المشكلة هي مع نظام لا ينتج إلا قرداحي

الثلاثاء 9 نوفمبر 202107:40 ص

ليس وعينا على هذا القدر من الضحالة، لكي نعتقد أن المشكلة المستجدة محصورة بتصريح لوزير من هنا، أو من هناك. بل باتت الأمور أوضح من ذلك بكثير. والوضوح ينطلق من بديهية مفادها أن حكومات الانقلاب على الإرادة الشعبية، تلك الإرادة التي تجلّت في الانتفاضة التي أرهبها حزب الله بهدف الدفاع عن ثلاثية الحكومة (حكومة الحريري يومها)، والنظام، والعهد الذي يخدم مشروعه المذهبي التبعي الإقليمي، هي المشكلة التي لا علاج لها، لا محلياً ولا دولياً، في ظل النظام القائم.

لم يعد من الممكن، وليس من الرفاهية التي يملكها أي مقيم في لبنان الآن، العيش في نظام مع قوى سياسية تعرف جيداً كيف تحرّف الحقائق.

تتجلى المشكلة الفعلية إذاً، في نظام ينتج حكومات ليس في استطاعتنا، ولا في مقدورنا، العيش معها، ولا مع شبيهاتها بعد الآن، وذلك بمعزل عن أي قرار، أو تصعيد خارجيين. لذلك بالتحديد، تستدعي الرأفة بحالنا قول ما يجب أن يُقال في هذا النظام، كما وتستدعي التصويب على ما يجب التصويب عليه فيه من علاقة القوة كنظام، بشكل مباشر، ومن دون أي مواربة.

من هذا المنطلق، لم يعد من الممكن، وليس من الرفاهية التي يملكها أي مقيم في لبنان الآن، العيش في نظام مع قوى سياسية تعرف جيداً كيف تحرّف الحقائق، وتخلق مجموعة بالونات حرارية وهمية تشيح النظر عن المشكلات والأسباب الحقيقية والرئيسية للأزمات من خلفها. والمشكلات الرئيسية ليست في موقف "بالزائد أو بالناقص"، وليست في أزمة مستجدة، ولا في الالتحاق بمحور إقليمي، أو دولي على وجه التحديد. بل إن الأزمة الفعلية تتمثل بأبرز تجلياتها، في نظام لا ينتج إلا تبعياتٍ، مع ما يستتبعها من أزمات، ووزراء فوق وطنيين. وفي وجهها الآخر، تتمثل الأزمة في ذهنية سياسية لم يكن، ولم يعد في مقدورها أن تقدّم أي شيء، إلا روائح العفن من جثة نظام يتحلل.

والمؤسف هو انزلاق بعض أهل التغيير للالتحاق بموقع ما في الصراع المستجد القائم. أحدهم يدافع عن حرية تعبير مزعومة للوزير جورج قرداحي، والآخر ينظّر بعين ترى إلى المشكلة المستجدة في الخارج، من خارجها، أي في ظل مصالح اللبنانيين المغتربين والمقيمين في الخليج خصوصاً، والذين يحوّلون الأموال إلى أهاليهم المقيمين في لبنان على وجه التحديد.

إن حكومات الانقلاب على الإرادة الشعبية، تلك الإرادة التي تجلّت في الانتفاضة التي أرهبها حزب الله بهدف الدفاع عن ثلاثية الحكومة (حكومة الحريري يومها)، والنظام، والعهد الذي يخدم مشروعه المذهبي التبعي الإقليمي، هي المشكلة التي لا علاج لها

لذلك، وعندما نضع الأمور في نصابها الصحيح، تصبح زاوية النظر أوسع، ويصبح المشهد أكثر منطقيةً. فيتضح أن المشكلة ليست في كلام قرداحي حصراً، بل في حكومات ستولد ميتةً لأنها مرهونة بسلاح يستعرض قوته، ليفرض شروطه، وما يناسبه، ويرضيه، عند كل منعطف. وهذه القوة لم ولن تُستخدَم لمصلحة الشعب اللبناني، بل لمصلحة إيران، وهيمنتها. تلك الدولة التي يقول أمين عام حزب الله إنه يتلقى المال والسلاح، والآن المازوت، منها. لا بل يقول إنه تابع سياسياً لها، وجندي في ولاية فقيهها. المشكلة هنا على وجه الخصوص، وليس تصريح قرداحي إلا القشة التي قصمت ظهر البعير. ذهبت أنظمة مجلس التعاون الخليجي، ودوله، نحو هذا التصعيد غير المسبوق، لتقول إن أي محاولة لتعويم نظام تكون نقطة القوة والارتكاز والفصل فيه لحزب الله، ولإيران من خلفه، لن تقدّمها بعد الآن.

هذه القوة لم ولن تُستخدَم لمصلحة الشعب اللبناني، بل لمصلحة إيران، وهيمنتها.

ولذلك أيضاً يجب التنبّه إلى المأزق الذي تضعنا قوى النظام، كشعب لبناني، فيه، إما باستسهال تصنيفنا غير وطنيين، ولا سياديين، إذا لم ندافع عن وزير دولتنا، وإما بتصنيفنا معادين لحرية الرأي. علماً أن الوزير ينتمي إلى حكومة انقلابية، وليست وطنية بالنسبة إلينا، بل لطالما سننظر إليها على أنها حكومة تثبيت الانتفاضة المضادة التي عبّد حسان دياب وحكومته طريقها. وعليه، لن ننزلق إلى وطنية مزعومة، ولا إلى حرية رأي فارغة من أي مضمون، وتتمثل في الوقوف إلى جانب قرداحي، بوصفه ممثلاً للوطنية، ولحرية الرأي. لا إطلاقاً، إن كل ما أتى من حكومات في السابق عموماً، بما فيها حكومة سعد الحريري التي أطاحت الانتفاضة بها، وما تبعها من حكومات انقلابية، مرفوض، ولن تسري معاييره علينا، لأنه يشكّل امتداداً لسياسة سرقة أموال المودعين، ولاستباحة البلد، وتقاسم كل ما يمت إليه بصلة، وتحاصصه.

لقد نهبت هذه الحكومات البلاد، وأوصلتها إلى حالة الانهيار هذه، وأوصلت ناسها إلى حالة تهجير قسري في اتجاه بقاع الأرض كلها، وصولاً إلى تكثيف حربها الاجتماعية في انفجار المرفأ، وكل ما تمارسه للإطاحة بالتحقيقات، وتعويم المشتبه بهم.

إن مشكلتنا هي مع الداخل، قبل أن تكون مع أي تصعيد خارجي. مشكلتنا هي مع النظام، وقواه أساساً.

فهذه الحكومة، والتي سبقتها، والتي ستليها، وكل الوزراء فيها، لن تشكّل سوى تكثيف جديد للانهيار، لأنها لن تستطيع تقديم أي جديد، بل ستمعن في الحفر نزولاً، لتعميق الهوّة التي نقبع فيها. وفي هذه الحالة، إن مشكلتنا هي مع الداخل، قبل أن تكون مع أي تصعيد خارجي. مشكلتنا هي مع النظام، وقواه أساساً. ولاحقاً، تتبدى مشكلتنا مع الخارج الذي يمعن، بشكل أو بآخر، في إطالة عمر هذا النظام، وأوليغارشيته، بعد كل ما قامت وتقوم به.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard