صفقات عسكرية وقضايا شائكة وانتقادات حقوقية… قراءة في جولة ماكرون بالخليج

السبت 4 ديسمبر 202106:13 م

قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بجولة في منطقة الخليج العربي، بدأها بزيارة أبوظبي حيث وقّع واحدة من أكبر صفقات الأسلحة بين البلدين وقيمتها 18 مليار دولار، قبل أن يتنقل بين قطر والسعودية لمناقشة العديد من القضايا الساخنة.

وتعرض ماكرون إلى انتقادات حقوقية بسبب لقائه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كأول زعيم غربي بارز يلتقيه منذ مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، وهي الجريمة المروعة التي أضرت بسمعة المملكة واتهم بن سلمان بإعطاء الأمر لتنفيذها.

كما هوجم لتقديم مزيد من الأسلحة لدول خليجية متورطة في نزاعات مسلحة بعدة بلدان في المنطقة، ومشاركاتها مشبوهة بانتهاكات حقوق الإنسان.

في الأثناء، أُلقي اللوم على حكام الدول الخليجية لاستضافتهم ماكرون المتهم بشن "حملة مسعورة" على المسلمين في أوروبا وخصوصاً في بلاده، بما في ذلك فرض القيود على الحجاب وتمويل الجمعيات الإسلامية والمساجد، وأيضاً بسبب توتر علاقته بالجزائر خلال الآونة الأخيرة.

صفقات عسكرية مع الإمارات

من أبوظبي، أعلن ماكرون أن الإمارات اشترت 80 طائرة حربية حديثة من طراز رافال في صفقة قالت وزارة الدفاع الفرنسية إنها تبلغ 16 مليار يورو (18 مليار دولار أمريكي).

أُعلن أيضاً عن صفقة أخرى مع الإمارات لشراء 12 طائرة هليكوبتر مقاتلة من طراز إيرباص، في ما قد يمثل أكبر عقد تصدير أسلحة فرنسي على الإطلاق بعد انهيار عقد بقيمة 66 مليار دولار مع أستراليا لشراء 12 غواصة فرنسية، وهي الصفقة التي ذهبت في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة.

ويسعى العديد من الدول الغربية في الآونة الأخيرة إلى مزيد من التعاون الاقتصادي مع دول الخليج المنتشية بارتفاع أسعار النفط. ويبدو أن جولة ماكرون استهدفت ضمان نصيب فرنسا من هذه المكاسب.

صفقة مقاتلات حربية بـ18 مليار دولار، ونحو 7000 وظيفة للفرنسيين، و"تعميق" العلاقات الثنائية... جولة يبدو أنها "رابحة" لماكرون في دول الخليج، يعكر صفوها بعض الانتقادات الحقوقية

وتتمتع فرنسا بعلاقات عميقة مع الإمارات التي زارها ماكرون بعد شهور قليلة من فوزه في الانتخابات الرئاسية. وتمتلك باريس قاعدة بحرية في الإمارات، كما تتمركز طائرات حربية وعسكريين في منشأة رئيسية خارج العاصمة أبوظبي.

في حديث مع الصحافيين في دبي، قال ماكرون إن العقود الموقعة "مهمة لتعميق التعاون الدفاعي بين فرنسا والإمارات، لحفظ استقرار المنطقة وتعزز الحرب المشتركة ضد الإرهاب".

وأضاف: "هذه العقود مهمة للاقتصاد (الفرنسي) وتخلق فرص عمل في فرنسا. هذا بالطبع جيد للرجال والنساء الفرنسيين، أنا أدافع عن ذلك بحماس"، رافضاً مخاوف نشطاء حقوق الإنسان من أن مبيعات الأسلحة الفرنسية في الخليج قد تؤجج الصراعات في المنطقة.

بحسب وكالة رويترز، ستتسلم الإمارات الطائرات الحربية الفرنسية الأولى عام 2027، بما يخلق نحو 7000 فرصة عمل في فرنسا.

وفي أعقاب الاتفاق مع الإمارات، قفزت أسهم شركة داسو، الفرنسية للطيران بنسبة 9%، وهو أكبر مكسب لها منذ أكثر من عام، فيما ارتفع سهم شركة تاليس الفرنسية، التي توفر أنظمة توجيه الصواريخ، بنسبة 2.3%، وفقاً لوكالة بلومبرغ الأمريكية التي رجحت أن تقدم الصفقة دفعة لماكرون قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في نيسان/ أبريل المقبل.

في غضون ذلك، قال تشارلز فورستر، المحلل البارز في شركة جينس في المملكة المتحدة في تصريحات لوكالة أسوشيتدبرس، إن المقاتلات الفرنسية "ستعمل على ترقية قدرات القوات الجوية الإماراتية بشكل كبير" من حيث توجيه الضربات وشن الحرب الجوية وحتى في عمليات الاستطلاع.

وقالت مصادر دفاعية لرويترز إن مقاتلات الرافال ستحل محل أسطول ميراج 2000، لكن من غير المرجح أن تحل محل طائرة "إف-35" الأمريكية والتي أبرمت أبوظبي عقد شرائها من واشنطن خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترامب قبل أن تعطلها الإدارة الحالية للرئيس جو بايدن.

وأوضحت الوكالة أنه "يمكن اعتبار الصفقة مع فرنسا إشارة على نفاد صبر أبوظبي حيث يتردد الكونغرس الأمريكي في الموافقة على صفقة F-35 وسط مخاوف بشأن علاقة الإمارات بالصين".

لماذا البداية من أبوظبي؟

وفي رأي الباحثة الإيطالية المختصة في الشأن الخليجي، سينزيا بيانكو، فإن ماكرون بدأ زيارته بالإمارات باعتبارها المحاور الإقليمي الرئيسي لفرنسا، مشيرة إلى أن صفقة رافال "ختم" على الشراكة الطويلة الأمد بين البلدين.

تعرض ماكرون قبل الزيارة لضغوط لإثارة ملف تراجع حقوق المرأة ووضع العمال المهاجرين وأفراد مجتمع الميم قبيل كأس العالم 2022 في قطر، لكنه ركز على تقديم الشكر للشيخ تميم على التوسط لإجلاء حلفاء فرنسا من أفغانستان لباريس

وأشارت الباحثة الإيطالية، في سلسلة تغريدات لها، إلى أن الشراكة الفرنسية الإماراتية ترتكز على "تماثل الرؤى" للمستقبل الاقتصادي السياسي للمنطقة علاوة على أهداف مشتركة في ليبيا، وإستراتيجية مشتركة في شرط البحر المتوسط، ورغبات متماثلة في منطقة الساحل.

لكن جماعات حقوق الإنسان أعربت عن مخاوفها من أن الأسلحة التي تزود بها فرنسا حلفائها الخليجيين قد تستخدم "في هجمات غير قانونية أو حتى جرائم حرب" في اليمن وكذلك في ليبيا، وهي صراعات اتُهمت الإمارات بالتورط فيها من خلال وكلاء محليين داخل هذه الدول.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية في بيان أن "فرنسا تمضي قدماً في هذه المبيعات على الرغم من أن الإمارات تلعب دوراً رائداً في العمليات العسكرية الوحشية التي يقودها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن".

مرور سريع بقطر

من الإمارات، طار الرئيس الفرنسي سريعاً إلى قطر، التي يعتبرها الغرب حالياً لاعبا أمنياً ووسيطاً هاماً في أفغانستان. خلال لقائه مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أعرب ماكرون عن تقديره لدور الدوحة في تنظيم عمليات الإجلاء الأخيرة لأكثر من 250 أفغانياً كانوا يتعاونون مع القوات الفرنسية في أفغانستان ونقلهم إلى باريس.

وبحث الزعيمان عدة ملفات مهمة من بينها قضايا مكافحة الإرهاب وتمويل الجمعيات الإسلامية في فرنسا. وفي هذا الإطار، شدد الرئيس الفرنسي على "ضرورة حماية الممارسة الدينية من أي شكل من أشكال الاستغلال"، وفق بيان الإليزيه الذي أكد أيضاً أن "التعاون الثنائي تحسن كثيراً" في هذا المجال.

وكان ملف الاستعدادات لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 في قطر، ومسألة قانون العمل في الإمارة الخليجية، من بين القضايا المطروحة على طاولة المناقشات.

وكان الرئيس الفرنسي قد تعرض للضغوط، من قبل وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية، لإثارة ملف تراجع حقوق المرأة ووضع العمال المهاجرين وأفراد مجتمع الميم خلال زيارته لقطر.

لكن الإليزيه رد بأن رئيس الجمهورية سيناقش الأمر دون تحديد ما إذا كان ذلك سيتم خلال هذه الزيارة أو في وقت آخر. واستدرك في بيانه بأن ماكرون "سيتعامل مع هذا الموضوع على وجه الخصوص من خلال وسائل الأمن، لأن فرنسا منخرطة في جزء من الأمان (في قطر)"، في إشارة إلى الشراكة الإستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2019 لإدارة شؤون الأمن والمراقبة لكأس العالم 2022.

كذلك، غرد المحلل المختص في الملاحة الجوية أليكس ماتشيراس قائلاً إن زيارة الرئيس الفرنسي لقطر تأتي وسط مواجهة بين شركة إيرباص الفرنسية والخطوط الجوية القطرية، مشيراً إلى أن الخطوط الجوية القطرية تدعو إيرباص إلى الاعتراف بوجود عيوب على سطح طائراتها A350، وأدت إلى إيقاف تشغيل 20 طائرة حتى الآن.

"إعادة تأهيل" بن سلمان

في آخر محطات جولته الخليجية وربما أكثرها إثارة، حط ماكرون في السعودية حيث التقى بن سلمان السبت 4 كانون الأول/ ديسمبر.

ومنذ اغتيال خاشقجي، ولنحو ثلاث سنوات، تجنب رؤساء الدول الغربية الاجتماعات المباشرة مع الحاكم الفعلي للمملكة، حتى أن بايدن، تجنب التحدث إليه حتى هاتفياً، وهو ما ترك بن سلمان في شبه عزلة دولية.

ماكرون يصبح أول زعيم غربي "يطبّع" مع ولي العهد السعودي ويلتقيه علناً منذ اغتيال خاشقجي، ومراقبون يعدون ذلك "ختم فرنسي بالموافقة على حكم محمد بن سلمان وحربه في اليمن"

وفي تصريحاته الصحافية في الإمارات، قال ماكرون: "(يمكننا) أن نقرر بعد قضية خاشقجي أننا ليست لدينا سياسة في المنطقة، وهو خيار يمكن للبعض أن يدافع عنه، لكنني أعتقد أن فرنسا لها دور مهم في المنطقة. لا يعني ذلك أننا متواطئون أو أننا ننسى (خاشقجي)".

وفي نظر ماكرون، تعد السعودية مهمة للمساعدة في إبرام اتفاق سلام يشمل دول المنطقة وإيران، وهي أيضاً حليف مؤثر في المعركة ضد المتشددين الإسلاميين من الشرق الأوسط وحتى غرب أفريقيا، وحصن في مواجهة جماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين. وفي الوقت نفسه، فرنسا هي أحد موردي الأسلحة الرئيسيين للمملكة.

بدوره، أوضح الإليزيه أن الاجتماع الذي عقد في جدة لم يكن بأي حال من الأحوال يهدف إلى إعادة ولي العهد "إلى المشهد"، لكن هو جزء من إستراتيجية ماكرون طويلة المدى منذ انتخابه لفرنسا للمساهمة في "الاستقرار" في المنطقة.

لكن أغنيس كلامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، قالت إن ماكرون يقلل من قيمته ويقلص حجم بلده عندما يدخل في شراكة مع بن سلمان. "مهما كانت المصلحة الإستراتيجية لفرنسا في السعودية، فلا شيء يمكن أن يبرر شرعنة نظام حاكم يقتل الصحافيين ويهدد النشطاء ويسجن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان ويقتل المدنيين اليمنيين ويخدع المجتمع الدولي".

من جهته، اعتبر المحلل الأمريكي بروس ريدل، الزميل البارز في مشروع بروكنغز الاستخباراتي، والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمتخصص في الشأن السعودي، أن الاجتماع "ختم فرنسي بالموافقة على حكم محمد بن سلمان وحربه في اليمن".

وأشار ريدل إلى إن زيارة ماكرون محت الآن أي مظهر من مظاهر الرفض الغربي لما تفعله السعودية في اليمن، مضيفاً أنها "تصريح واضح بخيانة فرنسا للشعب اليمني".

وفي تعليقات أخرى على زيارة ماكرون للمملكة، قالت سينزيا بيانكو إن فرنسا منخرطة مع السعودية على عدة مستويات في عدد من القضايا، منها: مخاوف السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن أنشطة إيران الإقليمية والمفاوضات النووية في فيينا، جنباً إلى جنب في تشاركهما في الإعداد لمؤتمر بغداد مع العراق لتعزيز الحوار الإقليمي.

لكنها أشارت إلى وجود "العديد من الخلافات أيضاً" بين الطرفين. وتوقعت الباحثة أن الرئيس الفرنسي سيحاول مرة أخرى الحصول على دعم السعودية لخططه من أجل لبنان، مشيرة إلى أن وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي استقال أخيراً تحت الضغط الفرنسي.

وأمل الرئيس الفرنسي في أن تسهم استقالة قرداحي في استئناف الحوار بين لبنان والدول العربية عامة والسعودية بشكل خاص. كما عوّل أن تساعد محادثاته مع ولي العهد السعودي في حل الخلافات التي أثارتها تصريحات الوزير اللبناني المستقيل بما يمكنه من إعادة إشراك جميع دول الخليج في مساعي إخراج لبنان من أزماته الراهنة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard