أحيتها احتفاليّة "طريق الكباش"... مطالبات مصرية باستعادة الآثار "المهرَّبة"

الثلاثاء 30 نوفمبر 202104:50 م

 عقب انتهاء احتفالية افتتاح طريق الكباش بعد تجديده، مساء الخميس 25 تشرين الثاني/ نوفمبر بمدينة الأقصر، ذكّرت صورة المسلة الناقصة في مدخل معبد الأقصر فريق كبير من المصريين بمعاودة مطالبة الرئيس عبدالفتاح السيسي بفتح ملف استعادة الآثار المصرية في الخارج، على رأسها المسلة التي تقف منذ العام 1831 في ميدان الكونكورد في باريس.

وطالب عضو مجلس النواب الصحافي أحمد بلال، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، بإطلاق "حملة دولية طويلة لاستعادة آثار مصر بالخارج، بغض النظر عن مدى قانونية خروجها".

بالتزامن، تواصل في "هوتيل دي لا مارين" الملحق بقصر الكونكورد في العاصمة الفرنسية باريس معرض "كنوز آل ثاني" بالتعاون بين الخارجية الفرنسية وأجهزة الثقافة الرسمية في دولة قطر، لعرض مجموعة من مقتنيات العائلة الحاكمة في قطر، من بينها قطع أثرية مصرية قديمة وأخرى إسلامية.

أمام مجلس النواب

الموقع الأصلي لمسلة الكونكورد، مدخل بهو الأعمدة في معبد الأقصر

لم يكتف النائب أحمد بلال بما كتبه عبر فيسبوك، وإنما تقدم باقتراح لمجلس النواب "للتحرك بهدف استعادة الآثار المصرية الموجودة بالخارج من دون النظر لطريقة خروجها من مصر بما فيها ما يقولون عنه إنه قانوني".

ويصطدم اقتراح بلال بالقوانين والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مصر، وأبرزها اتفاقية اليونسكو لحماية الآثار، وهي تنص صراحة على أن الآثار المهداة والمباعة لا ترد، وهذا حال معظم الآثار الموجودة خارج مصر والتي خرجت هدايا من الحكام المتوالين بدءاً من محمد علي وصولاً إلى جمال عبدالناصر، أو بيعت بطريقة مشروعة قبل إقرار قانون حماية الآثار الرقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته اللاحقة، أو ضمن الحصة التي تحصل عليها البعثات الأجنبية المكتشفة للآثار، والتي يحددها القانون المصري بعد موافقة لجنة مختصة من المجلس الأعلى للآثار.

خبير آثار: بعض القوانين المصرية ساهم في تمكين الأجانب من إخراج الآثار بطريقة مشروعة

ويرى بلال أن وجود مسلة رمسيس الثاني في ميدان الكونكورد بالعاصمة الفرنسية باريس "أمر غير مفهوم، إذ يفقد المسلة أهميتها التاريخية، فمكانها الطبيعي هو متحف الأقصر (في إشارة إلى معبد الأقصر)". ويطالب باستعادة حجر رشيد ورأس نفرتيتي وهما من الآثار الشهيرة التي وجدت طريقها إلى الخارج عن طريق استيلاء المكتشفين عليها من دون مراجعة السلطات المصرية، وقبل إصدار قوانين من شأنها تنظيم خروج الآثار من البلاد.

ويحق لمصر، بحسب الاتفاقيات الدولية، أن تستعيد آثارها التي خرجت منها بطريقة غير مشروعة، شريطة أن تكون مسجلة لديها. يقول بلال: "هناك لجنة مصرية تجوب العالم وتتعقب الآثار التي تظهر في المزادات"، ويرى في قيام حكام مصر بإهداء آثار مصرية إلى دول أو أفراد في الخارج "تعدياً على حق الأجيال التالية".

 يحق لمصر، بحسب الاتفاقيات الدولية، أن تستعيد آثارها التي خرجت منها بطريقة غير مشروعة، شريطة أن تكون مسجلة لديها، وهو شرط غير متحقق في الكثير من الآثار الموجودة خارج البلاد

مسلة سنوسرت الأول بالمطرية - شرق العاصمة - يعاني محيطها من الإهمال وتراكم القمامة والصرف الصحي

ويبقى من المسلات المصرية 21 فقط، تحتفظ مصر بخمس منها، وروما بـ13 نُقلت جميعها إبان الاحتلال الروماني لمصر منذ سنة 30 قبل ميلاد المسيح حتى مجيء جيش عمرو بن العاص. ودُمّرت مئات المسلات التي بقيت في مصر على مدى القرون الماضية.

وكان عالم المصريات وأول مكتشف لمعاني اللغة المصرية القديمة شامبليون قد لحق بالآثار والمسلات المدمَّرة، كي يحصل من محمد علي، على مسلة معبد الأقصر المرفوعة في ميدان الكونكورد الباريسي. 

تفصيلة فنية من قاعدة مسلة الكونكورد توضح عملية نقلها

استيلاء؟

يذكر الدكتور عبدالرحيم ريحان، مدير عام البحوث والنشر العلمي بوزارة السياحة والآثار، لرصيف22، أن رأس نفرتيتي الذي يعد أشهر قطع متحف الفن القديم في برلين خرج بطريقة "غير مشروعة عن طريق التدليس"، إذ سجل رئيس البعثة الاستكشافية، الألماني لودفيج بورخاردت، معلومات غير صحيحة تقلل من أهمية القطعة النحتية أثرياً وتاريخياً، ما سهل استيلاءه عليه. وهي الرواية التي تنفيها ألمانيا.

يأتي تكرار المطالب باستعادة الآثار المصرية من الخارج في وقت تتصاعد مخاوف خبراء الآثار والمهتمين بها على الآثار المصرية الموجودة في الداخل، لا سيما الإسلامية منها

 ووقّعت مصر و140 دولة على اتفاقية اليونسكو الصادرة عام 1970، والتي تهدف لحماية التراث البشري والمحافظة على حقوق الدول في تراثها. إلا أن تصريحات سابقة لوزير الآثار المصري خالد العناني قال فيها إن مصر تواجه صعوبة في استرجاع آثارها نتيجة بعض مواد اتفاقية اليونسكو التي تجعل من الآثار المسجلة في بلدها الأصلي فقط هي ما يحق للدولة استرجاعه.  

 ويعلق الدكتور بسام الشماع، وهو خبير في علم المصريات: "هناك محاولات منذ سنوات طويلة مع اليونسكو حول موضوع مسلة الكونكورد على وجه الخصوص. وصدرت تقارير فرنسية تدعم الطرح المصري بأن موقع المسلة قرب نهر السين خطر عليها". وتستند المؤسسات المصرية إلى تلك التقارير في مطالبتها باستعادة المسلة إلى موقعها الأصلي في مدخل معبد الأقصر.

وبحسب الشماع "ردود اليونسكو تأتي مخيبة للآمال، وتقول إن الدول الموجودة فيها الآثار المصرية هي في عهدة سلطاتها التي تحافظ عليها وتهتم بها". وطالب الشماع بـ"تحرك مصري قوي يصل إلى التهديد بالانفصال عن اليونسكو إذا ظل التعامل مع الآثار المصرية بتلك الطريقة".

ويضيف الشماع أن بعض القوانين المصرية ساهم في تمكين الأجانب من إخراج الآثار بطريقة مشروعة، منها القانون الذي أصدره الوالي محمد علي عام 1835، والذي عرف بنظام القسمة. وهو أعطى البعثات الأثرية الحق في الحصول على 50% من الآثار التي تكتشفها. كذلك صدر قانون عام 1951، في عهد الملك فاروق آخر ملوك أسرة محمد علي، نص في إحدى مواده على السماح بتبادل الآثار المكررة مع المتاحف أو الأشخاص، أو بيعها أو التنازل عنها للهيئات أو الأفراد المصرح لهم بالتنقيب. واستمر العمل بهذه المراسيم قائماً حتى صدر القانون رقم 117 لعام 1983 المعروف باسم "قانون حماية الآثار المصرية" والذي خفض النسبة إلى 10% فقط "من الآثار المكررة". لكن تعديلات عام 2010 عليه قررت أن جميع الآثار التي تكتشفها البعثات الأجنبية أو المصرية تصبح ملكاً لمصر. 

الاتجاه المعاكس

يأتي تكرار المطالب باستعادة الآثار المصرية من الخارج في وقت تتصاعد مخاوف خبراء الآثار والمهتمين بها على الآثار المصرية الموجودة في الداخل، لا سيما الإسلامية منها، التي تتعرض للإهمال والانهيار نتيجة إنشاء طرق تعدها الدولة حالياً.

 وكان رصيف22 قد  تتطرق لهذه القضية في تقريرين سابقين. 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard