بعد وصول مفاوضات سد النهضة إلى طريق مسدود... ضوء أخضر لتدخّل الكنيسة المصرية

الخميس 6 مايو 202106:11 م

دخلت الكنيسة المصرية الأرثوذكسية على خط الخلاف القائم بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، وذلك بعد تصريحات أدلى بها البابا تواضروس الثاني، بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ليلة الاحتفال بعيد القيامة، في مقر الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة.

خلال عظته مساء السبت الماضي بمناسبة عيد القيامة المجيد (بالتقويم القبطي الأرثوذكسي)، قال البابا تواضروس الثاني: " نصلي أن يُنجح الله الجهود الطيبة والدبلوماسية حتى لا نلجأ لأي جهود أخرى (...) ندعو الجميع للبعد عن التعنت واللجوء للحل التوافقي الذي يضمن التنمية لكل الشعوب".

رسائل البابا تواضروس عن سد النهضة تأتي بعد صمت طويل منذ توليه كرسي الكرازة، عقب وفاة سلفة البابا شنودة الثالث في 2012، والذي أرسلت الكنيسة المصرية في عهده بعض الوجوه الكنسية للمشاركة فيما سمي بـ"وفود الدبلوماسية الشعبية" إلى إثيوبيا.

أتت كلمة البابا متزامنة مع خطاب نشره السفير المصري لدى الولايات المتحدة معتز زهران بصحيفة فورين بوليسي، ترجو فيه الخارجية المصرية من الولايات المتحدة التدخل لوقف الممارسات الإثيوبية وإنقاذ المفاوضات، ما أرسل إشارات إلى تعثر الإدارة المصرية في الوصول إلى حلول لازمة السد، قبل شهرين تقريباً من موعد الملء الثاني لسد النهضة.

وفشلت آخر جولة من المفاوضات عقدت في نيسان/أبريل الماضي بين مصر وإثيوبيا والسودان، في العاصمة الكونغولية كينشاسا، في التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث بشأن آلية ملء وتشغيل السد، وتجاوز أضراره المتوقعة على مصر والسودان خاصة في أوقات الجفاف.

وأبدى البابا تواضروس الثاني دعمه لمساعي السلطات المصرية لحل القضية قائلاً : "ندعم القيادة السياسية في مساعيها لإيجاد حل شامل وعادل لمشكلة المياه، يضمن حق الشعب المصري وشقيقه الشعب السوداني في الحياة التي وهبها الله".

أن تاتي متأخراً

رسائل البابا تواضروس عن سد النهضة تأتي بعد صمت طويل منذ توليه كرسي الكرازة عقب وفاة سلفة البابا شنودة الثالث في 2012، والذي أرسلت الكنيسة المصرية في عهده بعض الوجوه الكنسية للمشاركة فيما سمي بـ"وفود الدبلوماسية الشعبية" إلى إثيوبيا أثناء شروعها في بناء السد. مما يشير إلى أن حديث البابا الحالي جاء بعد منحه ضوءًا أخضر من السلطات المصرية للحديث عن سد النهضة، حسب ما يرى كميل صديق، سكرتير المجلس الملي للكنيسة الأرثوذكسية، الذي قال لرصيف 22: "لا أستبعد طلب الدولة المصرية من البابا تواضروس الحديث في هذا الأمر. لكني لا أؤكد".

وتضطلع الكنيسة بدور تهيئة الجو لنجاح المفاوضات بين السياسيين والفنيين، في إحدى القوى الناعمة لتهيئة الجو بين المتفاوضين، وفق تصريحات سابقة للأنبا بيمن مسؤول ملف العلاقات الكنسية بين مصر وإثيوبيا.

كان أول مطران لإثيوبيا وهو الأب فورمنتيوس معيناً من القديس إثناسيوس، البابا 20 للكرسي البابوي في الأسكندرية سنة 329 ميلادية، لتؤسَّس الكنيسة الإثيوبية تحت مظلة الكرازة المرقسية في الأسكندرية.

علاقات تاريخية

تأتي رسائل البابا عن سد النهضة مدفوعة بروابط تاريخية بين الكنيستين المصرية والإثيوبية. فالكنيستان الشرقيتان اللتان تتبعان الطائفة الأرثوذكسية تتمتعان بعلاقات قوية، فحتى عام 1949، كان مطران كنيسة إثيوبيا راهباً مصرياً، فبحسب تقليد كنسي امتد لأكثر من 16 قرناً، يقوم بابا الكرسي الكرازة المرقسية في الأسكندرية المصرية بسيامة مطران إثيوبيا من بين الرهبان المصريين، فقد كان أول مطران لإثيوبيا وهو الأب فورمنتيوس معيناً من القديس إثناسيوس، البابا 20 للكرسي البابوي في الأسكندرية سنة 329 ميلادية، لتؤسس الكنيسة الإثيوبية تحت مظلة الكرازة المرقسية في الأسكندرية.

 لذا كانت تعتبر الكنيسة المصرية هي "الأم" للكنيسة الإثيوبية، وظل الحال على ما هو عليه، حتى بدأت مطالبات الكنيسة الإثيوبية بإدخال تعديلات على العلاقة بين الكنيستين، انتهت بقيام كنيسة الأسكندرية بترسيم الأنبا باسيليوس أول بطريرك إثيوبي للكنيسة الإثيوبية عام 1949، وهو الاتفاق الذي مهد للانفصال بين الكنيستين.

وحسب موسوعة تاريخ الأقباط، توترت العلاقات مرة أخرى بين الكنيستين، إذ رفضت الكنيسة الإثيوبية الاشتراك في سيامة البابا كيرلس السادس سنة 1959، ليتولي منصب بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وطالبت بترفيع مطران إثيوبيا إلى مركز "بطريرك"، وانتهى الأمر إلى توقيع اتفاق عرف باسم "بروتوكول 1959"، قام من خلاله  بطريرك الكنيسة القبطية البابا كيرلس السادس بتتويج باسيليوس أول بطريرك على الكنيسة الأرثوذكسية بإثيوبيا.

حاولت الكنيسة المصرية الاحتفاظ بالعلاقة التاريخية مع كنيسة إثيوبيا، لكن مع سيطرة الشيوعيين على إثيوبيا عام 1974 بقيادة منجستو واعتقال البطريرك، انفصلت الكنيسة عن الدولة، وأعدم البطريرك سراً، ورفضت الكنيسة المصرية الاعتراف بالبطريرك الجديد الذي نصبته السلطات الشيوعية، وانقطع التواصل بين الكنيستين على المستوى الرسمي منذ هذا التاريخ حتى سقوط نظام منجستو عام 1991 وتولي الجبهة الشعبية الديمقراطية مقاليد الحكم.

وعام 1994 عادت العلاقات بين الكنيستين، إذ تم توقيع بروتوكول بينهما يشير إلى أن الكنيسة الإثيوبية صارت مستقلة، لكن تربطها بكنيسة الأسكندرية روابط روحية وعقائدية كبيرة. وتجري رسامة آباء الكنيسة الإثيوبية حتى الآن بالأسماء التاريخية لقديسين وآباء الكنيسة المصرية.

تشهد التحرشات المتكررة من الرهبان الإثيوبيين برهبان دير السلطان المصري في القدس ومحاولاتهم السيطرة على الدير بتوتر العلاقات بين الكنيستين.

الدولة لم تطلب تدخل البابا شنودة

تزايدت حدة التوترات حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا خلال السنوات الخمس الماضية، لكن الخلاف بين البلدين حول ملف المياه يعود إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد كانت أولى خطوات الخلاف عام 2001، حين أعلنت إثيوبيا نيتها إقامة عدد من المشروعات على أنهارها الدولية ومنها نهر النيل، والنيل الأزرق أكبر روافده، وفي مايو/أيار 2010 تم توقيع اتفاقية عنتيبي بين ست دول من حوض النيل، ورفضت مصر والسودان التوقيع وأدانتاها كونها تنتقص من حصصهما التاريخية من مياه النيل، وجمدت مصر على إثرها عضويتها في مبادرة حوض النيل. وفي نيسان/أبريل 2011 أعلنت الحكومة الإثيوبية تدشين مشروع سد النهضة لتوليد الطاقة الكهرومائية.

في هذه الفترة كان البابا شنودة الثالث هو بابا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وحينها كانت المفاوضات جارية بين القاهرة وأديس أبابا حول ملف مياه النيل، شاركت في تلك المفاوضات وفود كنسية بين البلدين. منها الزيارة التي قام بها البابا شنودة الثالث إلى إثيوبيا عام 2008، قالت وسائل إعلام - حينها- إنها "من أجل تقريب وجهات النظر حول ملف المياه". أعقبها بعامين زيارة بطريرك إثيوبيا الأنبا بولس، للبابا شنودة في القاهرة في أواخر 2010.

وخلال الزيارة لم يتطرق بولس وشنودة إلى أزمة سد النهضة ولا الاتفاقية الإطارية - كما كان متوقعاً آنذاك – ونقلت صحيفة المصري اليوم المحلية عن أحد الحاضرين لاجتماع البابا شنودة مع نظيره الإثيوبي، أنهما لم يتطرقا إلى أزمة مياه نهر النيل"، مشيراً إلى أن الدولة "لم تطلب رسمياً من البابا التدخل في الموضوع".

وقال: "لو طلبت الدولة، فالبابا لن يتواني عن تقديم أي مساعدة يستطيع القيام بها".

ويقول صديق لرصيف22: "إن أزمة سد النهضة لم تكن حاضرة بقوة في وقت البابا شنودة الثالث حتى يتدخل"، مستعبداً تجاهل الدولة – آنذاك – لدور الكنيسة في أزمة سد النهضة.

ويضيف أن البابا تواضروس تحدث عن ملف المياه لأن موعد الملء الثاني لسد النهضة شارف الاقتراب، إذ لم يتبقَّ سوى شهرين.


(دير السلطان - دير مصري في القدس تحاول الكنيسة الإثيوبية الاستحواذ عليه) المصدر: فليكر - منشور تحت رخصة استخدام مفتوحة.

مسؤول كنسي: "الأيام تحمل متغيرات كثيرة"

في أيلول/سبتمبر عام 2015 قام البابا تواضروس الثاني بزيارة هي الأولى له إلى إثيوبيا برفقة وفد كنسي، التقى خلالها عدداً من المسؤولين والقيادات الكنسية ألإثيوبية. وقال قبل زيارته لصحيفة الأهرام – لسان حال الدولة- في مصر: "الإحساس الوطنى وعلاقة الكنيستين يدفعانني من أجل إيجاد حالة من التوافق بين البلدين".

وفي مقابلة مع الإعلامي شريف عامر تحدث البابا تواضروس عن هذه الزيارة، وقال إنه التقى – حينها - بعدد من الوزراء وتحدث معهم عن سد النهضة والمخاوف المصرية من تأثير ذلك على حصة مصر في نهر النيل، من دون الإِشارة إلى تفاصيل أخرى.

وكانت زيارة البابا تواضروس، عقب زيارة أولى قام بها البابا متياس الأول بطريرك إثيوبيا إلى القاهرة في كانون الثاني/يناير 2015، وفي أثناء هذه الزيارة اصطحب البابا تواضروس نظيره الإثيوبي ليزورا معاً الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قال لهما "بحس الدعابة" – على حد تعبير البابا - "يا إما تحلوا لنا المشكلة أو نجيب الـ 100 مليون مصري ونيجي عندكوا إثيوبيا".

حديث السيسي لتواضروس الاني ومتياس عن سد النهضة، وإن كان حمل روح الدعابة، لا يخلو من إطار سياسي جاد، عن طريق استحضار العلاقة التاريخية بين الكنيستين المصرية والإثيوبية، للعب دور في أزمة سد النهضة. وهو ما أكده البابا تواضروس في المقابلة نفسها بقوله إن تدخل الكنيسة المصرية في أزمة سد النهضة " لا يعد سياسة". وهو ما يشير إلى عدم وجود مانع لدى البابا من تدخل الكنيسة في الأزمة.

يؤكد ذلك المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القمص موسى إبراهيم لرصيف22، بقوله إن "جزءاً من مكونات الكنيسة هو الانشغال بأي قضية من قضايا الوطن".

وفيما يتعلق بقيام الكنيسة في عهد البابا تواضروس الاني بدور أكبر في المفاوضات من عهد سلفه البابا شنودة الثالث، علق إبراهيم: "الكنيسة المصرية لن تتأخر في أي شيء تستطيع فعله سواء كان البابا شنودة أو البابا تواضروس"، معقباً على ذلك بأن " الأيام تحمل تغيرات كثيرة".

ويضيف صديق أن الكنيسة لم تعد صامته حول هذا الملف، فالبابا تواضروس يقوم باتصالات وجولات لكنها في حدود اختصاصاته وسلطته الروحية فقط.

وفي كل الأحوال، فإن الكنيسة المصرية لم يعد لها اليد الطولى على الكنيسة  الإثيوبية، بعد انفصال الأخيرة عن سلطتها بموجب بروتوكول 1959، وهو ما يشير إليه صديق بأن "البابا لا يستيطع أن يصدر أمراً خارجاً عن اختصاصاته وسلطته الروحية"، وهو ما يؤكده حديث البابا تواضروس مع شريف عامر وتصريحه بأن "كنيسة أثيوبيا لم تعد كما كانت قبل 60 سنة، إذ تعرضت للضعف، ولم يعد لها نفس الدور الذي يمكن أن تقوم به لأنها كانت مرتبطة مباشرة بالإمبراطور هيلاسيلاسي الذي كان أرثوذكسياً".

وتشهد التحرشات المتكررة من الرهبان الإثيوبيين برهبان دير السلطان المصري في القدس، ومحاولاتهم المتكررة للسيطرة على الدير، بتوتر العلاقات بين الكنيستين. 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard