هل كانت رؤيتنا للقرآن ستتغير إذا فسّرته النساء؟

الاثنين 30 أغسطس 202110:56 ص


إذا أجريتَ بحثاً سريعاً في كتب طبقات المفسرين فمن النادر أن تجد اسم امرأة كُتب ضمن أعلام المفسرين. عرف التاريخ الإسلامي المُحدِّثات (رواة الأحاديث) والفقيهات، بل والمجاهدات في المعارك، إلا أنه لم يشهد أبداً محاولة تفسير كاملة للقرآن من قِبَل امرأة، إلا في العصور الحديثة.

الناشطة الإسلامية الأمريكية أمينة ودود، التي درست علوم القرآن في جامعة القاهرة، تُعدُّ صاحبة أجرأ حملة لإضفاء روح نسوية على الإسلام. فبعدما ألقت خطبة جمعة مثيرة للجدل في مسجد بجنوب أفريقيا عام 1994، أمّت صلاة جمعة أخرى سنة 2005، في مبنى تابع لكنيسة داخل مدينة مانهاتن، وهي الخطوة التي أثارت جدلاً عالمياً وانتقدها شيخ الأزهر الراحل سيد طنطاوي.

تعتقد أمينة أن المرأة استسلمت للتفسير الذكوري للقرآن حتى القرن العشرين، والذي شهد أولى محاولات تفسير القرآن بواسطة النساء، كما اعتبرت أن تفسير النساء للقرآن سيساعدنا على فهم القرآن بشكل أفضل. وفي حديثها مع رصيف 22، رفضت اعتبار أن النساء "لم يستطعن تفسير القرآن"، قائلة: "هُن فقط لم يفعلن"!

الواقع يُكذب أمينة

في 2009، منح الأزهر الشريف موافقته على تفسير وضعته امرأة، هي الإعلامية ذات الميول الإسلامية كاريمان حمزة.

وفي حديث إعلامي عن هذه الخطوة، حرص الدكتور محمد الراوي، رئيس لجنة القرآن والتفسير في مجمع البحوث الإسلامية، على التأكيد على أن هذا التفسير لا يختلف كثيراً عمّا جاء في كتب التفسير القديمة، رافضاً وصفه بـ"التفسير الجديد ذي الرؤية النسائية.

عرف التاريخ الإسلامي المُحدِّثات والفقيهات والمجاهدات في المعارك، إلا أنه لم يشهد أبداً محاولة تفسير كاملة للقرآن من قِبَل امرأة، إلا في العصور الحديثة

كما نفَى الراوي أن تكون كاريمان هي أول امرأة نالت إجازة التفسير من الأزهر، وإنما سبقتها امرأتان، هما طبيبة الأطفال فاتن الفلكي، والسيدة فوقية إبراهيم، وكلتاهما طرحتا تفسيراً ميسراً للقرآن في المكتبات، وفي كلا المرتين وُصفت كل واحدة منهما في وسائل الإعلام بأنها "أول امرأة فسّرت القرآن".

عادةً ما يلتصق لقب "أول امرأة تفسر القرآن" بأي محاولة تفسير قدّمتها امرأة، وحينما أرادت جماعة الإخوان رثاء القيادية الشهيرة زينب الغزالي، لم تجد عنواناً أفضل من "زينب الغزالي... أول امرأة تفسر القرآن"، في إشارة لكتابها "نظرات في كتاب الله"، الذي طُبع لأول مرة عن دار الشروق عام 1994م، والذي اعتمدت فيه على آراء العلماء الأقدمين، كالقرطبي وابن كثير والألوسي والأهوازي، دون أن تنسى بالطبع تطعيم تفسيرها بآراء قطبي الإخوان، حسن البنا، الإمام المؤسِّس وسيد قُطب،  المفكِّر الإسلامي البارز.

هذه المحاولة لم تختلف عن كثيراً محاولة أستاذة اللغة العربية عائشة عبدالرحمن، في كتابها "التفسير البياني للقرآن الكريم" الصادر عام 1962، وفي كلا الحالتين كان لافتاً أن تخلو كافة الاستشهادات من آراء أي نساء.

وفي 2003، أصدرت الداعية الفلسطينية، نائلة هاشم صبري، تفسيرها للقرآن، دون أن تنسى وسائل الإعلام بوصفها أيضاً بأنها "أول امرأة فسّرت القرآن".

أمينة ودود، التي درست علوم القرآن في جامعة القاهرة، تُعدُّ صاحبة أجرأ حملة لإضفاء روح نسوية على الإسلام. فبعدما ألقت خطبة جمعة في مسجد بجنوب أفريقيا عام 1994، أمّت صلاة جمعة أخرى سنة 2005 وهي خطوة أثارت جدلاً عالمياً

تاريخياً، فإن ولا واحدة من هؤلاء تستحق لقب المُفسِّرة النسائية الأولى في التاريخ.

قد تكون الأحقٌّ بهذا اللقب هي عائشة بنت أبي بكر، زوجة الرسول، والتي كثرت وقائع لجوء الصحابة إليها لإيضاح ما غمض عليهم من آيات القرآن، ووفقاً لكتاب "أبرز جهود النساء في تفسير القرآن الكريم"، بلغنا منها 747 مروية تفسيرية لآيات القرآن.

ومن بعدها نفيسة بنت الحسن بن زيد، التي عاشت في مصر خلال الفترة بين 145هـ و208هـ، عُرِف عنها أن المصريين كانوا يفدون عليها ليسمعوا تفسيرها في القرآن، حتى لُقِّبت بـ"نفيسة العلوم". كما عرف الإيرانيون الواعظة ياسمينة السيراوندية، التي اشتهرت بتفسير القرآن، وتُوفيت عام 502هـ.

وبالرغم من كثرة هذه المحاولات، فلم تضع امرأة تفسيراً كاملاً للقرآن، ولم تصلنا رؤية نسوية شاملة لكافة آيات المصحف حتى اليوم.

تقول الدكتورة عفاف حميد، أستاذ تفسير القرآن في جامعة الشارقة في بحثها "من جهود المرأة في تفسير القرآن": "لم يُحدثنا التاريخ عن وجود مُفسِّرة فسّرت القرآن كاملاً، وأشارت بعض المصادر بأن من فعلت ذلك هي امرأة واحدة، تُدعى زيب (كلمة فارسية بمعنى زينة) النساء ابنة الشاه محي الدين أورانك، والدها من السلالة التيمورية، وهو سادس أباطرة المغول في الهند، عاشت زيب خلال الفترة من 1638م وحتى 1701م، ويُعرف كتابها بـ(زيب التفاسير)'".

شكّك عبد الحي بن فخر الدين، في كتابه "الإعلام بمن في تاريخ الهند من الإعلام" في أصالة هذا التفسير الهندي النسوي، معتبراً أنه ليس إنتاجاً نسوياً بالمرة، وإنما مجرد ترجمة لكتاب التفسير الكبير للرازي من العربية للفارسية.

في عام 2009، منح الأزهر الشريف موافقته على تفسير وضعته امرأة، هي الإعلامية ذات الميول الإسلامية كاريمان حمزة

لماذا غابت النساء؟

تقول الجزائرية كريمة بولخراص، الحاصلة على الدكتوراة في العلوم الإسلامية، إن هناك العديد من الظروف الاجتماعية التي أدّت لغياب الصوت النسائي في تفسير القرآن.أهمها أن تلقّي العلوم قديماً كان يتطلب كثرة السفر للبحث عن المعلومات وتنويع مصادر المعرفة، وهو ما كان مستحيلاً على أي امرأة تفعله وقتها.

البخاري، على سبيل المثال، قضى أعواماً طويلة في السفر ليُحصِّل العلم ويجمع مادة كتابه، تنقل خلالها في عدد من الدول في العراق والحجاز ومصر والشام، فهل كانت هناك أي امرأة في ذلك العصر تستطيع فِعل ذلك؟

يقول الباحث الديني حاتم صادق: "الأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة وقت ظهور الإسلام وهي بالطبيعة امتداد لما قبله، كانت أوضاعاً تكرّس لتهميش وإقصاء المرأة على العموم، وبالأخص في المجال الإبداعي والمعرفي؛ فلك أن تتخيل أن تراثاً كان يقطع بأن صوت المرأة عورة، و أن المرأة مكانها الطبيعي هو البيت، فضلاً عن وجود نصوص غير معقولة تنهى عن تعليم المرأة للخط والكتابة، فكيف ينتج هذا الجو الخانق مفسّرة للقرآن، في زمن كانت المعارف والعلوم فيه وكذلك الروايات المتناثرة تحصل عبر الأسفار البعيدة والرحلات الطويلة التي كانت حكراً على الرجال وحدهم."

ويتابع لرصيف22: "مع الأيام، ترسخ في العقل الجمعي المسلم أن قدرات المرأة الإدراكية والمعرفية قاصرة ومحدودة، ولعل في كلمات الشيخ أبي إسحاق الحويني في إحدى دروسه المذاعة على قناة الناس الفضائية، والتي قال فيها بالحرف الواحد وبلغة اختلطت فيها الفصحى بالعامية: العلم بتاع الرجاله بس... أي امرأة مهما بلغت هي عامية ومقلدة... وهو ما يُلخِّص النظرة الدونية للمرأة والإيمان بعدم قُدرتها على تحصيل العلم".

هناك العديد من الظروف الاجتماعية التي أدّت لغياب الصوت النسائي في تفسير القرآن. أهمها أن تلقّي العلوم قديماً كان يتطلب كثرة السفر للبحث عن المعلومات وتنويع مصادر المعرفة، وهو ما كان مستحيلاً على أي امرأة تفعله وقتها

ووفقاً لصادق، فإنه من المفارقات أن التراثين، السني والشيعي، اتفقا على نقص عقل المرأة ونقص إيمانها بشكل مطلق؛ فكلا التراثين يؤكدان أن عقول النساء استولى عليها الحرص والشهوة والخوف. ومن ثم اتفق السنة والشيعة على عدم صلاحية المرأة للمشورة. فهل يعقل أن يتقبل المجتمع وجود مفسرة أنثى، وهو يؤمن بأن المرأة ناقصة عقل ودين ولا تصلح لمجرد الاستشارة وإبداء الرأي؟!

فيما يضيف يامن نوح، الباحث الأنثروبولوجي، لرصيف22، أن الثقافة العربية وضعت قيوداً كبيراً على مشاركة النساء في الحياة المعرفية بشكل مستديم، وأن طبيعة العصر الوسيط ورؤيته للمرأة لم تكن تتخيل أنها تستطيع القيام بهذه المهمة الشاقة.

لكنه يوضح: "النساء مفسرتش القرآن لأن الإسلام ظلمهم، أو لأن التراث الإسلامي كان تراث ذكوري، وإنما لأن العصر الوسيط بأسره كان عصر ذكوري في الشرق والغرب، العالم كله وقتها كان لا يعترف بـقدرة المرأة المعرفية".

يدلّل نوح على أن الثقافة الإسلامية لم تضطهد المرأة بالحضور النسوي الكثيف في علم الحديث، وقبول الفقهاء مرويات كثيرة صدرت عن النساء، دون أي تحرّج أو تقليل من قدرتهن على الحفظ والنقل الأمين.

وهو ذات ما تقوله خديجة المحمود في كتابها "أبرز جهود النساء في تفسير القرآن الكريم"، بتأكيدها على أن كتب التراجم تجنّبت الحديث عن النساء العالمات/المفسِّرات كأحد أشكال "المحافظة على خصوصيات المجتمع التي كانت تجد أن الحديث عن المرأة يجب أن يبقى في نطاق أسرتها ومعارفها".

ترسخ في العقل الجمعي المسلم أن قدرات المرأة الإدراكية والمعرفية قاصرة ومحدودة.  وتُلخَّص النظرة الدونية للمرأة والإيمان بعدم قُدرتها على تحصيل العلم في أحد دروس الشيخ أبي إسحاق الحويني التي قال فيها: العلم بتاع الرجاله بس...

هل شكّل غيابهن أي أثر؟

تعتبر الباحثة الإسلامية مارغريتا بيتش، أنه خلال عصر ما قبل الحداثة، كان تفسير القرآن امتيازاً محصوراً بالرجال، وبالرغم من مساهمة العديد من الصحابيات في نقل أحاديث عن الرسول -هذه الأحاديث رُكن رئيسي في عملية التفسير- ظلّت مشاركة المرأة في هذه العملية محدودة.

وتضيف: "هذا الغياب دفع علماء المسلمين إلى فهم القرآن على أنه يُجيز رؤية هرمية للعلاقات بين الجنسين يكون فيها الرجال أعلى من النساء، ويمتلكون السُلطة عليهن".

بينما تقول أستاذ الأدب الإنجليزي، أميمة أبو بكر، في كتاب "النسوية والدراسات الدينية"، إن التفاسير عكست اهتماماً متنامياً في ترسيخ الطبيعة المنزلية للمرأة، والترويج لرؤية تؤكد تأصيل التقسيم في أدوار الجندر. وعليه، فقد اندمجت هاتان الفكرتان في تفسير الآيات، ما أضفى شرعية على ذلك التسلسل التراتبي للجندر، الذي اكتسب صبغة دينية/قرآنية، وبالتالي أصبح من الصعب الطعن فيه.

بلا شك يلعب جنس المُفسِّر دوراً رئيسياً في فهم النص والتفاعل معه، هنا لا أتكلم من واقع تنظيري بحت، وإنما شهدت السيرة وقائع مماثلة، لعبت فيه امرأة دوراً في تأويل النصِّ بشكلٍ لا يُهين أو ينتقص من بني جنسها، وترفض أي نصٍّ يتعارض مع المنطق السليم لعدم الانتقاص من النساء.

مثلما فعلت زوجة الرسول أم سلمة، حينما سألته عن سبب عدم ذِكر القرآن للنساء كما يفعل مع الرجال، وبسببها نزلت الآية 35 من سورة الأحزاب "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً".

وكذا فعلت زوجة أخرى للرسول هي عائشة، فحين سمعت من ينسب للرسول حديثاً يقول فيه إن الصلاة يقطعها "مرور الكلب والحمار والمرأة" (رواه أبو ذر الغفاري في صحيح مُسلم)، فاعترضت على ذلك بقولها "شبهتمونا بالحُمُر والكلاب"، وأخذ أغلب أهل العلم برأيها واعتبروا أن حديثها ناسخ للحديث الأول، وإن ورد في كتاب أساسي في بناء العقيدة الإسلامية كصحيح مُسلم.

في هذا الموقف، انتصرت عائشة لنسويتها بامتياز في ضحدها للحديث، لم تُشكك فيه من باب السند ولم تعتنِ بصدق نسبه للرسول من عدمه، وإنما رفضته فوراً لأنه يهين النساء ويشبههن بالحيوانات، وهو ما لم يمكن أن يصدر عن الرسول. هل هذا يعني أن بعض المرويات والأحكام المهينة للنساء كان بالإمكان التخلي عنها فقط لو مرّت عبر عدسة فقه نسائي صارمة؟

وهو ما يدفعنا لتخيل ذلك السؤال الجدلي الهام: ماذا لو سيطرت تلك الروح النسوية على قراءة الآيات وتفسيرها المنطلق أيضاً من واقع المرويات الحديثية؟

فحين سمعت عائشة، من باب المصادفة، مروية ذكورية قحّة ضد النساء فرفضتها، فهل كانت سترفض روايات أخرى بذات المنطق لو مرّت عليها؟

يجيب يامن نوح لرصيف22: "لا أرى أن أي تفسير نسوي كان سيظهر في العصر الإسلامي الأوسط سيكون مختلفاً كثيراً عما صدر بالفعل عن الرجال، بل كانوا سيُنتجونه بـ'روح ذكورية' أيضاً، إلا لو حاولت النساء استحداث مناهج جديدة بخلاف الأدوات التي اعتاد الفقهاء الرجال استخدامها، كعلوم اللغة والفقه والفلك والأحياء، بحُكم انشغال النساء بخبرات حياتية مختلفة عن الرجال، ربما كانت هذه المناهج الجديدة ستفتح الباب أمام المزيد من العلوم الإنسانية في التفسير، أما في العصر الحديث فبالتأكيد ستكون هناك رؤية مختلفة".

بينما يُضيف حاتم صادق: "أغلب الظن عندي أنه لو كانت ظهرت مُفسِّرات، وبالذات في وقتٍ مبكر من صدر الإسلام، لكانت الأمور أكثر اتزاناً وموضوعية في تفسير بعض الآيات والأحكام التي تتصل بالمرأة، والتي غلب الطابع الذكوري في قراءتها وتأويلها، وبالطبع كان هذا جديراً بأن يخلق حالة جدل في الأوساط التفسيرية تفيد منها المجتمع ككل، عبر تعدد الرؤى التأويلية والقراءات التفسيرية، لكن لسوء الحظ إن هذا لم يحدث".

أبرز الأمثلة على هذه الرؤية المختلفة في عصرنا الحديث ما فعلته المترجمة الأمريكية الإيرانية لاله بختيار، التي أخذت على عاتقها تنفيذ ترجمة إنجليزية جديدة للقرآن، وحينما مرّت بآية "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً"، من سورة النساء، قرّرت ألا تُترجم كلمة الضرب بمعنى الإيذاء ولكن بمعنى البُعد، وهكذا فإنك لو قرآت نسخة القرآن المُترجم بواسطة بختيار ستكون الآية كالآتي "واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن واهجروهن في المضاجع، ثم ابتعدوا عنهن".

وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتغييرات أشمل في مفاهيمنا القرآنية، فقط لو أننا قرأنا النصّ المُقدّس بأعينٍ نسائية.

وهو ما توضحه أستاذ الأدب الإنجليزي أميمة أبو بكر، في كتاب "النسوية والدراسات الدينية"، بقولها إن التفاسير التي قدّمتها الباحثات المُسلمات حديثاً قدّمت شكلاً من أشكال منهج بنت الشاطئ الاستقرائي، القائم على تفسير القرآن بالقرآن عبر فهم الآية من خلال سياقها العام. هذه الطريقة كانت معروفة للعديد من العلماء القدامى لكن أحداً لم يُطبّقها بشكل منهجي.

لم تُكمل بنت الشاطئ تطبيق هذا المنهج كما يجب، لأنها لم تُفسّر إلا عدداً محدوداً من السور، كما أنها لم تضع في اعتبارها تفسير الآيات عبر رؤية جندرية تنتصر للنساء، وهي الجهود التي تحاول استكمالها حالياً باحثات قرآنيات، مثل أسما برلس وميسم الفاروقي وآمنة داوود، وغيرهن ممن شغلن أنفسهن تحديداً بما يُمكننا تسميته إنتاج تأويل جديد لـ"آيات النساء"، لا يجعلهن أقل درجة عن الرجال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard