نخبة جديدة من "الإمام الصادق" تحكم إيران… من هم "التكنوقراط الأيديولوجيون"؟

السبت 4 ديسمبر 202108:46 ص

ما إن تولى رجل الدين الإسلامي المتشدد إبراهيم رئيسي مقاليد الحكم في إيران حتى لاح تغيير، يعتبره مراقبون الأول من نوعه منذ 42 عاماً، في المشهد السياسي بصعود نخبة أيديولوجية غير مألوفة تماماً للغرب، ومتحالفة مع العسكر وولائها للمرشد الأعلى علي خامنئي، تُعرف بـ"التكنوقراط الأيديولوجي".


في تصريحات لرصيف22 أقر الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي بوجود تغيير وتحوّل في النخبة الإيرانية الحاكمة، ولكن "ليس بالشكل الذي تتناقله وسائل الإعلام الغربية وباحثون"، يقول إنهم "بالغوا في تحليلاتهم".  


وبينما كان النظام الديني يشكك في التكنوقراطية الإيرانية، واعتبرها ذات توجه غربي وغير ملتزمة الرؤية الإسلامية المتشددة للمرشد الأعلى، أدرك أن البلاد بحاجة إلى قوة عاملة ماهرة ومدربة لكن جهادية في أسلوب إدارة الدولة.


"التكنوقراط الأيديولوجي"

في تحليل للباحثين سعيد غولكار، وهو زميل أول في معهد توني بلير للتغيير العالمي، وكسرى أعرابي، وهو محلل سياسي في المعهد ذاته، ورد أن إدارة الرئيس الإيراني الجديد تتبلور الآن من خلال نخبة حاكمة جديدة من شأنها "تغيير توازن القوى في النظام الإيراني".


وأشار الباحثان إلى أن النظام في طهران أدرك حاجته إلى تكنوقراطيين وبيروقراطيين مدربين يمكنهم تنفيذ سياسات النظام، لكنهم في الوقت ذاته تابعون أيديولوجياً للمرشد الأعلى.


رئيسي نفسه كان طالباً وتابعاً مخلصاً لخامنئي، وأُعد ليصبح رئيساً قادراً على "تطهير" الجمهورية الإسلامية من التأثيرات الغربية لجعل الجمهورية "دولة إسلامية مثالية" وأكثر كفاءة بوضع حد لعقود من سوء الإدارة الحكومية. 

"تحالف ثلاثي بين رجال الدين والحرس الثوري والتكنوقراط المؤدلجين"... إدارة الرئيس الإيراني الجديد تتبلور الآن، مع تحوّل لافت وغير مسبوق هدفه "تطهير" الجمهورية الإسلامية. ما ملامح هذا التغيير؟ وكيف قد يؤثر في سياسات طهران الداخلية والخارجية؟ 

ونبّه الباحثان إلى أن المرشد الأعلى وحلفاءه يلقون باللوم في سوء الإدارة بالبلاد ليس على الفساد والافتقار إلى الخبرة الفنية فحسب، بل كذلك على التكنوقراط المتعلمين ذوي التوجه الغربي الذين لم يخضعوا للتدريب الأيديولوجي الديني الذي يعتقدون أنه ضروري لإدارة الدولة. 


في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، قال آية الله أحمد علم الهدى، ممثل المرشد الأعلى في محافظة خراسان الرضوية (شرق البلاد) وصهر رئيسي: "الإيمان بالثورة هو الفرق بين أساليب الإدارة الكلاسيكية والجهادية... إذا أسلوب الإدارة الجهادي، الذي يؤمن حقاً بالثورة والله، دخل حياتنا الاجتماعية والسياسية، فسيمكن حل جميع المشكلات".


من هذا المنطلق، شرع رئيسي في استبدال مجموعة من المتخصصين الذين كانت وجوههم مألوفة للغرب - مثل وزير الخارجية السابق جواد ظريف، والرئيس السابق لوكالة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي- بمن أطلق عليهم الباحثان "تكنوقراط جهاديين ومن التابعين لحزب الله، خضعوا لسنوات من التلقين الأيديولوجي المكثف".


من أبرز شخصيات النخبة الجديدة، وزير الاقتصاد والمال إحسان خاندوزي وعلي باقري نائب وزير الخارجية الذي يترأس مفاوضات بلاده مع القوى الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وحجة الله عبد المالكي وزير التعاونيات والعمل والرعاية الاجتماعية وبيمان جبلي، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وعلي صالح أبادي محافظ البنك المركزي الإيراني.


 صعود جامعة الإمام الصادق

سمة مميزة تجمع بين أفراد النخبة الحاكمة الجديدة في طهران، هي أن جميعهم من خريجي جامعة الإمام الصادق، وهي مؤسسة نخبوية مصممة لإعداد تكنوقراط ملقنين بشكل جيد لتنفيذ المرحلة التالية من الثورة الإسلامية كما يتصورها خامنئي. 


وقال غولكار وأعرابي إنه في الفترة الممتدة من آب/ أغسطس إلى تشرين الأول/ أكتوبر 2021، شغل خريجو الجامعة المناصب التكنوقراطية الرئيسية في الوزارات والوظائف البيروقراطية في الدولة.


في المقابل، قال أفقهي إن هناك جانباً "حقيقياً" من تحليل الباحثين، مستدركاً بأن "ليس كل من الموظفين والقضاة والوزراء (المعينين حديثاً) من جامعة الإمام الصادق". "كثير من كبار موظفي الدولة الموالين للفقيه لم يمروا من قناة جامعة الإمام الصادق، بل هناك كثيرون من النخبة تخرجوا من جامعات غربية"، أردف.


وأضاف الدبلوماسي الإيراني السابق أن العسكريين لم يدرسوا في الجامعة وهم يتولون مناصب عليا في البلاد، كذلك هناك العديد من المعارضين في الخارج تخرجوا من الجامعة، وهم يقودون المعارضة ووسائل الإعلام الفارسية في الدول الغربية. 


تأسست جامعة الإمام الصادق عام 1982، لتصبح أول جامعة إيرانية تفتتح بعد الثورة التي أغلقت جميع الجامعات وقامت بحملة "تطهير" في صفوف الأساتذة والطلاب وغيرهم من أعضاء هيئات التدريس.


وفي تقرير للصحافي والمحلل المتخصص في الشأن الإيراني بمجلة فورين بوليسي، محمد هاشمي، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قيل إنه يجرى تعبئة الوظائف في حكومة رئيسي من جامعة الإمام الصادق، على نحو "يغير ديناميكية النخبة الإيرانية لأول مرة، ويؤدي إلى ظهور تحالف ثلاثي بين رجال الدين والحرس الثوري الإيراني والتكنوقراط المؤدلجين".


وفقاً لهاشمي، ليس من السهل الالتحاق بجامعة الإمام الصادق التي وصفها بـ"هارفارد إيران" في إشارة إلى جامعة هارفارد الأمريكية العريقة التي درس فيها  كبار الساسة في الولايات المتحدة والعالم. يتعيّن على الطلاب المحتملين اجتياز اختبارات القبول وعملية فحص صارمة تتخللها مقابلات معهم لمعرفة ميولهم ومعتقداتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية. 

يطلق البعض على جامعة الإمام الصادق اسم "هارفارد إيران" حيث تستقبل "أكثر الشباب موهبة وذكاء" وتلقّنهم "الولاء" للنظام قبل تعيينهم في الحكومة. كيف قد يوفر صعود الجامعة دعماً أكبر لطموحات الحرس الثوري الخارجية؟

ويخضع الطلاب المحتملون غي الجامعة لفحص تاريخهم للتأكد من "ولائهم الراسخ لأيديولوجية المؤسسة الإسلامية". ومع ذلك، لا تكون القضايا الدينية على وجه التحديد معياراً حاسماً، إذ تبحث الجامعة أيضاً عن أكثر الشباب موهبة وذكاء مت داموا مستعدين لخدمة الدولة بموجب دستورها الحالي.


بمرور الوقت، سعت الجامعة إلى دمج دورات الحوزة الدينية بشكل متزايد في المناهج، حتى أصبحت أسماء الأقسام الأكاديمية في الجامعة تبدأ بعبارة "التعاليم الإسلامية". على سبيل المثال، قسم التعاليم الإسلامية والشريعة أو قسم التعاليم الإسلامية والاقتصاد. 


للحصول على درجة البكالوريوس، ينبغي أن يجيد الطلاب اللغة العربية والإلمام بتعاليم الدين الإسلامي ودراسة اللغات الأجنبية الأخرى، مثل الإنجليزية والفرنسية.


وكانت بداية تسلل خريجي جامعة الإمام الصادق إلى أجهزة الدولة على نطاق واسع عقب فوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية عام 2005. لكن لدى وصول حسن روحاني إلى السلطة عام 2013، اعتمدت إدارته على خريجي الجامعات الأجنبية والتكنوقراط غير الأيديولوجيين.


وفي العهد الحالي، عُيّن رئيسي ميثم لطيفي، عضو هيئة التدريس بـ"الإمام الصادق"، مساعداً لرئيس الجمهورية ومديراً لمؤسسة التوظيف والشؤون التنفيذية، ويتوقع أن يوظف لطيفي المزيد من خريجي الجامعة للعمل تحت قيادته.


ويقول هاشمي إن خريجي "الإمام الصادق" يتمتعون بـ"تفاعل جيد" مع الحرس الثوري الإسلامي ومكتب المرشد الأعلى. ومع ذلك، فإن بعض خريجي الإمام الصادق الذين انضموا إلى حكومة رئيسي ليسوا متحفظين بأي حال من الأحوال على الرغم من مزاياهم العلمية، بل إن هؤلاء "ثوار راديكاليون لن يتراجعوا عن معتقداتهم، الأمر الذي قد يشكل تحدياً لإدارة رئيسي في بعض الحالات"، وفق قوله.


وأثارت التقارير عن ارتفاع أعداد خريجي الإمام الصادق في الحكومة الإيرانية ضجة واستياء في صفوف النشطاء الإصلاحيين والمواطنين العاديين، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. وانتقد معلقون الامتياز "غير العادل" والتفضيل الممنوح لخريجي للإمام الصادق، في حين عبّر آخرون ساخرين عن أسفهم لعدم اختيار الإمام الصادق جامعة خاصة بهم لأنه كان سيضمن لهم مكاناً في الحكومة لاحقاً.

صعود التكنوقراط المؤدلجين قد يعني منح بيروقراطيي الدولة الأولوية للأهداف الأيديولوجية الكبرى على حساب حاجات الشعب المحلية.

انعكاسات على السياسة الخارجية والداخلية

في غضون ذلك، لا يستبعد مراقبون أن يخطئ صانعو السياسة الغربيون في قراءة أولويات مسؤولي حكومة رئيسي الجدد بسبب وجود تصور خاطئ لديهم مفاده أن التكنوقراط في الجمهورية الإسلامية ليسوا مؤدلجين.


كتب غولكار وأعرابي في تحليلهما: "مع انتهاء الانقسام الذي عفا عليه الزمن بين الإصلاحيين والمتشددين بشأن سياسات الجمهورية الإسلامية، قد يخطئ صانعو السياسة الغربيون في قراءة تكنوقراط رئيسي ويعتبرونهم ‘أهون الخطرين‘. لتجنب هذا الفخ، ينبغي أن يتعرف صانعو السياسة على جامعة الإمام الصادق وفوجها والنخبة الناشئة في النظام الإيراني" حتى يتمكنوا من توقع إلى أين يتجه النظام الإيراني وما هي خطواته المستقبلية.


لذا، يرجح البعض منهم أن تكون لصعود "الإمام الصادق" آثار كبيرة على السياسات الداخلية والخارجية لطهران، إذ سيتم تمكين الحرس الثوري مع تنسيق أكبر بينه وبين الوزارات.


في رأي الباحثين، فإن هذا التنسيق والتمكين سيوفران دعماً أكبر لطموحات الحرس الثوري الإيراني الخارجية في ظل عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين "الدبلوماسية وساحة المعركة". 


كذلك نوّها بأن صعود التكنوقراط المؤدلجين قد يعني منح بيروقراطيي الدولة الأولوية للأهداف الأيديولوجية الكبرى على حساب حاجات الشعب المحلية، وهذا من شأنه التسبب بمزيد من تدهور الأوضاع وإهمال الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية للإيرانيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard