهّز لمغادرة منزله الكائن في مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا، متجهاً نحو دمشق. وفي أثناء محاولته تأمين تذكرة الطائرة، وصلته معلومة الخطر المحدق به، إن استكمل إجراءات السفر. وعلى الرغم من طمأنته بأنه تم حل الإشكال حول اسمه لاحقاً، لكنه لم يصل إلى الطمأنينة التامة، لذا قرر عدم المغادرة.

في حديث إلى رصيف22، يقول جوان: "بعد أن بدأتُ بالعمل في مجالَي الصحافة والعمل الإنساني، وانقطاعي عن الدراسة لسنوات، حاولت العودة إلى الجامعة، لكنني استنفدتُ فرص العودة، بسبب تجاوز العمر المحدد للتأجيل من الخدمة الإلزامية. أحاول باستمرار، لكن يبدو أنني فقدت فرصة إكمال تعليمي".

وعلى الرغم من أن فايز (اسم مستعار)، قد حصل على الشهادة الجامعية، لكن الحرب السورية كانت السبب في عدم وصوله إلى ما كان يطمح إليه، في الحصول على منحة للسفر إلى ألمانيا، والتي حصل عليها في الوقت الذي أصبحت فيه إجراءات السفر أكثر صعوبةً، مع إغلاق سفارات بعض الدول في سوريا، وتردّي الوضع الاقتصادي الذي وقف عائقاً أمام قدرة الناس على السفر، لتبقى تلك المنحة حلماً صعب المنال.

يعيش فايز في حمص، واختار أن يكون له عمله الخاص، بعد أن فقد الأمل باستكمال تعليمه في مرحلة الدراسات العليا خارج سوريا.

على الرغم من أن الهجرة كانت الطموح الحالي الذي أجمع/ ت عليه الشباب/ ات ممن تم اللقاء بهم/ ن، والذين/ اللواتي لم يتجاوزوا/ ن العقد الثاني من أعمارهم/ ن بعد، لكن من الواضح أنه يُعدّ الخيار الأصعب تنفيذاً، سواء من ناحية الحصول على فرصة السفر، أو صعوبة التخلي عن ارتباطهم/ ن الوجداني ببلدهم/ ن

وفي سياقٍ مختلفٍ من تحديات واقع التعليم في سوريا، فقد اضطرت سعاد إلى دفع مبلغٍ ماليٍّ مقابل الحصول على النجاح في مادة أخيرة للتخرّج من الجامعة، واستمرّت في تقديم اختبار المادة سنتين متتاليتين، لكنها أُرغمت على دفع (المبلغ المطلوب) للأستاذ الجامعي المسؤول عن المادة، حتى تتمكّن من التخرّج، الأمر الذي عايشه/ عايشته الكثيرون/ الكثيرات من زملائها وزميلاتها.

ولم تكن التهديدات الأمنية عائقاً لدى جوان وحده، فقد اضطر يوسف إلى التوقف عن الدراسة في جامعة حلب، بعد أن تعرّض للضرب والإهانة من قبل القوى الأمنية في الجامعة، كما تعرّض مراراً للتوقيف على الحواجز، وتلقّي الشتائم، لأن هويّته تحمل اسم مدينةٍ كان يخرج أهلها في مظاهراتٍ ضد الحكومة السورية.

تكرّرت معاناة يوسف مع جوليا التي تقول: "بسبب الأوضاع الأمنية حينذاك، استمرّيت في تقديم الامتحانات الجامعية فحسب، بعد توقّفٍ دام سنةً ونصف السنة، وكان من المفترض أن أتخرّج خلال أربع سنوات، إلا أنني بقيت في مرحلة الدراسة الجامعية سبع سنوات؛ كل الظروف كانت سيئةً".

تأثير الحرب النفسية

بعد تنهيدةٍ طويلة، يتذكّر يوسف أشجاره التي كان قد زرعها حول منزله، ولم يتمكّن من وصف شعوره حين أُرسلت إليه صورة تلك الأشجار، بعد نزوحه إلى أحد مخيمات الشمال السوري، والنيران مشتعلة فيها: "كنت أقوم بسقاية أشجاري يومياً، وأرعاها كما لو أنها أطفالي. قام النظام السوري بحرقها جميعاً، وحرق منزلي الذي كلّفني 30 ألف دولارٍ أمريكي، وهي حصيلة عملي لمدة خمس سنوات"، يقول بحسرة.

وفي صراعٍ من نوعٍ آخر، تعيش سعاد ما تسمّيها عقدة الناجي، فهي لم تخسر أحداً من أفراد عائلتها، ولم تضطر إلى النزوح أو اللجوء، وعلى الرغم من تأثير الحرب الكبير على حياتها، إلا أنها تخجل من الحديث عن خسائرها، وسط الدمار والأرواح التي حصدتها الحرب في سوريا. تقول سعاد: "أتخيّل ما الذي كان من الممكن أن أفعله، لو أنني أعيش حياةً طبيعيةً؟ لكنني أفشل، والحياة الطبيعية خارج سوريا تشكّل لدي حالةً من القلق".

بينما يعيش جوان وفايز تحت تأثير خلوّ المحيط الاجتماعي من الأصدقاء/ الصديقات المقرّبين/ ات، إذ لم يتبقَّ سوى ثلاثة أشخاص من الدفعة الدراسية ذاتها لدى فايز، منهم/ ن من فقدوا/ ن حياتهم/ ن، وكثيرون من الشباب بدأوا بالقتال مع قوى عسكرية مختلفة، الأمر الذي دفعه إلى تكوين صداقاتٍ مع أشخاصٍ من فئاتٍ عمرية مختلفة، لئلّا يخلو محيطه الاجتماعي من الأصدقاء/ الصديقات.

أما السفر، فكان السبب الرئيسي لفقدان جوان لأصدقائه/ صديقاته الذين/ اللواتي تعرّف إليهم/ ن في الجامعة، وجمعتهم/ ن علاقة قوية، على الرغم من اختلاف انتماءاتهم/ ن الدينية والعرقية.

لم يكن لسفر الأصدقاء والصديقات وحده، التأثير على الحالة النفسية لجوان، فقد واجه صعوبةً في التطبيع مع الواقع، ولم يتمكّن من التأقلم مع الأحداث الدائرة حوله. يقول: "شاهدت قسماً من فيديوهات حرق الطيّار الأردني معاذ الكساسبة، من قِبل تنظيم 'الدولة الإسلامية'، ولم أكمل المشاهدة؛ شعرتُ حينها أنني أعيش نهاية العالم".

"كنت أقوم بسقاية أشجاري يومياً، وأرعاها كما لو أنها أطفالي. قام النظام السوري بحرقها جميعاً"

أما الآن، فيراود مخيّلة جوان مشهدٌ متكررٌ لوالديه في حالة النزوح، كلما تم الحديث عن احتمال هجومٍ تركيٍّ جديدٍ على مناطق شمال شرق سوريا، أو اضطراره إلى مغادرة البلاد، إذا ما استعادت الحكومة السورية السيطرة على المنطقة. هاجسٌ جعل الخيارات الأصعب هي المسيطرة على تفكيره في الوقت الحالي، الأمر الذي يزيد من صعوبة قدرة جوان على التخطيط لمستقبلٍ واضحٍ: "أشعر أنني في قفصٍ كبيرٍ، لذا أحاول أن أُخلق فرصاً للهجرة، إذا ما تحققت إحدى تلك السيناريوهات".

أما سارة، التي تعيش في شمال غرب سوريا، فقد غيّرت الحرب ملامح حياتها، وعائلتها، حين أفقدتها الكثير من أفراد العائلة، وأُصيبت شقيقتها إصابةً دائمة، أجبرتها وعائلتها على السفر إلى تركيا لسنوات. وبعد فقدان الأمل بتحسّن حالتها، عادت العائلة مجدداً إلى سوريا.

السلطات المحلية تضاف إلى سلسلة الهموم

تصف جوليا شعارات الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة في سوريا، بـ"المستفزة جداً"، حين ترى كتابات كـ"الأمل بالعمل"، و"الأمل بالشباب"، في أحياء مدينتها، وتعدّها كاذبةً، ولا تمت إلى الواقع بصلة. تقول إنها وزملاءها/ زميلاتها، معرّضون/ معرّضات لفقدان وظائفهم/ ن، إذا ما عبّروا/ ن عن آرائهم/ ن بحرّية: "في غرفة إدارة المؤسسة التي أعمل فيها، الكثير من صور الرئيس السوري بشار الأسد، والأعلام الخاصة بالنظام السوري، ولا يمكننا التعبير عن رأينا بحرية في مكان العمل؛ نعيش فقدان الأمان الوظيفي".

وفي إدلب التي تحكمها "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، يقول يوسف إنه من الممكن لكلمةٍ واحدةٍ أن تودي بصاحبها إلى السجن، كما أن الأهالي يخضعون لتضييقٍ اقتصادي، لذا، حسب يوسف، تشهد المنطقة موجة هجرةٍ يوميّة. أما فئة الشباب، فيتم استقطابها للالتحاق بها في الأعمال العسكرية.

وفي ريف حلب الغربي، تقول سارة إنها لا تتعامل مع السلطة المحلية في منطقتها، لأنها تعدّها سلطةً تقوم بالحدّ من دور الفئة الشابة، ولا يُسمح لهم/ ن بإقامة نشاطاتٍ مختلَطةٍ بين الجنسين، وتقول إنه من المستحيل الكتابة بحرية في مجال الصحافة، إلى جانب عدم السماح لهم/ ن بإقامة نشاطاتٍ نوعية، ولا حتى سياسية، حتى بات عمل الفئة الشابة ينحصر في إطار تأمين لقمة العيش فحسب.

أما جوان، فيعيش ارتياحاً أكبر نسبياً في شمال شرق سوريا، في ما يتعلق بالسلطة الحاكمة، لكنه يرى أن هذه الحالة تشوبها الضغوط بشكلٍ دائمٍ، فهي سلطة تغيب فيها الهوامش الكبيرة للحرية. لكن مع ذلك، والكلام لجوان، يمكن البناء عليها للمستقبل، ويرى جوان أن الفئة الشابة مهمشة، لكنها ليست الفئة الوحيدة، كون بقية فئات المجتمع أيضاً تعيش الحالة ذاتها، وتعاني من عدم اكتراث السلطة بهمومها.

على الرغم من جميع التحديات التي تعاني منها الفئة الشابة، إلا أنه ثمّة قصص نجاح تبعث أملاً من وسط ركام الحرب، إذ تمكّنت سعاد من تفهّم الناس بشكلٍ أكبر، وعلى وجه الخصوص، تفهّم الآخر المختلف/ ة، ولم يعد الاختلاف عائقاً أمام تكوينها صداقاتٍ ضمن محيطها الاجتماعي

الجانب المشرق

على الرغم من جميع التحديات التي تعاني منها الفئة الشابة، على مدى أكثر من عشر سنوات من الحرب السورية، إلا أنه ثمّة قصص نجاح تبعث أملاً من وسط ركام الحرب، إذ تمكّنت سعاد من تفهّم الناس بشكلٍ أكبر، وعلى وجه الخصوص، تفهّم الآخر المختلف/ ة، ولم يعد الاختلاف عائقاً أمام تكوينها صداقاتٍ ضمن محيطها الاجتماعي.

أما يوسف، فيرى أن أحد الجوانب المشرقة في حياته، هي مساعدته الناس، من خلال عمله الصحافي، ومن أبرز تلك المساعدات تمكّن طفلٍ من الحصول على ساقٍ اصطناعية، بعد أن قام يوسف بإعداد تقرير صحافي عن حالته الصحية.

وفي بداية عام 2020، تعهّدت جوليا لنفسها بألّا تترك للإحباط فرصة أن يدخل إلى حياتها، فعلى الرغم من كل الصعوبات التي واجهتها، بدأت بالاهتمام بصحتها الجسدية والنفسية، كما بدأت بتعلّم اللغتين الألمانية والفرنسية، ولعلّ من أهم النجاحات التي حققتها جوليا أنها تقوم بتقسيم مرتّبها الشهري، لتتمكن شقيقتها من إكمال دراستها في كلية الطب.

وشهد عام 2020، تغييراً في حياة جوان، حين انتهى من ترجمة كتاب من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، وبدأ بترجمة كتابٍ آخر، كما بدأ بتبنّي النهج النسوي في مختلف نشاطاته، حتى أنّه شارك مع أصدقائه/ صديقاته الذين/ اللواتي يشتركون/ ن معه الأفكار ذاتها في تأسيس منظمة مدنية محلية، إلى جانب مسعاه إلى تطوير مهاراته في مجالَي الصحافة والعمل المدني.

وفي السياق نفسه، فقد أُتيحت الفرصة لسارة، لفهمٍ أوسع لقضايا حقوق الإنسان؛ المجال الذي لطالما أحبّته، بالإضافة إلى اكتسابها نضجاً أكبر في ما يتعلق بحقوق المرأة.

على الرغم من أن الهجرة كانت الطموح الحالي الذي أجمع/ ت عليه الشباب/ ات ممن تم اللقاء بهم/ ن، والذين/ اللواتي لم يتجاوزوا/ ن العقد الثالث من أعمارهم/ ن بعد، لكن من الواضح أنه يُعدّ الخيار الأصعب تنفيذاً، سواء من ناحية الحصول على فرصة السفر، أو صعوبة التخلي عن ارتباطهم/ ن الوجداني ببلدهم/ ن، وعن الأماكن التي خلّدت ذكرياتهم/ ن؛ ارتباطٌ من الصعب تفكيكه، والمغادرة إلى بلادٍ مجهولة التحديات والمعالم: "لا أرغب في السفر، وأشعر أنه عليّ البقاء، وإن سافرت سيكون الأمر رغماً عنّي، لذا أتمنّى أن يحدث تغيّر، ولو كان سحرياً، ليفسح لنا مجالاً للبقاء، فأنا مرتبط كثيراً بالمنزل الذي أسكنه، وكبرت فيه"، يقول فايز بحسرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard