البداية "يا ريتني ما حبيت"... من نفض التراب عن "زكريا بطرس"؟

الأحد 14 نوفمبر 202107:50 م

خلال حقبة التسعينيات، وحتى السنوات الأولى من الألفية الحالية، انتشر استخدام بعض الأشكال البدائية لشبكات التواصل الاجتماعي، منها المجموعات البريدية على ياهو، والمنتديات العامة أو الخاصة وغرفها العديدة، وأخيراً شبكة للتواصل عبر الصوت والكتابة تشبه إلى حد ما تطبيق "كلوب هاوس" الذي انتشر مؤخراً وكانت تدعى "بال توك".

من ولدوا في نهاية التسعينيات أو عام 2000 ربما يندهشون إذا قرأوا الآن عن هذه الأشكال من "حفريات الإنترنت"، لكن الدهشة قد تزول قليلاً عندما يعرفون أن ما يقرأونه منذ عصر السبت 13 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، على هاشتاغ "#عاقبوا_زكريا_بطرس"، هو نفسه الذي كان يدور في غرف الـ"بال توك" التي اشتهرت بالتلاسن والسباب والتهديد الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في مصر في تلك الفترة الغابرة.

من ولدوا في نهاية التسعينيات أو عام 2000 ربما يندهشون إذا قرأوا الآن عن هذه الأشكال من "حفريات الإنترنت"

زكريا بطرس الذي حمل الهاشتاغ اسمه كان واحداً من نجوم تلك الشبكات الاجتماعية البدائية، وكما استخدم اسمه عنواناً للغضب الطائفي الآن، كان يستخدم للغرض نفسه قبل نحو 20 عاماً شهدت عزله عن منصبه الروحي في الكنيسة القبطية المصرية بسبب تطرفه، ورغم استمراره في ترديد نفس ما كان يقوله قبل 20 عاماً، طواه النسيان لسنوات طويلة، خاصة مع تراجع طغيان الطائفية على الخطاب العام في مصر في أعقاب إنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين في 2013، لكن ذلك النسيان انتهى هذا الأسبوع مع تداول فيديو هجومي معتاد ومكرر من زكريا بطرس ضد نبي الإسلام، لكن هناك من التقطه وروج له بحماس هذه المرة.

حذف مقطع الفيديو الذي تسبب في إطلاق الهاشتاغ بعد حملات واسعة للمطالبة بحظره، ولكن بعد أن تم تداوله على نطاق واسع، واقتطعت منه عبارات بطرس التي يصف فيها النبي بأنه "أضلّ العالم كله [...] وكتب القرآن وهو مسطول سكران"، على حد زعمه.

وعرف زكريا بطرس بهجومه الشديد على الإسلام ونبيه. واستدعى مقطع الفيديو المتداول تاريخ الكاهن وتصريحاته ضد الدين الإسلامي في ذاكرة العديد من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، وأعادت الكنيسة المصرية في بيان رسمي التذكير بأنها فكت ارتباطها بالقس "المشلوح" قبل 18 سنة، بسبب اتباعه "تعليماً لا يتوافق مع العقيدة الأرثوذكسية".

زكريا بطرس الذي حمل الهاشتاغ اسمه كان واحداً من نجوم تلك الشبكات الاجتماعية البدائية، وكما استخدم اسمه عنواناً للغضب الطائفي الآن، كان يستخدم للغرض نفسه قبل نحو 20 عاماً شهدت عزله عن منصبه الروحي في الكنيسة 

من بدأ الهاشتاغ؟

هجوم زكريا بطرس على النبي محمد ليس جديداً، بل صار معتاداً من الكاهن الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. وهجومه الأخير يعد امتداداً لحلقات بدأها القمص السابق "المشلوح" منذ عام 2003 من خلال قناة الحياة التبشيرية، وبعدها قناة الفادي التي افتتحها لنفسه في عام الثورة، وتبث برامجها من ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة وتتوجه إلى المسيحيين في المنطقة العربية عبر شبكة من الأقمار الأسيوية والأوروبية.

أسست القناة نافذة لها عبر "يوتيوب" في 24 يناير/ كانون الثاني 2018، ومنذ ذلك التاريخ نشرت القناة عشرات من مقاطع الفيديو بطلها مؤسس القناة زكريا بطرس، عبر برنامجه "معرفة الحق"، وتضمنت حلقات البرنامج نقداً للإسلام والقرآن الكريم، وخصص لذلك حلقات بعنوان " تنقيط وتشكيل القرآن، الأخطاء الإملائية في القرآن، وإيحاء الشيطان لمحمد في القرآن بسورة الجن"، والعديد من المقاطع التي تشهد بانتقاده للدين الإسلامي.

في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، نشرت القناة عبر يوتيوب حلقة بعنوان "أفعال عائلة الجن" للكاهن زكريا بطرس، وهي الحلقة التي خلقت موجة الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، بعد وصف بطرس للنبي محمد بأنه "مسطول سكران كتب القرآن"، بعد انتشار الترند اقتطعت القناة الجزء الخاص بالهجوم على النبي محمد وأعادت نشره من جديد، قبل أن تحذف إدارة يويتوب مقطع الفيديو استجابة لحملات واسعة تطلب حظره، صاحبها حلول هاشتاغيّ "عاقبوا زكريا بطرس، عاقبوا زكريا بطرس لشتمه رسول الله" قائمة الأكثر تداولاً في مصر يوم السبت.

باستخدام أداة " who posted what" على موقع فيسبوك، اتضح أن الهاشتاغ انطلق قبل 6 أيام من تاريخ استقراره على راس قائمة "الترند"

باستخدام أداة " who posted what" على موقع فيسبوك، اتضح أن الهاشتاغ انطلق قبل 6 أيام من تاريخ استقراره على رأس قائمة الترند، وتحديداً من يوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، من حساب يحمل اسم "أمل محمود" وهو أول حساب غرّد على الهاشتاغ، والحساب مسجل عبر بريد إلكتروني يحمل اسم "ياريتني ما حبيت" (يحتفظ رصيف22 بالرابط ويمتنع عن نشره حفاظاً على سلامة صاحبة الحساب).

حسب ما توصل إليه رصيف22، بدأت قصة الترند بكتابة أمل تدوينة على فيسبوك قالت فيها "يا مسلمين ويا مسلمات، يا من يُغار على دينه، هناك من يشتم نبيكم ودينكم وأنتم مكتوفي الأيدي [...] هناك شخص [...] اسمه زكريا بطرس موراهوش حاجة غير إنه يقعد يشتم في شخص رسول الله ويجيب أحاديث ليست بصحيحة وموضوعه [...] لكم أن تتخيلوا أن هذا الرجل منذ زمن بعيد يسب ويشتم في نبيكم ولا أحد يفعل له شيئا فماذا أنتم فاعلون؟!"

في نفس اليوم غردت أمل مرة أخرى على هاشتاغ "عاقبوا زكريا بطرس لشتمه رسول الله" والذي حل في صدارة الهاشتاغات على تويتر بأكثر من 2000 تغريدة في خلال ساعات، وكتبت "كذبك هذا هو أكبر دليل على إنك تعلم جيدًا أن الإسلام هو الحق وإلا لما لجأت للتدليس ولكذبك هذا"، وحصدت التغريدة الأولى على نحو 698 مشاركة حتى اللحظات الأخيرة قبل نشر هذا التقرير.

الباحث اسحق إبراهيم: "خطورة ما حدث على المدى البعيد في مراكمة الاحتقان والتوتر أسفل السطح في انتظار شرارة ولحظة مناسبة للانفجار".

في اليوم التالي كررت أمل التدوين على نفس الهاشتاغ وكتبت "لا نامت أعين الجبناء قم وانصر دينك"، ليعلق على التدوينة 71 شخصاً ويشاركها 19 آخرين. وكانت ذروة نشاطها على الهاشتاغ في يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني، أي قبل ثلاثة أيام من تصدره رأس قائمة الأكثر تداولاً، إذ نشرت أمل مقطع فيديو لزكريا بطرس وهو يهاجم النبي محمد، وأتبعته بتدوينة "للناس اللي سألتني هو زكريا بطرس قال إيه على رسول الله، طبعاً دا أقل كلام وأقل استهزاء وشتم وسب قالوا* على رسولنا الكريم ، لكم أن تتخيلوا إن دا شخص طول حياته بيشتم ويسب في رسولكم الكريم ... فماذا أنتم فاعلون ؟!" ليحصد المنشور نحو 30 ألف مشاركة و69 ألف تعليق، غالبيتها أعادت تكرار نفس الهاشتاغ.

لكن أمل تعرضت في بعض التعليقات إلى اتهامات ببث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. ردت عليها أمل سريعاً: "هو أنا عشان بدافع عن رسولي وعن ديني اللي بيُسبوه بقالهم سنين يبقي بعمل فتنة [...] يا ناس أنا بيُحارب ديني، أنا بيُستهزأ برسولي وتريدون مني أن أصمت كيف هذا فلا نامت أعينُ الجبناء الذين لا يستطيعون نصر دينهم"، ثم واصلت التغريد على نفس الهاشتاغ بمقاطع فيديو عديدة، قبل أن تشارك حسابات أخرى منشورات أمل، ويتم تداول الهاشتاغ على نطاق واسع.

بتصفح الحساب الذي يحمل اسم أمل يظهر أنها تعمل محفظة للقرآن، وقد شاركت قبل ذلك في هاشتاغات عديدة عن الحرب على غزة، وأوضاع المسلمين في كشمير من خلال نشر مقاطع فيديو تحث على إنقاذ المسلمين في كشمير، وكذلك اهتمامها بمصرع لارس فيلكس رسام الكاريكاتير السويدي صاحب الرسوم المسيئة للنبي محمد، ومشاركة صور للداعية خالد الجندي، كذلك ونشر صورة للرئيس الراحل محمد مرسي معقبة عليها بعبارة "وعند الله تجتمع الخصوم".

على موقع تويتر، لم يختلف الأمر كثيراً. باستخدام أداة البحث المتقدم، اتضح أن أول من غرّد على هاشتاغ "عاقبوا زكريا بطرس"، حساب باسم سامح وآخر باسم أميرة، تأكد رصيف22 أنهما حسابين لشخصين حقيقيين وليسا آليين (بوت)، لكنهما ضمن حسابات متخصصة في "رفع الهاشتاغ" من خلال المشاركة بكثافة في الحملات الإلكترونية، ولكن لا يظهر أن لها توجه سياسي محدد.

باستخدام أداة social bearing لتحليل هاشتاغات تويتر، نجد ارتباط هاشتاغ "عاقبوا زكريا بطرس" بهشتاغات أخرى قديمة مثل "مقاطعة المنتجات الفرنسية"، ومشاركة قيادات محسوبة على جماعة الإخوان، مثل فاضل سليمان ومحمد الصغيرة بتلك الحملات، وهي قيادات خارج مقيمة خارج مصر.

لكن كتاباً مصريين كتبوا بشكل مغلق عبر حساباتهم الخاصة، يشككون في صحة أن تكون جماعة الإخوان المسلمين وراء إطلاق الهاشتاغ، ووجهوا اتهامات مبطنة للسلطات المصرية بصرف نظر الناس عن حالة الغلاء بإحياء "ترند" الطائفية من جديد.

من هو زكريا بطرس؟

أفاد بيان الكنيسة الصادر مساء السبت أن الكنيسة قطعت صلتها بالقس السابق زكريا بطرس منذ أكثر من 18 سنة "فهو كان كاهناً في مصر، وتم نقله بين كنائس عدة، وقدم تعليماً لا يتوافق مع العقيدة الأرثوذكسية لذلك تم وقفه لمدة، ثم اعتذر عنه وتم نقله لأستراليا ثم المملكة المتحدة، حيث علَّم تعليماً غير أرثوذكسي أيضاً، واجتهدت الكنيسة في كل هذه المراحل لتقويم فكره".

وتحدث البيان عن مسيرة بطرس "الكاهن السابق قدم طلبا لتسوية معاشه من العمل في الكهنوت، وقَبِل الطلب المتنيح (المتوفى) قداسة البابا شنودة الثالث بتاريخ 11 يناير 2003، ومنذ وقتها لم يعد تابعاً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أو يمارس فيها أي عمل من قريب أو بعيد، بعدها ذهب إلى الولايات المتحدة واستضاف البعض اجتماعاته في بيوت وفنادق، وحذرت ايبارشية لوس أنجلوس شعبها من استضافته وقتها".

وختم بيان الكنيسة "نحن من جهتنا نرفض أساليب الإساءة والتجريح لأنها لا تتوافق مع الروح المسيحية الحقة ونحن نحفظ محبتنا واحترامنا الكامل لكل إخوتنا المسلمين".

من جانبه، اعتبر إسحق إبراهيم الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن أجواء عام 2021 مختلفة تماماً عن 2008 و2012، بغض النظر عن "إعادة الحياة لزكريا بطرس ونشر فيديوهات قديمة له عن الإسلام والرسول".

وأضاف في تدوينة له عبر فيسبوك "لا السجال الديني مسيطر على الإعلام، ولا السلفيين بنفس قوتهم وقدرتهم على الحشد، ولا النزول إلى الشارع متاح أصلا، خطورة ما حدث على المدى البعيد في مراكمة الاحتقان والتوتر أسفل السطح في انتظار شرارة ولحظة مناسبة للانفجار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard