من سحرة فرعون إلى تبجيل الأولياء... طقوس الاعتراف بالخطأ والإذعان للآخر

الثلاثاء 8 يونيو 202110:26 ص

إذا كانت الطقوس قد اعتادت في أغلب الأحيان أن تقدم بشكل صريح ومباشر، فإنها في أحيان أخرى قد قدمت بأشكال ضمنية أو مجازية، ومن أهم تلك الطقوس، ما عرف باسم طقوس الاعتراف والإذعان.

طقوس الاعتراف والإذعان، هي تلك الطقوس التي تأخذ غالباً صورة من صورتين مشهورتين. الأولى، يقرّ فيها أحد الأعلام بأعلمية علم آخر موافق له في المذهب والاعتقاد، فنراه وقد تنازل -بمحض إرادته- عن ريادته وعلوّ مقامه واختار أن يصبح مجرد تابع مخلص ومريد صادق من المريدين الملتفّين حول الثاني، أما الصورة الثانية، فهي تلك التي يظهر فيها العالم وقد أذعن لمقالة عالم مخالف له في الاعتقاد، فيعلن عن خطأه وبُعْده عن الحق والصواب، ويشهد أمام العامة والخاصة بصواب مناظره ورجاحة منطقه.

طقوس الاعتراف والإذعان، هي تلك الطقوس التي تأخذ غالباً صورة من صورتين مشهورتين. الأولى، يقرّ فيها أحد الأعلام بأعلمية علم آخر موافق له في المذهب والاعتقاد، أما الصورة الثانية، فهي تلك التي يظهر فيها العالم وقد أذعن لمقالة عالم مخالف له في الاعتقاد

الصورتان تكررتا كثيراً في التاريخ الإسلامي، إذ تم استغلالهما في سياق المنافسة المذهبية المحتدمة بين الفرق المختلفة، ودخلا بصور شتى في تشكيل المخيال المذهبي، السني والشيعي والصوفي، على حد سواء.

سحرة فرعون والبشارة بنبي الإسلام: طقوس الاعتراف في القرآن والحديث

وردت الكثير من الآيات القرآنية التي تشير ضمنياً لطقوس الاعتراف والإذعان، من ذلك ما ورد في الآية رقم سبعين من سورة طه، في سياق الحديث عن قصة النبي موسى مع فرعون، وكيفية ابتلاع عصا موسى المتصورة في شكل أفعى لحبال وعصي السحرة المصريين، الأمر الذي دفعهم للاعتراف بتفوقه عليهم: "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى".

أما في سورة الكهف، فنجد أن النبي موسى يقرّ بأعلمية العبد الصالح الذي قيل إنه الخضر، فيعلن عن خضوعه لعلمه اللدني الإلهي: "قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً".

في مدوّنات الحديث النبوي وكتب التاريخ الإسلامي، ظهرت طقوس الاعتراف والإذعان في سياق التأكيد على نبوة النبي محمد، إذ تواترت العديد من الروايات التي تشير إلى أن ثلاثة من الشخصيات الدينية الكبيرة المقام والمعاصرة للرسول، قد أعلنت عن اقتناعها بكون الرسول هو نفسه النبي المنتظر الذي بشّرت به الكتب السماوية عبر القرون.

الشخصية الأولى هي شخصية بحيرا الراهب، وهو رجل دين مسيحي غامض كان يقيم في ناحية من نواحي بلاد الشام، وقد تحدثت عنه بعض الكتابات الإسلامية المبكرة. على سبيل المثال يذكر أبو عيسى محمد الترمذي في سننه، أن الرسول في شبابه قد خرج في قافلة تجارية لبلاد الشام مع عمه أبي طالب، فلما اقتربت القافلة من الدير الذي يقيم فيه بحيرا "جاء فأخذ بيد الرسول، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين...".

ظهرت طقوس الاعتراف والإذعان في سياق التأكيد على نبوة محمد، إذ تواترت العديد من الروايات التي تشير إلى أن ثلاثة من الشخصيات الدينية الكبيرة المقام والمعاصرة للرسول، قد أعلنت عن اقتناعها بكون الرسول هو نفسه النبي المنتظر

الشخصية الثانية، هي شخصية ورقة بن نوفل، والذي تواصل مع الرسول في الفترة المبكرة من دعوته في مكة، فبحسب ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة، فإن الرسول لما جاءه الوحي، أخبر السيدة خديجة، فذهبت هي بدورها لتسأل قريبها ورقة عن تفسير هذا الأمر، وكان عالماً بكتب الأنبياء السابقين، فذهب ورقة إلى النبي وبشرّه النبوة، وقال له: "أبشر ثم أبشر، ثم أبشر، فإنى أشهد أنك الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد، فأنا أشهد أنك أنت أحمد، وأنا أشهد أنك محمد، وأنا أشهد أنك رسول الله، وليوشك أن تؤمر بالقتال وأنا حي لأقاتلن معك".

وإذا كان كل من النموذجين السابقين -بحيرا وورقة بن نوفل- قد وردت شهادتاهما في سياق إيجابي، فإن الشخصية الثالثة، وهو حيي بن أخطب، زعيم يهود بني النضير، قد وردت شهادتها في سياق سلبي، إذ لم يمنعه اعترافه بنبوة الرسول من مخالفته ومعارضته.

بحسب ما ورد في سيرة ابن هشام الحميري، عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، أنها قالت: "سمعتُ عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حُيي بن أخطب: أهو هو؟ (أي: هل محمد هو النبي الذي نَنتظرُهُ، الموجودة بشارته في كتبنا؟)، قال حيي بن أخطب: نعم والله. فسأله أبو ياسر: أتعرفه وتُثبِتُه؟ قال: نعم. فسأله أبو ياسر عندها: فما في نفسك منه؟ قال حيي بن أخطب: عداوتُه واللهِ ما بقيت".

دفاعاً عن الخلفاء والفقهاء: طقوس الاعتراف في المُتخيل المذهبي السني

لما كانت مسألة الخلافة هي أهم النقاط الجدلية الخلافية التي دارت حولها المناقشات المذهبية بين جميع الفرق والطوائف الإسلامية، فقد كان من الطبيعي والحال كذلك أن يهتم أصحاب كل مذهب بتقديم بعض الروايات التاريخية التي تؤكد على أعلمية وتفوق الآباء المؤسسين لمذهبهم، من خلال القصص التي تحكي عن اعتراف وإذعان رموز الفرق المخالفة لهم.

في المذهب السني، عُرف حرص العلماء على إظهار تفوق الشيخين -أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب- من خلال استنطاق المنافس الأبرز في النسق الشيعي، وهو علي بن أبي طالب، بما يُفهم منه تفضيله لهما.

على سبيل المثال، وضحت طقوس الاعتراف والإذعان فيما رواه ابن الأثير الجزري في كتابه "أُسد الغابة في معرفة الصحابة" على لسان أسماء بنت عميس، في قولها في شأن المفاضلة بين الرجال الثلاثة -جعفر بن أبي طالب وأبي بكر وعلي بن أبي طالب- الذين تتابعوا على الزواج منها: "ما رأيت شاباً من العرب خيراً من جعفر، ولا رأيت كهلاً خيراً من أبي بكر"، فقال علي: "ما تركت لنا شيئاً، ولو قلت غير الذي قلت لمقتك"، قالت: "إن ثلاثة أنت أخسهم خيار".

في المذهب السني، عُرف حرص العلماء على إظهار تفوق الشيخين -أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب- من خلال استنطاق المنافس الأبرز في النسق الشيعي، وهو علي بن أبي طالب، بما يُفهم منه تفضيله لهما

هذا التصريح الذي أدلى به علي، والذي يفهم منه اعتقاده الشخصي بأفضلية أبي بكر عليه، سيقترن بمجموعة من الروايات الأخرى التي سيتحقق منها الهدف نفسه، من ذلك ما رواه ابن جرير الطبري، في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" عن سيف بن عمر التميمي، أنه لما جلس أبو بكر للبيعة، "خرج عليّ إلى المسجد في قميص له، ما عليه إزار ولا رداء، وهو متعجِّل، كراهة أن يبطئ عن البيعة، فبايع أبا بكر، ثم جلس، وبعث إلى ردائه فجاؤوه به، فلبسه فوق قميصه"، وما ذكره أحمد بن حنبل في مسنده: "ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر.

ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر: عمر"، وأيضاً ما ورد في كتاب "السنة" لابن أبي عاصم من قول علي بن أبي طالب: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حد المفتري".

تلك الاعترافات ستأخذ مكاناً مهماً في المخيال السني الجمعي، لما لها من تأثير قوي في إثبات تفوق الشيخين وشرعية خلافتيهما، وذلك بغض النظر عن معايير الصحة أو الموثوقية التاريخية لتلك الروايات.

 طقوس الاعتراف والإذعان ستظهر أيضاً بصور مختلفة في سياق المنافسة الفقهية بين المذاهب الأربعة -الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي- الأكثر شهرة وذيوعاً بين أهل السنة والجماعة، إذ سنجد العشرات من الروايات التي تشير إلى أن أحد الفقهاء المؤسسين لأي من تلك المذاهب، كان كثيراً ما يعترف بخضوعه التام للفقيه المؤسس لمذهب مخالف.

على سبيل المثال، سنجد أن العداء التاريخي المستحكم بين الشافعية والحنفية، سيرد عليه من جانب الأحناف برواية مشهورة عن الشافعي مفادها "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وهو ما يعني -ضمنياً- اعتراف الشافعي بتفوق أبي حنيفة وإذعانه لعلمه.

أما فيما يخص المنافسة المشهورة بين الشافعية والحنابلة، فستقابل بالترويج لروايتين تثبتان اعتراف ابن حنبل بتفوق أستاذه الشافعي، الأولى، أوردها تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"، عندما يقول: "حكيَ أَن أَحْمَد نَاظر الشَّافِعِي فِي تَارِك الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: يَا أَحْمَد أَتَقول إِنَّه يكفر؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إِذا كَانَ كَافِراً فَبِمَ يسلم؟ قَالَ: يَقُول لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّد رَسُول الله، قَالَ الشَّافِعِي: فالرجل مستديم لهَذَا القَوْل لم يتْركهُ، قَالَ: يسلم بِأَن يُصَلِّي، قَالَ: صَلَاة الْكَافِر لَا تصح وَلَا يحكم بِالْإِسْلَامِ بهَا، فَانْقَطع أَحْمَد وَسكت".

أما الرواية الثانية، فقد ذكرها أبو طالب المكي في كتابه "قوت القلوب"، عندما ذكر أن ابن حنبل كان يمشي ذات يوم مع صاحبه يحيى بن معين، وكانا يقصدان حلقة درس سفيان بن عيينة، وكان من كبار المحدثين وقتها، فلما مر بجانبهما الشافعي، انطلق ابن حنبل لمحادثته ومشى خلف بغلته وترك درس سفيان، فأندهش يحيى وقال لابن حنبل بعدها:

"يا أبا عبد اللّه، تترك حديث سفيان بعلوّ وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟ فقال أحمد: لو عرفت منه ما أعرف لكنت تمشي من الجانب الآخر، إن علم سفيان إن فاتني بعلوّ أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلوّ ولا نزول".

طقوس الاعتراف والإذعان ستظهر أيضاً بصور مختلفة في سياق المنافسة الفقهية بين المذاهب الأربعة -الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي- الأكثر شهرة وذيوعاً بين أهل السنة والجماعة

طبعاً، يظهر اعتراف ابن حنبل بتفوق الشافعي في الروايتين بشكلين مختلفين، فإذا كان سكوته وانقطاعه قد أثبتا عجزه عن استكمال المجادلة في الرواية الأولى، فقد كانت هرولته خلف بغلة الشافعي وإبداء إعجابه بعقل الفقيه المطلبي في الرواية الثانية، أمرين مؤكدين على هذا العجز.

لإضفاء طابع القداسة على الأئمة: طقوس الاعتراف في المُتخيل المذهبي الشيعي

إذا كانت مسألة الخلافة هي المحور الأهم الذي تشكل حوله المتخيل السني، فأن مسألة الإمامة كانت المرتكز الرئيس الذي قامت عليه عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية، بما يعني أن طقوس الاعتراف والإذعان قد اُستخدمت في المُتخيل الشيعي بغرض إضفاء طابع القداسة والتبجيل على الأئمة الاثني عشر من جهة، وإثبات تفوقهم على الخلفاء/ الفقهاء المعاصرين لهم من جهة أخرى.

تأسيساً على ما سبق، يمكن فهم اهتمام المتخيل الشيعي الإمامي بإبراز اعتراف الخليفة الثاني بعجزه أمام علي بن أبي طالب، على سبيل المثال، كان مما شاع ذكره في الكتابات الشيعية قول عمر بن الخطاب: "أعوذ من معضلةٍ، لا عليّ لها"، وقوله في أوقات أخرى: "لولا علي لهلك عمر".

أما أبو حنيفة ومالك فقد وردت إشادتهما بالفقيه الشيعي الأبرز المعاصر لهما، وهو الإمام السادس جعفر الصادق، فعلى سبيل المثال، روي عن أبي حنيفة: "ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد"، وقوله في موضع آخر مشيراً للفترة التي تتلمذ فيها على يد كل من الصادق وأبيه محمد الباقر: "لولا السنتان لهلك النعمان". أما مالك، فقد روي عنه قوله: "ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً".

المخيال الشيعي اهتم أيضاً بوضع بعض الروايات على لسان الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد، والتي يذكر فيها اعترافه الكامل بتفوق الإمام الشيعي السابع موسى الكاظم، فبحسب ما يذكر الشيخ الصدوق في كتابه "عيون أخبار الرضا"، أن الرشيد قد قال لابنه المأمون: "هذا -يقصد موسى الكاظم- إمام الناس وحجه على خلقه وخليفته على عباده... أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر وموسى بن جعفر إمام حق. والله يا بني أنه الأحق بمقام رسول الله منى ومن الخلق جميعاً...".

وفي بعض الأحيان يهتم المخيال الشيعي، بإبراز طقوس الاعتراف والإذعان في الحالات التي تثير التساؤل أو الجدل، ومن ذلك عندما تولى الإمام الثامن محمد الجواد مسؤولية الإمامة وهو في السابعة من عمره، ما أثار حيرة قطاع كبير من الشيعة في هذا الوقت.

المحدث الشيعي الشهير محمد بن يعقوب الكليني، عمل على تلافي الشبهات المتعلقة بصغر سن الجواد عند استلامه الإمامة في كتابه "الكافي"، عندما ذكر أن الشيخ المسن، علي بن جعفر الصادق، كان جالساً في المسجد، فلما دخل محمد الجواد "وَثَبَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ بِلَا حِذَاءٍ وَلَا رِدَاءٍ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَعَظَّمَهُ"، فلما أندهش أصحابه وقالوا له: "أنْتَ عَمُّ أَبِيهِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ بِهِ هَذَا الْفِعْلَ!

فَقَالَ: اسْكُتُوا، إِذَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ ـ لَمْ يُؤَهِّلْ هَذِهِ الشَّيْبَةَ، وَأَهَّلَ هَذَا الْفَتَى، وَوَضَعَهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، أُنْكِرُ فَضْلَهُ! نَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا تَقُولُونَ، بَلْ أَنَا لَهُ عَبْد".

لتمجيد الأولياء والأقطاب: طقوس الاعتراف في المُتخيل الصوفي

ظهرت طقوس الاعتراف والإذعان بصور شتى في المتخيل الصوفي، وكثيراً ما عُرفت تلك الطقوس قبيل ميلاد القطب أو الولي، ومن ذلك ما يذكره عبد الوهاب الشعراني في كتابه "الطبقات الكبرى"، من أن واحداً من كبار رجالات الصوفية في مصر في القرن السادس الهجري، ويُدعى محمد بن هارون، كان يقوم واقفاً من فوره كلما رأى أبا المجد، والد القطب إبراهيم الدسوقي.

ثم توقف عن ذلك، فلما سأله تلاميذه عن السبب، قال لهم إنه لم يكن ليقوم لأبي المجد، وإنما "لبحر في ظهره"، وأنه قد توقف عن القيام، لما انتقل هذا البحر إلى زوجته. القصة نفسها تقريباً أوردها عباس العزاوي في كتابه "تاريخ اليزيديّة وأصل عقيدتهم"، عندما ذكر أن كبار الصوفيّة كانوا يسلّمون على الولي عدي بن مسافر إذا مرّوا على منزله، حينما كان لا يزال جنيناً في بطن أمه.

هذا الاعتراف الصريح بتفوق الولي الصوفي، قد أخذ شكلاً أكثر وضوحاً مع مرور العمر، فمثلاً، يذكر عبد الرءوف المناوي في كتابه "الكواكب الدرية في السادة الصوفية"، أن الولي إبراهيم الدسوقي لما قدم عليه سبعة من العلماء الأفذاذ الكارهين له ليسألوه ويمتحنوه ويكشفوا عن جهله، عجزوا عن الكلام والحديث، ونسوا كل ما تعلموه من قبل، وآمنوا بولايته وقطبيّته، ولم ينصرفوا من دسوق إلا وقد أضحوا من عامة أتباعه ومريديه.

في السياق نفسه، ينقل الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "ابن تيمية الفقيه المعذب"، قول ابن تيمية للصوفي الشهير ابن عطاء الله السكندري معترفاً بتفوقه وأعلميته: "أعرف عنك الورع، وغزارة العلم، وحِدَّة الذِّهن، وصِدقَ القول، وأشهد أني ما رأيتُ مثلكَ في مصر ولا في الشام حبّاً لله، أو فناءً فيه، أو انصياعاً لأوامره ونواهيه...".

من جهة أخرى، كان الانتقال من مكان لآخر أحد أهم طرق إظهار الاعتراف والإذعان بين المتصوفة، ومن ذلك القصة المشهورة عن تتلمذ الشيخ عبد الرحيم القناوي على يد الصوفي أبي النجا الفوي، إذ تذكر القصة المشهورة أن الأول قد ترك مدينة قنا وسافر عبر النيل إلى مدينة فوة، فصاحب الفُويّ وسمع منه، ومكث في معيته لفترة، ثم رجع بعدها إلى قنا.

وبحسب تلك القصة، فإن أهل فوة قد بنوا مسجداً في المكان الذي أقام به الشيخ عبد الرحيم، تخليداً لذكرى اعتراف ولي قنا بأعلمية ولي فوة، ويُعرف هذا المسجد بمسجد القنائي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard