عدو بعل وقرين الخضر والشاهد على مجيء المسيح... النبي إلياس

الخميس 27 يناير 202207:26 م

تحظى شخصية النبي إيليا/إلياس بمكانة مهمة في المِخيال الديني الإبراهيمي، إذ نُظر إليه على كونه أحد الأنبياء المهمين عند بني إسرائيل، من أولئك الذين تصدوا للمد الوثني، وكافحوا في سبيل الحفاظ على عبادة يهوه/إلوهيم، معبود القبائل العبرانية.

تلك الأوصاف الإعجازية التي وردت بصيغ متعددة في مختلف النصوص الإبراهيمية المقدسة –سواء كانت العهد القديم، أو العهد الجديد، أو القرآن الكريم- حول حياة هذا النبي الغامض، أدّت دوراً مهماً في حياكة الكثير من الأساطير والقصص العجيبة حول هذا النبي، للدرجة التي حدت به ليصبح أحد الأبطال المهمين في أحداث نهاية الزمان.

ما سرّ حياكة الكثير من الأساطير والقصص العجيبة حول النبي إيليا (إلياس) للدرجة التي حدت به ليصبح أحد الأبطال المهمين في أحداث نهاية الزمان؟ 

متحدي الأوثان، الذي صعد إلى السماء... إيليا في المِخيال اليهودي

يُعدّ إيليا واحداً من أهم الأنبياء الذين ورد ذكرهم في أسفار العهد القديم، إذ وردت الكثير من تفاصيل قصته في كل من سِفر الملوك لأول، وسفر الملوك الثاني. بحسب ما يذكر العهد القديم، فاسمه هو إيليا التشيّبي، نسبةً إلى بلدة التشيبة الواقعة في بلاد جلعاد، وهي منطقة غير محددة، وإن غلب الظن أنها تقع شرقي بلاد الأردن الحالية.

كعادة الأغلبية الغالبة من أنبياء بني إسرائيل، فإن اسم إيليا، كان اسماً مختصراً للاسم المركب "إلهي يهوه"، وبحسب السياق التاريخي لما ورد في سفر الملوك الأول، فإيليا كان يعيش في القرن التاسع قبل الميلاد، وتحديداً في زمن الملك أخاب –سابع ملوك مملكة إسرائيل- والذي تولى الحكم لمدة اثنين وعشرين عاماً، امتدت في الفترة الواقعة ما بين 875 و853ق.م.

إيليا، عاصر فترة مهمة في تاريخ إسرائيل، وهي تلك التي تحول فيها الكثير من الإسرائيليين لعبادة الأوثان، ولا سيما الإله بعل، الذي أثرت الملكة إيزابيل القادمة من صيدا –زوجة أخاب- كثيراً في نشر عبادته في فلسطين. من هنا لم يكن من الغريب أن نجد أن قصة إيليا قد تمحورت بالمقام الأول حول الصراع مع إيزابيل وأخاب وأنبياء الإله بعل.

بحسب ما ورد في العهد القديم، فقد دخل إيليا في مواجهة شرسة مع أخاب، وتوعده وأنذره بالجفاف والقحط، وبعدها هرب إيليا إلى أحد الأنهار، وكانت الغربان تأتي إليه وتمده بالخبز واللحم، وبعد أن جف النهر، أمره يهوه أن يذهب إلى إحدى الأرامل المؤمنات لتعيله، وبارك الرب ما عندها من الدقيق والزيت فلم ينفذا قط طوال فترة إقامة إيليا معها.

إحدى الخوارق الشهيرة المنسوبة لإيليا وقعت عندما مات ابن الأرملة بعد أن عانى من المرض، ليدعو النبي "وقال يا ربّ إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه. فسمع الرب لصوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش".

بحسب ما ورد في هذا السفر، لما عم الجفاف فلسطين، واشتد الجوع بالجميع، رجع إيليا إلى أخاب وتحداه، إذ دعاه أن يجمع جميع أنبياء بعل البالغ عددهم أربعمائة وخمسين نبياً، وأن يجمع بني إسرائيل في جبل الكرمل، واختار إيليا ثوراً، بينما اختار أنبياء بعل ثوراً آخر، ووضع كل من الفريقين ثورَه في موضع مختلف على المحرقة، ثم دعا كلُّ فريق ربَّه ليرسل ناراً تأكل القربان، وبينما لم تمس النار ثور أنبياء بعل، إلا أنها  نزلت من السماء لتحرق قربان إيليا، وبعدها نزلت الأمطار على الناس.

إيليا بعد ذلك يعود مرة أخرى ليؤدي دور المُطارد، وذلك بعدما يهرب خوفاً من انتقام الملكة إيزابيل، فيلتجئ إلى بئر سبع، وهناك يرسل له يهوه ملاكاً حاملاً الطعام، ليأكل النبي الهارب منه وتعتريه القوة لمواصلة السير، فيمشي لمدة أربعين يوماً وليلة حتى يصل إلى جبل حوريب، وهناك يمكث في إحدى المغارات ويكلمه يهوه، ويأمره أن يمسح ياهو ملكاً على إسرائيل، وأن يمسح حزائيل ملكاً على أرام، وأن يمسح إليشع ليصبح النبي الذي يخلفه.

نهاية إعجازية أثرت كثيراً في تصور اليهود لشخصية إيليا، إذ سيعتقدون بأنه ولابد سيعود مرة أخرى إلى الأرض قبل حلول يوم القيامة

بعد كل تلك الأحداث العجائبية المُغرقة في المعجزات والخوارق، تنتهي سيرة إيليا بشكل غريب، إذ يتحدث سفر الملوك الثاني أن إيليا قد ذهب مع إليشع إلى نهر الأردن، وأن الأول قد أخذ رداءه "ولفه وضرب الماء فانفلق إلى هنا وهناك، فعبرا كلاهما في اليبس"، وبعدها نزلت من السماء مركبة عظيمة من النار وخيل من نار "فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء"، أما إليشع فقد قفل راجعاً، وأخذ رداء إيليا فضرب به النهر فأنفلق مرة أخرى، فعبر إلى الجهة الأخرى ورجع من حيث أتى.

هذه النهاية الإعجازية ستؤثر كثيراً في تصور اليهود لشخصية إيليا، إذ سيعتقدون بأنه ولابد سيعود مرة أخرى إلى الأرض قبل حلول يوم القيامة؛ الأمر الذي سيظهر بشكل واضح في الإصحاح الرابع من سفر ملاخي، الذي يتحدث فيه يهوه عن بعض تفاصيل يوم القيامة. من هنا يمكن فهم ارتباط شخصية إيليا بأحداث النهاية في المُتخيل اليهودي الجمعي، وكيف أنه صار –مع مرور الوقت- أحد مفردات تلك الملاحم المستقبلية الغامضة، للدرجة التي حدت بالكثير من اليهود المتدينين لانتظار مجيئه في عيد الفصح اليهودي في كل عام.

إيليا يصعد إلى السماء في عربة نارية 

الشاهد على المجيء الثاني للمسيح... إيليا في المِخيال المسيحي

إذا كانت اليهودية قد منحت شخصية النبي إيليا قدراً كبيراً من التعظيم والتبجيل، فإن الأمر ذاته قد عرفته الثقافة المسيحية، وذلك عندما ربطت بين إيليا والمسيح.

استحضر العهد الجديد شخصية النبي إيليا في واحدة من أهم اللحظات التي مرت على المسيح قُبيل القبض عليه وصلبه، وهي تلك اللحظة الواردة في إنجيل متى، والتي جاء فيها أن المسيح في أحد الأيام قد اصطحب كلّاً من بطرس ويعقوب ويوحنا إلى قمة إحدى الجبال العالية، ولما استقروا فوقها، فإذا بهم قد وجدوا كلّاً من موسى وإيليا قد تجليا فوق الجبل، في الوقت الذي تغيرت فيه هيئة المسيح "وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ".

يعلق ف.ب. ماير في كتابه "حياة إيليا وسر قوته" على تلك الحادثة في كتابه، فيقول البعد الرمزي بها "إن حادثة إيليا على جبل التجلي، متحدثاً مع موسى والمسيح، حديثاً مقدساً، تُبرهن على أن القديسين الذين رقدوا هم الأحياء الحقيقيون، ذوو الإدراك والإحساس، النشطون، الغيورون، وعلى أنهم قد دخلوا تلك الحياة في لحظة واحدة، هي لحظة الموت".

استحضر العهد الجديد شخصية النبي إيليا في واحدة من أهم اللحظات التي مرت على المسيح قُبيل القبض عليه وصلبه... إيليا الشاهد على المجيء الثاني للمسيح 

الأمر المثير في ما يخص تناول العهد الجديد لشخصية إيليا، أن ثمة خلطاً وارتباكاً في الربط بينه وبين شخصية يوحنا المعمدان، فمن جهة جاء في إنجيل لوقا، وبحسب البشارة التي ألقاها الملاك للنبي زكريا، أن يوحنا المعمدان –ابن زكريا- سيتقدم أمام الرب "بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا"؛ الأمر الذي يتفق مع جواب المسيح على السؤال الذي وجهه له تلاميذه أثناء نزولهم من الجبل عن توقيت رجوع إيليا إلى الأرض، وإجابة المسيح لهم "إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْء. وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ. حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ".

هذه الإجابة التي يُفهم منها أن يوحنا هو نفسه النبي إيليا، تتعارض بشكل صارخ مع ما ذكره المعمدان نفسه في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا، من أن الكهنة اليهود لما ذهبوا إليه، وظنوا أنه إيليا النبي، وسألوه إذا كان هو، فإنه قد أنكر ذلك بشكل صريح.

هذا التعارض الواضح، فتح الباب أمام الاعتقاد المعروف بعودة التجسد، وبأن روح إيليا قد حلت في شخصية المعمدان، الأمر الذي اعتبرته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على كونه بدعة وهرطقة، وعملت على تفنيده، وإثبات أن جملة "روح إيليا وقوته"، الواردة في البشارة إلى زكريا إنما تشير لمشابهة المعمدان لإيليا في حياتهما في البرية، ومواجهتهما للملوك، بما يعني أن روح إيليا هنا لا تعني الروح بشكل حرفي، ولكنها تشير إلى المنهج وطريقة التعامل ليس أكثر، وذلك بحسب ما يذكر حلمي القمص يعقوب في كتابه "المذاهب الحديثة المنحرفة".

الأمر الثاني المرتبط بشخصية إيليا في المِخيال المسيحي، أنها قد ارتبطت بعودة المسيح إلى الأرض، وبما يٌعرف بالعلامات التي تسبق المجيء الثاني للمسيح؛ فعلى سبيل المثال، يستشهد الأنبا بيشوي في كتابه "المسيح مشتهى الأجيال: منظور أرثوذكسي"، بما ورد في رؤيا يوحنا اللاهوتي "وسأعطي لشاهدي، فيتنبآن ألفاً ومئتين وستين يوماً، لابسين مسوحاً. هذان هما الزيتونتان والمنارتان القائمتان أمام رب الأرض..."، فيؤكد أن الشاهدين المقصودين في السفر هما أخنوخ وإيليا.

إلياس، صاحب الخضر، وأول أئمة الشيعة... إيليا في المِخيال الإسلامي

من المعروف أن اسم النبي إيليا، لم يرد بشكله الصريح في الثقافة الإسلامية، بل ورد في صيغ أخرى، لعل أهمها اسم إلياس الذي ورد ثلاث مرات في القرآن الكريم، أحدها في سورة الأنعام، والمرتان الأخريتاندددددددددددددد كانتا في سورة الصافات.

دعا قومه لترك عبادة الإله بعل، والعودة لعبادة الله عز وجل... إلياس  (النبي إيليا) في القرآن والثقافة الإسلامية

التناول القرآني لسيرة النبي إلياس كان مختصراً إلى حد بعيد، إذ تمحور بالمقام الأول حول دعوة هذا النبي قومه لترك عبادة الإله بعل، والعودة لعبادة الله عز وجل. تحدث المؤرخون المسلمون كثيراً عن النبي إلياس، فقال بعضهم إنه نفسه النبي إدريس، بينما ذهب البعض الآخر إلى أن القرآن الكريم قد أشار إليه تحت اسم "آل ياسين"، الوارد في الآية رقم 13 في سورة الصافات.

بحسب ما يذكر ابن جرير الطبري (المتوفى 310هـ) في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، فإن إلياس هو إلياس بن ياسين، وكان الله يرسل له الطعام زمن المجاعة، واشتهر بذلك بين قومه، حتى أن الناس كانت إذا شمت رائحة الطعام منبعثةً من أحد المنازل، كانت تداهم المنزل، وكانوا يقولون لبعضهم بعضاً حينها "إلياس مرّ من هنا".

أما ابن كثير الدمشقي (المتوفى 774هـ) فقد ذكر في كتابه "البداية والنهاية"، أن إلياس لما يئس من عودة قومه لعبادة الله، فإنه "دَعَا رَبّه أَنْ يَقْبِضهُ إِلَيْهِ، فَيُرِيحهُ مِنْهُمْ"، فلما خرج في أحد الأيام مع تلميذه إليسع "أَقْبَلَ إِلَيْهِ فَرَس مِنْ نَار حَتَّى وَقَفَ بَيْن يَدَيْهِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ... فكساه اللَّه الرِّيش، وَأَلْبَسهُ النُّور، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّة الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب، وَطَارَ فِي الْمَلَائِكَة، فَكَانَ إِنْسِيّاً مَلَكِيّاً أَرْضِيّاً سَمَاوِيّاً".

الكثير من المعجزات والخوارق نُسبت إلى شخصية إلياس في الثقافة الإسلامية، ومن ذلك أن النبي محمد قد قابل النبي إلياس يوماً ما في الصحراء، فوجده وقد بلغ ما يقرب من الثلاثمائة ذراع. ومنها أيضاً أن إلياس والخضر، لا يزالان على قيد الحياة، وأنهما يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويحجان في كل سنة، ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما إلى مثلها من قابل.

أما في العراق، فقد حظي إلياس باحتفال من نوع خاص، ألا وهو ذلك المعروف باسم عيد خضر إلياس، والذي يستذكره أبناء الطائفة الإيزيدية في شباط/فبراير من كلّ عام، عندما توقد الشموع ويتم رميها مع غروب الشمس في نهر دجلة طلباً لتحقيق الأمنيات.

في العراق، حظي إلياس (النبي إيليا) باحتفال من نوع خاص معروف باسم عيد خضر إلياس، والذي يستذكره أبناء الطائفة الإيزيدية في شباط/فبراير من كل عام، عندما توقد الشموع ويتم رميها مع غروب الشمس في نهر دجلة طلباً لتحقيق الأمنيات

من المهم هنا أن نشير إلى أن ارتباط اسم إيليا بأحداث آخر الزمان في كلٍّ من الثقافتين اليهودية والمسيحية، قد منح اسمه دلالة وحضوراً مؤثرين في المِخيال الشيعي الإمامي، والذي ربط بين اسم إيليا من جهة، والإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، من جهة أخرى.

هذا الارتباط يظهر بشكل واضح في ما ذكره الطبرسي في القرن السادس الهجري في كتابه "الاحتجاج"، إذ يروي انه وفد وفدٌ من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر، وكان فيهم راهب من رهبان النصارى فأتى مسجد النبي فسأل أسئلة لم يُجبه أحد عليها، فأرسلوا إلى علي، فلما حضر وجلس، قال أبو بكر: أيها الراهب سلْه فإنه صاحبك وبغيتك، "فأقبل الراهب بوجهه إلى علي ثم قال: يا فتى ما اسمك؟ فرد عليه علي بن أبي طالب قائلاً: اسمي عند اليهود إليا، وعند النصارى إيليا، وعند والدي علي، وعند أمي حيدرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard