قُمّ ضد النجف... الإمبراطورية أمام الدولة

الأحد 17 أكتوبر 202111:10 ص

"نحن نرفض الانتماء والولاءات، ونعلن بأعلى أصواتنا، وبلا خوف أو تردد، أن من يوالي غير هذا الوطن، فهو خائن"، قال القائد في ميليشيات حشد المرجعية، المقرّبة من مرجعية النجف، حميد الياسري، في هجوم شنّه على فصائل الحشد الشعبي، متّهماً إياها بالولاء لإيران.

تصريحات الياسري هذه، التي أطلقها في آب/ أغسطس الماضي، كانت بمثابة إعلان رسمي يشير إلى أن الشقاق بين فصائل المكوّن الشيعي في العراق، أكبر من مجرد خلافات تكتيكية، بل هو صراع حقيقي حول سؤال مَن يحكم العراق؟ ومَن له السلطة الروحية على شيعة العراق؟

هذا الصراع، ألقى بظلاله على الاستحقاق الانتخابي الأخير، وكان، للمرة الأولى، أكبر، داخل المكوّن الشيعي، مما هو بين الشيعة والتنظيمات السلفية... فما أصل الخلاف، وكيف بدّل هذا الخلاف المشهد الانتخابي؟

الإمبراطورية أو الدولة؟ لمن المُلك اليوم؟

يقوم الجدل السياسي في العراق، حول فكرتين أساسيتين:

1ـ لمن الولاء السياسي والديني؟

ينتمي عدد كبير من قادة ميليشيا الحشد الشعبي إلى مذهب ولاية الفقية الإيراني، أو حوزة مدينة قم الإيرانية، وهو مذهب يخلط ما هو سياسي بما هو ديني، ويجعل الولاء الأكبر للفقيه، لا للوطن، وتتحول آراء الفقيه الإيراني آيه الله علي خامنئي، إلى فتاوى مقدّسة لا تجوز مخالفتها.

في المقابل، ترفض مرجعية النجف، بقيادة آية الله علي السيستاني، مذهب ولاية الفقيه، وترفض أن تتدخل في شؤون الحكم، وترى أن رجل الدين لا يتدخل مباشرةً في الحكم، والسياسة، إلا بالتوجيه والنصح للجميع.

2ـ صراع الدولة والإمبراطورية... أين يكمن الخلل؟

هل العراق تحكمه فتاوى دينية من خارج حدوده الوطنية، أو تحكمه قرارات سيادية تخرج من العراق نفسه؟ بناءً على مبدأ ولاية الفقيه، ومرجعية قم، فإن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، هو الحاكم الفعلي للشيعة الموالين له كلهم، لأنه ليس مجرد رجل دين، بل هو قائد بالمعنى الإمبراطوري، يتحكم بأمور الحكم العليا، ويوجّه أتباعه، ويحدد خصومه، من خارج حدود الدولة الوطنية...

فإيران تقوم على حكم إمبراطوري، بمفهوم عصور ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، والإمبراطور يوجّه أتباعه بسلطة سياسية، أو روحية، ويطالبهم بالولاء لها، مقابل التوجيه والحماية.

وتبني إيران سرديتها على أن الدين لله، والوطن لظل الله على أرضه، الفقيه المرشد، حتى إذا ما تعارضت المصلحة الوطنية لموالي إيران، مع مصلحتها، يختارون مصلحة الأخيرة، وحكمها الإمبراطوري، لا المصالح الوطنية.

خلقت هذه السردية الجزء الأكبر من أزمة العراق الحالية، فالدولة الوطنية ليست أولويةً لدى قطاع معتبَر من قادة التيار الشيعي. وكان تشكيل ما يُعرف بميليشيا الحشد الشعبي عام 2014، بمثابة حصان طروادة، لخلق دولة موازية للدولة العراقية، بعد أن استجاب عشرات الآلاف لنداء آية الله علي السيستاني، لمحاربة مقاتلي تنظيم داعش، كعدو مشترك للأفرقاء جميعهم.

"ينتمي عدد كبير من قادة ميليشيا الحشد الشعبي إلى مذهب ولاية الفقية الإيراني، أو حوزة مدينة قم الإيرانية، وهو مذهب يخلط ما هو سياسي بما هو ديني، ويجعل الولاء الأكبر للفقيه، لا للوطن"

ولكن ما إن انفضّ غبار المعركة، حتى ظهرت تناقضات الدولة والإمبراطورية. فقد دعمت إيران فصائل كبيرة مثل كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، وعصائب أهل الحق، وحزب الله العراق، ودانت لها السيطرة العسكرية بشكل كبير على المشهد العراقي الداخلي، إذ إن هذه الفصائل تعلن ولاءها الروحي والسياسي لمرشدها الأعلى في إيران، وذراعه العسكري (الحرس الثوري)، وهو ما صرّح به مسؤول أمني عراقي، بقوله: "الفصائل الجديدة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالحرس الثوري الإيراني، فهي تتلقى أوامرها منه، لا من أي طرف عراقي".

تصاعدت حرب الولاءات، وأعلن عدد من قادة الميليشيات العراقية ولاءهم التام للمرشد الأعلى، وعُدَّ حاكماً إمبراطورياً للمسلمين جميعاً، الولاء له مقدَّم على أي ولاء للوطن، ومرجعيته للثورة الإيرانية أشبه بمرجعية خليفة المسلمين، وهو ما أكده أحد قادة ميليشيا الحشد الشعبي، حامد الجزائري، حين قال: "الإمام الخامنئي هو إمامٌ وقائدٌ للأمة الإسلامية جمعاء، وليس قائداً للجمهورية الإسلامية فحسب، كونه يشعر بآلام شعوب الدول الإسلامية، ويعيش مشاكلهم".

كما سيطرت إيران على القرار السياسي العراقي، إذ سرّبت وثائق إيرانية عالية السرية، أن اختيار مسؤولين عراقيين كبار، كان يتم وفقاً لقربهم من إيران، بما يوحي بتدخلها في اختيار المسؤولين، ومنهم رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، ومسؤولين عسكريين، وأمنيين متنوعين.

مقاومة المشروع الإمبراطوري الإيراني

أظهر تضارب الولاءات أزمة حكمٍ عميقة في العراق، وخلق نظام المحاصصة الطائفية حالة احتقان في الشارع، ضد ممارسات إيران في العراق، تُوِّجت بما عرف لاحقاً بثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حينما انتفض آلاف العراقيين ضد سياسات حكوماتهم، وسياسات المسؤولين الذين ظهر أن اهتمام كثيرين منهم بأمن إيران، ومشاريعها العسكرية، أكبر من اهتمامهم بأزمات العراق نفسه.

"تبني إيران سرديتها على أن الدين لله، والوطن لظل الله على أرضه، الفقيه المرشد، حتى إذا ما تعارضت المصلحة الوطنية لموالي إيران، مع مصلحتها، يختارون مصلحة الأخيرة، وحكمها الإمبراطوري، لا المصالح الوطنية"

كان إدراك المتظاهرين للدور الإيراني في أزمة بلادهم واضحاً في استهدافهم للمقرات الدبلوماسية لإيران، في مدن ذات أغلبية شيعية، مثل النجف والبصرة، في مشهد أقرب إلى مشاهد استهداف المتظاهرين لمقرّات الأحزاب الحاكمة في تظاهرات الموجة الأولى من الربيع العربي.

كانت الرسالة واضحةً: إيران هي الحزب الحاكم في العراق. وقد تعمّقت الأزمة بعد أن حدثت مواجهة دموية بين المحتجين، وبين الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، إذ تدخلت إيران لمنع الاحتجاجات التي رأت فيها محاولةً لإسقاط "دولة الحسين"، واستخدمت الميليشيات الموالية لها، لقمع الاحتجاجات بطريقة وحشية، إذ قامت الميليشيات تلك باختطاف عدد من الناشطين، وتعذيبهم، وحتى بتنفيذ إعدامات ميدانية لبعضهم، ما أفقدها جزءاً كبيراً من شعبيتها، ووضَع إيران في خصومة مع قطاع أكبر من الشعب العراقي.

الانتقام طبق يُقدَّم بارداً

أدت الممارسات الإيرانية، المدفوعة بالتصلب الأيديولوجي أكثر من البراغماتية السياسية، إلى محاولة تهميش مرجعية النجف، أو تحييد دورها السياسي لصالحها، ما أحدث انقساماً كبيراً بين المكوّن الشيعي العراقي، وأكسب الحركة الشيعية القومية زخماً أكبر.

ففي كانون الأول/ ديسمبر 2019، دعم المرجع الشيعي الأعلى في النجف والعراق، السيد علي السيستاني، المتظاهرين، وأدان قتلهم واستهدافهم، وذهب أبعد من ذلك، حين أدان فوضى الميليشيات، وانتشار السلاح بين أيدي مكوّنات خارج الدولة العراقية.

"أتت الانتخابات كمحصلة نهائية لمشهد سابق، تصاعد فيه الصراع المكتوم، ووصل إلى العلن، بين المرجعيات الوطنية، وتلك العابرة للحدود، وانتصرت فيه مرجعية النجف، مرحلياً، على خصومها من الموالين لإيران"

ورأى السيستاني أن حوادث الاغتيال والاختطاف، تؤكد "أهمية ما دعت إليه المرجعية الدينية مراراً، من ضرورة أن يخضع السلاح ـكل السلاحـ لسلطة الدولة"، في إشارة إلى الميليشيات الشيعية الموالية لإيران.

تبعت ذلك زيادة الانقسام في جسد الحشد الشعبي، بعد ظهور تيار قوي داخله، يرفض أن يتلقى أوامر من قادة يتلقون أوامرهم بدورهم من خارج الحدود، وظهر ما يُعرَف بحشد العتبات المقدسة، المكوّن من كتائب "الإمام علي القتالية"، و"العباس القتالية"، ولواءَي "علي الأكبر"، و"أنصار المرجعية"، في مواجهة الحشد الشعبي. أكد قادة حشد العتبات المقدسة، أنهم يتلقون أوامرهم من قادة الجيش العراقي، و"توجيهات الوكيلَين الشرعيَين في العتبتَين الحسينية والعباسية" فحسب.

وأظهر تشكيل حشد العتبات المقدسة توازناً عسكرياً وأمنياً بين مرجعية النجف، والموالين لإيران، جعل الدخول في مواجهةٍ مفتوحةٍ أمراً له تكلفة كبيرة، لا تحب إيران، ولا وكلاؤها، أن يدفعوها، خاصةً بعد أن انضم رجل الدين القومي مقتدى الصدر إلى الحركة المناوئة لإيران، وأدان تكتيكات الميليشيات الموالية لها، وعدّها لا تخدم مصالح العراق، كما دعا أنصاره للاحتجاج على فساد الحكومة.

تصاعدت هجمة مرجعية النجف على وكلاء إيران، في آب/ أغسطس الماضي. قبل شهرين فقط من الانتخابات، وأعلن رجل الدين والقائد المقرَّب من السيستاني، حميد الياسري، في خطبة جدلية، أن "من يوالي غير الوطن، فإنها خيانة عظمى. إنه دجل عظيم، وخداع كبير. هكذا تعلّمنا من الإمام الحسين... أما أن يأتينا الصوت والتوجيه والإرشاد من خلف الحدود، فهذه ليست عقيدة الحسين".

في ظل حالة مواجهة بين التيارَين الكبيرَين، يبدو أن العراقيين حسموا أمرهم لصالح الاختيارات المدعومة محلياً، أمام الاختيارات المدعومة من المرجعية الناطقة بالفارسية. فقد حقق التيار الصدري الموالي نسبياً للنجف، المركز الأول، ولحقت هزيمة كبيرة بكلٍ من ائتلاف الفتح، بزعامة هادي العامري، إذ لم يحصل إلا على 14 مقعداً، بينما كان يمتلك 47 مقعداً في الانتخابات الماضية.

أتت الانتخابات كمحصلة نهائية لمشهد سابق، تصاعد فيه الصراع المكتوم، ووصل إلى العلن، بين المرجعيات الوطنية، وتلك العابرة للحدود، وانتصرت فيه مرجعية النجف، مرحلياً، على خصومها من الموالين لإيران، في نتيجة يبدو منها أن النجف تعاقِب الموالين لإيران، وتحقق انتقاماً أتى بعد محاولات للتهميش، والاحتواء، ليصدق فيها القول الشهير: الانتقام طبق يُفضَّل أن يُقدَّم بارداً.

لكن، من المؤكد أن فصول الرواية لم تكتمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard