شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
ورش طابية عرابي... مصائر مهددة من أجل مشروع محروم من الميزانية

ورش طابية عرابي... مصائر مهددة من أجل مشروع محروم من الميزانية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأحد 5 ديسمبر 202112:10 م

في مطلع الستينيات من القرن الماضي، جاء وقت محمد الطرابيلي للبحث عن مهنة ثابتة وعمل مستقر بمجرد بلوغه سن السابعة عشرة.

في دمياط التي اشتهرت بأنها من قلاع التصنيع والتجارة في مصر، كانت الفرص أمام الطرابيلي مفتوحة للعمل بصناعة الأثاث ومصانع الحلويات أو مصانع منتجات الألبان التي اشتهرت بها المحافظة، أو حتى العمل بالصيد، مستغلاً الموقع الفريد للبلدة الواقعة عند واحدة من نقطتي التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط، إلا أنه اختار أن يستمر في حرفة أبيه وجده التي تصله بالبحر من دون أن تلقيه بين أمواجه. وفي رحاب "طابية عرابي" بدأ الطرابيلي العمل في الورشة الجديدة – وقتها - التي يعمل بها والده لبناء وصيانة سفن الصيد.

ستون عاماً قضاها الطرابيلي في رحاب الطابية حتى بلغ 77 عاماً، بدأ فيها عاملاً، وادخر حتى افتتح مع شقيقه ورشتهما الخاصة.

ومع اقتراب الثمانين؛ لا تزال يداه مشغولتان بالأخشاب والحبال، في وقت ينقل الحرفة إلى الأبناء والأحفاد أملا في أن تستمر "صنعة" العائلة وتظل ورشتها قائمة. إلا أن ذلك التاريخ الممتد عبر أجيال صار مهدداً بالانتهاء بموجب قرار صدر في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بإنهاء وجود كل الورش حفاظاً على "طابية عرابي" التي سجلت ضمن الآثار الإسلامية، من دون أية إشارة إلى تعويضات أو نقل إلى مساحة بديلة.     

أنشئت الورش بناء على قرار من وزير الزراعة في 1962، وتحولت المنطقة إلى حرم أثري في 1985، وتدخلت "جهات عليا" لإزالتها في 2021 من دون تعويض أو حفاظ على النشط الاقتصادي

طابية عرابي

بحسب المصادر التاريخية المنضبطة، وعلى رأسها كتاب الرافعي عن "الزعيم عرابي" ومذكرات أحمد عرابي نفسه الصادرة في جزئين عن دار الكتب والوثائق المصرية، فإن زعيم "الثورة العرابية" لم تطأ قدماه دمياط، وإن أسس مقاومته للاحتلال الإنجليزي (1882) من كفر الدوار غرباً "غرب الأسكندرية" إلى التل الكبير (الإسماعيلية) شرقاً، من خلال توزيع الجنود على سواحل المتوسط، وكان من نصيب دمياط الجنود السودانيين الأشداء تحت قيادة القائد عبدالعال حلمي.

تحصن عبدالعال وجنوده بقلعة صغيرة بناها الفرنسيون على أنقاض حصن قديم بمنطقة عزبة البرج شرق النيل قرب المصب، وأمدهم أهالي دمياط بالمؤن معرضين أنفسهم للخطر في ملحمة لم يجتهد المؤرخون كثيراً في تسجيلها. وبعد الهزيمة قرر أهالي دمياط أن يطلقوا على القلعة اسم "طابية عرابي" في اعتراف بفضل الزعيم المهزوم المنفي في قيادة المقاومة ضد الاحتلال، في وقت رحب فيه القصر بالإنجليز.

  بحسب الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار، فإن طابية عرابي واحدة من ثلاثة مواقع أثرية مسجلة في دمياط. وسبق وأن أعلنت الوزارة مراراً في عهود مختلفة عن تخصيص ميزانية لترميمها، إلا أن أي من مشروعات الوزارة لم ينفذ.

أصحاب الورش: ندخل لمصر عملة صعبة بتصدير الإنتاج. لا نطلب أية تعويضات، ولا نريد سوى نقلنا إلى مكان آخر لنواصل العمل ونحافظ على مصادر أرزاقنا وأرزاق العمال 

تاريخ آخر

على مساحة تزيد قليلاً على خمسة أفدنة، تعمل نحو 10 ورش لتصنيع وصيانة السفن واليخوت ومراكب الصيد والإمداد. نجح بعضها في صناعة مراكب شحن ويخوت تباع خارج مصر.

تعود نشأة الورش في هذه المنطقة إلى قرار 77 لسنة 1962 الصادر عن وزير الزراعة واستصلاح الأراضي (والثروة السمكية)، بتخصيص تلك المساحة مرساً لسفن الصيد الآلية. وبطبيعة الحال، جذب المرسى (المرفأ) عدداً من محترفي صيانة وتصنيع السفن لتقديم خدماتهم إلى السفن الراسية.

في عام 1985، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 21 باعتبار طابية عرابي أثراً إسلامياً وتسجيلها تحت اسم "قلعة عرابي"، فباتت الورش والمرفأ في "حرم الأثر"، على الرغم من كونها سابقة على تقنين وضعه الأثري. وحرم الأثر هي مساحة تحدد بـ50 متراً في كافة الاتجاهات بحسب اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار المصرية.

استناداً إلى الطبيعة الأثرية للطابية، صدر قراران لإزالة الورش القريبة، اولها كان سنة 2006، والثاني صدر في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر المنقضي.

يأتي قرار الإخلاء بناء على مؤتمر أقامته القوات المسلحة، في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول، صدر بناء عليه قرار إزالة الورش، باعتبارها "متعدية على حرم قلعة عرابي بعزبة البرج محافظة دمياط".

المفاجأة كانت لدى مختار عادل القزاز، مدير منطقة الآثار الإسلامية والقبطية بدمياط، الذي أكد لرصيف22 أن قرار تطوير الطابية الصادر بموجبه قرار الإزالة، لم تخصص له ميزانية بعد

واعتبرت السلطات الورش متعدية على الأثر، على الرغم من أن تاريخ إقامة الورش سابق على تقنين الأثر، وأنها وجدت بناء على قرار رسمي من أحد وزراء الدولة، ما يعني أنه وفقاً لقانون حماية الآثار، يصبح الوضع القانوني للورش والأرض المقامة عليها هو "نزع الملكية للمنفعة العامة" وهو الوضع الذي ينظمع القانون رقم 10 لسنة 1990.

بحسب القوانين المصرية، تنزع ملكية العقارات والمنشآت الواقعة في حرم الأثار المسجلة أو المكتشفة، ويعوَّض أصحابها مالياً أو بالنقل إلى مساكن ومنشآت بديلة. وفي حالة كون المنطقة المنزوعة مؤجرة إلى أطراف أخرى من مالكها الأصلي، يصبح على الدولة أن تعوِّض كل من المالك والمستأجر، بحسب القانون 10 لسنة 1990 وتعديلاته اللاحقة.  

 لكن الوضع القانوني لتلك الورش مربك، فهي مقامة على أراض تملكها الدولة، والدولة هي المالك والمؤجر، واطلع رصيف22 على إيصالات - حصل رصيف22 على نسخ منها- تثبت تسديد أصحاب الورش الإيجارات المستحقة لصالح رئاسة مجلس الوزراء، إلا أن محافظة دمياط لا تعترف لهم بأية حقوق في التعويض و/ أو النقل إلى موضع آخر.

مصدر بالمجلس المحلي لمدينة عزبة البرج رفض ذكر اسمه قال لرصيف22 أن الأوامر بالإزالة من دون تعويض أو نقل إلى مكان بديل، صدرت عن جهات عليا وباتت أجهزة الحكم المحلي "مجرد جهة تنفيذ".

وبحسب خطاب الإنذار بالإخلاء الذي حصل عليه رصيف22، فقد صدر قرار إزالة الورش بموجب خطاب من وزارة الآثار موجه إلى الوحدة المحلية بمدينة عزبة البرج، هذا الخطاب نفسه صدر بناء على قرار اتخذ خلال مؤتمر عقدته هيئة العمليات بالقوات المسلحة في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وصدر بناء عليه قرار إزالة مؤرخ بتاريخ 7 نوفمبر/ تشرين الأول 2021.

 

خبرات إلى خارج سوق العمل

 بحسب الطرابيلي، يعمل بالورش الموجودة في ترسانة عزبة البرج ما يزيد على 2000 من العمال وأصحاب الورش الذين لا يعرفون مهناً أخرى وبعضهم قضى فيها ما يزيد على 60 عاماً.

يتذكر الطرابيلي: "أقمت وشقيقي ورشتنا قبل 40 عاماً، بعد 20 عاماً من العمل في ورشة السعيد ندا (أقدم ورش المنطقة). كنا نعمل في أمان حتى جاء قرار الإزالة الأول في 2006، لكن لم يحدث شيء بعد إصدار القرار. لكن فوجئنا بقرار جديد، قالت المحافظة إنه نهائي، في منتصف نوفمبر، بدعوى التعدي على أملاك أثرية، في وقت ندفع القيمة الإيجارية للورشة كل عام لمجلس مدينة عزبة البرج".

يعمل في ورشة الطرابيلي وحدها 200 عامل ما بين حدادين ونجارين وميكانيكية، يأملون في أن تقدم السلطات التنفيذية بديلاً حتى لا يفقدوا مصادر أرزاقهم.

يلتقط محمد توفيق البالغ من العمر 47 عاماً، الشريك بإحدى الورش طرف الحديث قائلاً: "ورثت المهنة أبا عن جد، عندما جئنا كانت المنطقة مجرد خرابات وأراض تنمو فيها الحشائش. قام أصحاب الورش الأوائل في 1962 بتنظيف المنطقة، وبدأت صناعة السفن واليخوت السياحية تنتعش لصالح عملاء في بلدان كالسعودية، والإمارات والكويت".

مع نجاح الورش في "إدخال العملة الصعبة" للبلاد، لا يفهم توفيق لِمَ يرفض المجلس المحلي نقل الورش إلى منطقة بديلة "نحن لا نعترض على قرارات الدولة، بل نحتاج لبديل فحسب كي لا يتشرد العمال".

الآثار: "مفيش ميزانية"

المفاجأة كانت تنتظرنا في مكتب مختار عادل القزاز مدير منطقة الآثار الإسلامية والقبطية بدمياط والتي تتبعها الطابية، الذي أكد لرصيف22 أن قرار تطوير الطابية الصادر بموجبه قرار الإزالة، لم تخصص له ميزانية بعد.

قال القزاز "وزارة الآثار لم تخصص ميزانية بعد لترميم الطابية" واستدرك: "لكن الورش المقامة مخالفة للقانون كونها في حرم الأثر. ولم يعلق القزاز على أن قرار تسجيل الطابية باسم قلعة عرابي صدر بعد 23 عاماً من القرار الوزاري بتخصيص ما يربو على 5 أفدنة لصالح إقامة المرسى، وكذلك بعد تقنين وضع الورش من خلال تقاضي الإيجارات.

وأضاف القزاز "يأتي للطابية زوار من مختلف محافظات مصر، غالبيتهم طلاب مدارس وكليات، يأتون في إطار رحلات الوعي الأثري التي تنظمها المنطقة دون سداد أي رسوم. ولكن مع جائحة كورونا تراجعت الزيارات إلى حد ما. وقد زار الطابية العام الماضي سيَّاح من دولة الدنمارك".

وأوضح القزاز أن جمعية تعاونية في دمياط باسم "شركة الجمعية التعاونية للإنشاء والتعمير" أنشأت سوراً حول القلعة "الطابية" لحمايتها. وأن الأثر المسجل باسم "قلعة عرابي" بحاجة إلى عمل حفريات لاستكشاف "الأماكن المندثرة التي تظهر شواهدها" بالإضافة إلى "وجود مشروع ترميم متكامل لترميم كافة مباني القلعة التي في طريقها للاندثار".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard