مختار جمعة وزير الأوقاف المصري... هل يُعيد الرصيف فيعصم المشاة من الموت؟

الثلاثاء 28 سبتمبر 202103:44 م

يصغرني الشيخ محمد مختار جمعة مبروك وزير الأوقاف بشهر وبضعة أيام، لكن خبراته الإدارية أتاحت له ما فاتني إتقانه وأنا رئيس تحرير مجلة "الهلال"، مسؤولاً عن ثلاث مطبوعات شهرية، المجلة والكتاب والرواية. كنت متفرغاً، ولا أملك ترف كتابة افتتاحية قصيرة حوالي 600 كلمة، إلا في اليوم الأخير، وأحياناً يسرقني الوقت. أما الوزير فمسؤول عن وزارة لها في كل قرية مساجد تديرها، وفي عموم مصر أوقاف تشمل أراضي زراعية وأصولاً حققت في العام المالي ‏الحالي إيرادات، وأرباحاً زادت على 1810 ملايين جنيه، بزيادة 263.5 مليون جنيه عن إيرادات الفترة نفسها من العام الماضي، وزادت إيرادات تموز/يوليو وآب/أغسطس 2021 على 222 مليوناً.

مهام كثيرة ومعقدة، أعان الله الوزير على متابعة ملفاتها المتشعبة، بجوانبها السياسية والدعوية والقانونية والمالية، وفوق هذا الجهد يجد الأستاذ الدكتور مختار جمعة فائضاً من خلوّ البال والوقت لخطبة الجمعة، وكتابة مقال أسبوعي، ومناقشة رسائل علمية بالجامعات، وتأليف الكتب.

أول ما صادفني من مؤلفاته كتيّب عنوانه "فقه الدولة وفقه الجماعة"؛ كتاب جيب يبلغ 95 صفحة، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2019، وثمنه خمسة جنيهات. قلت إن هذا الكتيّب، وما يليه، يغنيني عن قراءة مقالات أسبوعية سيجمعها بالضرورة في كتيّبات، وتصدرها هيئة الكتاب أيضاً بخمسة جنيهات، وآخرها "ضلالات الإرهابيين وتفنيدها"، إعداد أربعة تختفي أسماؤهم من غلاف يحمل "إشراف وتقديم" الوزير.

يتسع وقت الوزير لكتابة مقال أسبوعي في العدد الأسبوعي لصحيفة الأهرام، عنوانه الثابت "حديث الجمعة"، وله عنوان متغير وفقاً لمتن أبعد عن فن المقال، أقرب إلى خطبة. عنوان مقال الأسبوع قبل الماضي، 17 سبتمبر 2021، "التصامم عن سماع الحق".

كيف أتسامح مع وزير معمم يعظ الناس، ويعتدي على حق المشاة، ويلتهم الرصيف المحيط بالوزارة، ويقيم عليه جداراً حجرياً معدنياً، ويحوّل وزارة مهمتها النهي عن المنكر إلى ثكنة منكرة لا تسرّ الناظرين؟

لا تفتحوا قاموساً لتعرفوا معنى "التصامم"، واقرأوا "المقال" لتجدوا نصيب الكاتب 111 كلمة ذابت في "كلمات ربي" من آيات قرآنية شغلت حيّز "مقال" يبلغ نحو 430 كلمة. وإذا كانت هذه المساحة محجوزة لمنصب وزير لم نعهده، قبل المنصب الوزاري، كاتب مقال، فهل يكون لله ثلاثة أرباع مكافأة مقال كتب "الكاتب" 25 في المئة من حجمه؟ ومال الله تنتظره وجوه كثيرة للإنفاق.

كنت قد أجّلت قراءة كتاب "فقه الدولة وفقه الجماعة" للوزير مختار جمعة قليلاً، لأن في صدري شيئاً من سلوك تسلّح فيه الوزير بمنصبه، واستأسد على الباحث وجدي عبد القادر، وأهانه أمام أسرته، في حضور طلاب وأستاذة وخطباء وقيادات من وزارة الأوقاف التي تشرف على المساجد والخطباء في مصر.

جرى ذلك يوم 15 أبريل 2018، في جامعة الزقازيق، أثناء مناقشة رسالة للماجستير بعنوان "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، إذ نهض الوزير زاعقاً، واستخفّ بالباحث قائلاً إنه "حمار"، ورسالته "فيها هذا الجهل، وهذا الغباء". ثم وضع الميكروفون ولوّح بكلتا يديه، وضرب بهما الطاولة، في استعراض انفعالي أو انفعال استعراضي صفق له البعض.

الأستاذ الدكتور الوزير مختار جمعة حاكَمَ الأفكار، ولم يناقش المنهج، وأمر رئيس الجامعة بفتح تحقيق رسمي، لأن الباحث يرى الروح الإسلامية في مصر ضعيفة. كان أمام الوزير الخطيب وقت، وهو يفحص الرسالة قبل المناقشة، لكتابة تقرير علمي عن تهافت الرسالة، وعدم جدارة الباحث الذي ربما أراده نسخة من الأقدمين، ولا يهم أن تكون النسخة غير منقحة؛ فالأهم للوزير أنه قدم دفاعاً سياسياً عن مصر التي "حافظت على الإسلام"، وفيها أكثر من 120 ألف مئذنة. ورمى الميكروفون على المنصة، وهدد بالانسحاب من المناقشة، وكانت يمناه قد تخففت من الميكروفون، ورفع كلتا يديه، ثم هدأ قليلاً وقعد، وضرب الطاولة بيمناه ولعلها أوجعته.

الأهم للوزير أنه قدم دفاعاً سياسياً عن مصر التي "حافظت على الإسلام"، وفيها أكثر من 120 ألف مئذنة

الوزير تشكك في مقولة "أخطر الأصنام الجديدة هو الوطن، إذ إن لباسه للدين بمثابة الكفن" التي نسبها الباحث إلى محمد إقبال. إقبال والباحث كلاهما يُناقَش، لكن السباب إذا اقترفه وزير يكون إساءة سلطوية، وقهراً مضاعفاً، وتحقيراً للباحث بين أهله. وتمتد الإهانة إلى المشرف على الرسالة لإقراره "هذا الجهل، وهذا الغباء".

أما الإساءة الكبرى فهي لأخلاق العلماء، وخصوصاً مع الطلاب، وتجاهل آية "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم"، ولم يخض الباحث في آيات الله، ولكنه جاء بما يؤخذ منه أو يردّ، ولا يليق أن يكون الردّ تشهيراً بفظاظة وغلظة تردع أي باحث آخر عن التفكير خارج حدود إدراك الخطباء.

فصَلتُ واقعة الزعيق عن كتاب الوزير، ثم فتحته وأجّلت القراءة مجدداً، لأن في نفسي شيئاً من سياسته التي جسّدها عدوان لا يبالي به رافعو شعار "البلد بلدهم". كانت عجوز صماء بكماء تكسب عيشها الحلال ببيع تذكارات قديمة، عملات وصور وتحف صغيرة، على رصيف الوزارة في شارع شريف، قبل ضم الرصيف إلى مبنى الوزارة. فكيف أتسامح مع وزير معمم يعظ الناس، ويعتدي على حق المشاة، ويلتهم الرصيف المحيط بالوزارة، ويقيم عليه جداراً حجرياً معدنياً، ويحوّل وزارة مهمتها النهي عن المنكر إلى ثكنة منكرة لا تسرّ الناظرين. في مكان العجوز المسكينة وضعوا لافتة "انزل شارك"، في زفّة تعديلات دستورية تؤبّد وضعاً نابليونياً.

تقاس كفاءة الاحتراف الأمني بالقدرة على منع الجريمة، بدلاً من اللجوء إلى سلاح العاجز وهو المصادرة ولو للأرصفة. ويمكن أن يتسع بطن شرِه لقضم رصيف، فأي ضرورة أمنية تدعو وزارة الأوقاف إلى ابتلاع الرصيف؟ قرار أشبه بسيّئة جارية، لاضطرار المشاة إلى السير في نهر الشارع بين السيارات، وتعرضّهم للحوادث.

لم يضف الرصيف المنهوب إلى الوزارة إلا تشويهاً يؤذي العيون والأرواح، ويذكّر بافتقار طلبة الأزهر إلى الإحاطة بطرف من فلسفة الفنون، لكي تلين قلوبهم للجمال فلا يجترئوا عليه. ليتهم يدرسون كتاب "من بعيد" لطه حسين، وكان مشاركاً في مؤتمر للعلوم التاريخية ببلجيكا، في نيسان/أبريل 1923، حيث اجتمعوا في كنيسة أثرية كبرى.

مهام كثيرة ومعقدة، أعان الله الوزير على متابعة ملفاتها المتشعبة، وفوق هذا الجهد يجد الأستاذ الدكتور مختار جمعة فائضاً من خلوّ البال والوقت لخطبة الجمعة، وكتابة مقال أسبوعي، ومناقشة رسائل علمية بالجامعات، وتأليف الكتب!

يذكر طه حسين أنهم دعوا إلى كنيسة سانت جودول "لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة. خطبنا قسيس فلم يتحدث إلينا في دين المسيح"، وإنما في الآثار والعمارة، وناقش أثريين من ألمانيا وفرنسا عن الفروق بين العمارة في الدول الثلاث. وخطب في المؤتمر قسيس آخر "خطبة ليس بينها وبين الدين صلة". آلم العميد أن يقارن بينهم وبين رجال الدين في مصر، "لأن هذه المقارنة لا تسرّهم". أترك العميد وأرجع إلى كتاب الوزير، مستفتحاً الصفح بتصفّح البوابة الإلكترونية لوزارته، وفي صدارتها سيرته الذاتية بالعربية مترجمة إلى 15 لغة، ومؤلفاته تزيد على 60 كتاباً، ومنها "في رحاب فن المقال".

أنتهي من كتاب "فقه الدولة وفقه الجماعة"، وأطوي مقالاته التي تستشهد بالخطاب الفقهي التقليدي، وتستدعيه إلى سياق لا يلزمه ذلك الخطاب، مثل استعانته بما ذكره العز بن عبد السلام عن "الولاية العظمى"، وكذلك "منظور أهل العلم للإمام العادل"، وقوله: "وقد قرر الفقهاء أن العدو إذا دخل بلداً من بلاد المسلمين صار الجهاد ودفع العدو فرض عين على أهل البلد: رجالهم ونسائهم"، فما علاقة قرار الحرب الدفاعية في أي بلد بالفقهاء؟ وما علاقة الرصانة والسمات المعرفية للكتب باستسهال الوعظ المنبري؟ يقول تحت عنوان "الدولة لا الفوضى" إن الدولة "حماية، الدولة أمان، الدولة ثقة، الدولة استقرار، الدولة نظام، الدولة مؤسسات، الدولة أجهزة".

ويحذّر في الخطبة/المقال/الفصل نفسه من "مؤامرات خسيسة ودنيئة لتفكيك دولنا... ولا شك أن الفوضى التي تحدث حولنا كان مخططاً لها أن تدور في بلادنا، لكن ما تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة، ورجال الشرطة البواسل" أحبط المخطط.

وفي مقال آخر يذكر فضل الله "أن سخر لمصرنا العزيزة من عبر بها إلى برّ الأمان... في مصرنا الغالية نرسخ لنظام مؤسسي يحترم المؤسسات الوطنية"، وإن "رأس هرم السلطة في مصر" يرسخ دور المؤسسات. هكذا يعتمد خطاباً نصف سلفي، ولا يعترف بأن فصل المقال بين الدولة واللادولة هو العدل والحرية، وتخليص السياسة من رجال الدين، وغير هذا هو "التصامم عن سماع الحق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard