يحفل بها تاريخ الإخوان... مصارع العباد في الوصول إلى كرسي الإرشاد

الخميس 2 ديسمبر 202103:12 م

شهد مطلع الأسبوع الجاري فصلاً جديداً في الصراع على كرسي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، بين ما بات يعرف بجبهتي اسطنبول وعلى رأسها محمود حسين، ولندن وعلى رأسها إبراهيم منير.

في يوم الأحد 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، نشر القيادي محمود حسين فيديو عبر موقع الجماعة (محجوب في مصر) علق فيه على ما يتردد حول تطلعه إلى حيازة منصب المرشد العام. ولم ينف حسين - الذي شغل منصب الأمين العام للجماعة قبل عزله بقرار من منير- رغبته في أن يصبح مرشداً عاماً، ولم يؤكدها كذلك، معلقاً "ليس هذا الظن المرجو في أي أخ تربى في أكناف الدعوة".

حرص حسين عضو مكتب الإرشاد على ألا يسيء لإبراهيم منير ودعا له، مبيناً أنه عقب القبض على القيادي محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام، في أب/ أغسطس 2020، تقدم محمود حسين بطلب موقّع من 10 من أعضاء مجلس شورى الجماعة بتعديل المادة الخامسة من اللائحة الداخلية، والتي تقضي بأن يقوم أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سناً بأعمال المرشد العام. واقترح حسين والموقعون على الطلب أن يرد الأمر إلى مجلس شورى الجماعة بدلاً من الاحتكام إلى السن، وهو ما فسره البعض بمحاولة إزاحة منير الذي تولى منصب القائم بأعمال المرشد كونه أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سناً.

الفيديو مثّل حلقة جديدة في مسلسل الصراع على قيادة الجماعة الذي بدأ لدى إعلان السلطات المصرية القبض على عزت، وهو الصراع الذي يأتي على رأس الانقسامات التي باتت تعصف بالجماعة التي شاركت بشكل أو آخر في حكم مصر بالتفاوض عقودا، طويلة استعانت خلالها بها السلطات في غير الأوقات التي ألقت فيها تلك السلطات بالجماعة إلى المعتقلات والسجون.  

يأتي الصراع في ظل أزمات تعصف بالجماعة منذ إقصائها عن الحكم، أقلها اعتقال جميع قادتها ثم تقديمهم لمحاكمات قضت على معظمهم بالإعدام، وموت كثير منهم في السجون وسط شكاوى الحرمان من الرعاية الطبية

جبهتان

عقب القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، في 28 آب/ أغسطس 2020، ظهر أن هناك جناحين للجماعة، أحدهما في لندن بإدارة إبراهيم منير، والآخر أسسه محمود حسين في تركيا باسم "رابطة المصريين في الخارج".

بدوره، حاول إبراهيم منير إبعاد محمود حسين والموالين له عن المناصب القيادية في الجماعة، وبدأت الجبهتان في تبادل الاتهامات بالسيطرة على الملفات الإدارية والمالية للتنظيم، لكنهما وصلتا إلى اتفاق يقضي بإجراء انتخابات داخلية.

وبالفعل أجريت هذه الانتخابات بتركيا، في أيلول/ سبتمبر الماضي، وخسر محمود حسين ورفاقه، لكنهم لم يقبلوا ذلك، ورفضوا ترك مناصبهم القيادية، ما جعل بعض القيادات التابعة لـ"منير" تطالب بإحالتهم للتحقيق.

لم يتوقف الأمر عند "تبادل العزل" بين منير وحسين، بل امتد إلى تبادل الاتهامات بالعمالة ومحاولة كل جبهة أن تشكك في ولاء وانتماء زعيم الجبهة الأخرى إلى جماعة الإخوان المسلمين

وعندما أعلن إبراهيم منير ذلك، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كان أنصار محمود حسين له بالمرصاد، إذ أعلنوا عزل الأول من موقعه كقائم بأعمال المرشد، في بيان ذكروا فيه أن 75% من أعضاء مجلس الشورى العام اجتمعوا، وقرر 84% منهم ذلك.

لم يتوقف الأمر عند "تبادل العزل" وإنشاء موقع إلكتروني جديد للجماعة بديلاً عن موقعها المعروف الذي تسيطر عليه الآن مجموعة حسين، والإعلان عن إطلاق منصات أخرى تحمل نفس أسماء المنصات التي تسيطر عليها جبهة اسطنبول/ حسين. بل امتد الأمر إلى تبادل الاتهامات ومحاولة كل جبهة أن تشكك في ولاء وانتماء زعيم الجبهة الأخرى إلى جماعة الإخوان المسلمين. فظهر تسجيل صوتي لأحد قادة الإخوان، يدعى أحمد مطر، محسوب على إبراهيم منير، يزعم فيه أن محمود حسين ليس من الإخوان، إذ يقول: "منذ عام 1954 إلى 1974، دخلت مجموعة جديدة الإخوان وهم ليسوا منها، هم تنظيم سري وعصابة، مثل محمود عزت ومن على شاكلته، وهؤلاء بدأوا في تصعيد مجموعة من ذوي الطاقات المحدودة، مثل محمود حسين....".

وهو الاتهام الذي جاء فيديو محمود حسين، الذي سبقت الإشارة إليه للتعليق عليه وإعادة إبراهيم منير إلى مربع الاتهامات، إذ اتهم حسين إبراهيم منير بأنه تعمد ألا يعرض المقترح بتغيير آلية إدارة الجماعة في غياب المرشد ونوابه، حتى يظل مسيطراً على مقاليد الجماعة.

وأشار حسين إلى أن مجلس الشورى العام اتخذ قراره في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2021، بإعفاء إبراهيم منير من موقعه، واختيار لجنة مؤقتة تؤدي مهام المرشد العام، وهو الأمر الذي رفضه الأخير.

ويشار إلى أن القيادات التاريخية للجماعة، وعلى رأسها محمد البحيري، أحد أقطاب تنظيم 65، ويوسف ندا المفوض السابق للعلاقات الدولية، المسؤول عن استثمارات الجماعة، تؤيد جبهة إبراهيم منير.

يأتي ذلك في ظل أزمات تعصف بالجماعة منذ إقصائها عن الحكم في حزيران/ يونيو 2013، أقلها اعتقال جميع قادة الجماعة ثم تقديمهم لمحاكمات قضت على معظمهم بالإعدام وموت كثير منهم في السجون وسط شكاوى من الانتهاكات والتضييق والحرمان من الرعاية الطبية.

مكتب الإرشاد بكامل تشكيله قبل إنهاء حكم الجماعة في مصر - ويظهر محمود حسين جالساً أقصى يمين الصورة

تاريخ من الانقسامات

يبدو لغير المتابع تاريخ الجماعة أن الإخوان المسلمين أكثر التنظيمات السياسية في مصر اتساقاً وقوة، لكن الحال يشهد بعكس ذلك، فالانقسام الحالي، وإن كان هو الأعمق في تاريخ الجماعة، ليس الأول.

أزمات الجماعة بدأت عقب اغتيال مؤسسها حسن البنا مباشرة، عندما طرحت الجماعة على نفسها لأول مرة سؤال القيادة والمستقبل.

بعد اغتيال البنا في 12 شباط/فبراير عام 1949، جرى ترشيح حسن الهضيبي مرشداً عاماً بإجماع من الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين، وأصبح المرشد العام الثاني للجماعة عام 1951 بشكل رسمي، لكن هناك مجموعة اعترضت على هذا الأمر، وبدأت الخلافات تدب في صفوف الإخوان.

أزمات الجماعة بدأت عقب اغتيال مؤسسها حسن البنا مباشرة، عندما طرحت الجماعة على نفسها لأول مرة سؤال القيادة والمستقبل

هذا الخلاف أشار إليه مؤلفو كتاب "النظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين: النشأة، الأهداف، التطور"، الصادر عن مركز ترينز للأبحاث، موضحين أن قرار انتخاب حسن الهضيبي مرشداً عاماً تجاوزت فيه الجماعة بنود القوانين الداخلية لاختيار المرشد العام المحددة في المادة 10 في لائحة الجماعة التي يجري بموجبها الانتخاب عام 1948 (تغيرت لاحقاً)، وتنص على أن يكون المرشد العام من أعضاء الهيئة التأسيسية، وقد مضى على اتصاله بها خمس سنوات، والمادة 18 التي تنص على أنه في حالة الوفاة أو العجز، يقوم الوكيل مقام المرشد العام حتى يعرض الأمر على الهيئة التأسيسية في اجتماع يدعى إليه خلال شهر على الأكثر من شغور منصب المرشد العام.

وذكر المؤلفون: "مع تولي حسن الهضيبي أمر الجماعة قرر إعادة تشكيل النظام الخاص - الذي كان يقوده عبد الرحمن السندي في عهد حسن البنا-  وتغيير معظم قياداته، ما حمل السندي على محاولة الانقلاب على مكتب الإرشاد والسيطرة عليه عام 1953، وكانت حجة الأخير وقتذاك أن الهضيبي ‘تخلى عن الجهاد’، وأنه يسعى لوأد النظام الخاص".

من الأحق؟

حسن البنا في معسكر تدريبي للنظام الخاص في فلسطين إبان حرب 1948- المصدر: إخوان أون لاين

ويؤكد مؤرخ الجماعة محمود عبد الحليم أن هذا الصراع كان في جوهره صراع على قيادة التنظيم؛ إذ يقول في الجزء الثاني من مؤلفه "أحداث صنعت التاريخ": "وقد كان إخواننا العاملون في النظام الخاص بدعوة الإخوان، يرون أنفسهم يمثلون فريق الانتصار رضوان الله عليهم في الرعيل الأول، ولذا قد رأوا أنفسهم أحق الناس بأن يكون صاحب هذا المنصب بترشيحهم".

في السياق ذاته، يؤكد أبو البراء محمد ماهر الخطيب، في مؤلفه "حركة الإخوان المسلمين"، أن الجهاز السري "كانت بدايته طيبة ويعمل وفق النسق العام لحركة ومنهاج الإخوان، وهو مقاومة الاحتلال الإنجليزي ومقاومة التآمر اليهودي – الإنجليزي في فلسطين"، متابعاً: "لكنه انحرف عن طريقه وأصاب رئيسه عبد الرحمن السندي الغرور، فظن أنه ينافس أو يضع نفسه في مرتبة مع الإمام الشهيد حسن البنا، ثم مع الأستاذ حسن الهضيبي".

وعن طبيعة الخلاف بين الطرفين، يقول عبد العظيم رمضان في كتابه "الإخوان المسلمون والتنظيم السري"، إنه نشأ بسبب عدم خضوع السندي لأوامر المرشد، ولكن حتى بعد قبول الهضيبي الإبقاء على النظام الخاص، استمر الخلاف لرفض السندي الخضوع لسلطة الهضيبي مرشداً عاماً.

في هذه الأثناء، استغل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر هذه الخلافات. يقول رمضان: "أخذ عبد الناصر في ضرب الإخوان من الداخل، باستغلال الصراعات التي تفاقمت بينهم... واستطاع جذب السندي إليه"، خاصة بعد أن أصدر مكتب الإرشاد قراراً بفصل عبد الرحمن السندي ومحمود الصباغ وأحمد زكي وأحمد عادل كمال.

قرار الفصل المذكور كان له عظيم الأثر، يؤكد ذلك عبد العظيم رمضان: "وقد فجر فصل السندي ورفاقه الثلاثة أكبر انقسام وقع في الإخوان المسلمين إلى حينها، فقد انتهز خصوم الهضيبي ظروف فصل هؤلاء الأعضاء دون تحقيق أو حيثيات فصل، لتحريك القاعدة الشبابية للإخوان ضد الهضيبي، مطالبين بإجراء تحقيق في أسباب هذا الفصل". ويتابع رمضان: "وقد أحرج الهضيبي ولم يجد ما يقوله، إلا أن للمكتب أن يصدر ما يشاء من قرارات، ولا يسأله أحد عن الأسباب، والإسلام لا يعرف قداسة لمخلوق، وبذلك تحولت قضية الصراع على التنظيم السري إلى قضية صراع على الديمقراطية داخل الإخوان".

ويتحدث عمر التلمساني، أحد قادة الرعيل الأول في الجماعة، عما حدث آنذاك، فيقول في كتابه "ذكريات لا مذكرات": "ومن يومها انتهى أمر عبد الرحمن السندي ومن معه من صفوف الإخوان، ولم يعد لهم في الجماعة شأن. وبدأ عبد الناصر يحتضنه، وعينه في شركة شل، وأسكنه فيلا في الإسماعيلية، فيها كل وسائل الراحة".

ويشير حسن العشماوي، أحد قادة الجماعة، في كتابه "الإخوان والثورة"، إلى استغلال عبد الناصر لحالة الصراع، قائلاً: "وجلست مع عبد الناصر أكثر من مرة، ولم يخف عني الإخوان جفوة نحوه ونحو سياسته، وأنه ينوي حل الجماعة. ودعاني أكثر من مرة إلى التعاون معه بعيداً عن نطاقها، فلم يجد مني قبولاً، وكانت أحاديث طويلة وقف كل منا فيها موقفه".

بين اليوم والبارحة

كان اغتيال حسن البنا ضربة مزلزلة لجماعة الإخوان المسلمين، خاصة أنه أتى في وقت ظنت الجماعة انها ستكرَّم لخوضها قتالاً ضد الإنجليز، لكنها تعرضت لقرار الحل الأول في تاريخها، إذ أصدره محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء آنذاك، في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 1948، لكن القرار لم يفتت الجماعة وحفظها بقاء مرشدها ومؤسسها، إلى أن اغتيل عام 1949، فوقع التفكك الذي حاولت الدولة بقيادة عبدالناصر – ولم تفلح- استغلاله لتفكيك الجماعة نهائياً.

الآن، بعد مرور ما يقرب من 70 عاماً على هذه الأحداث، يعود الإخوان إلى الشقاق مرة أخرى، والسبب كرسي الإرشاد. ولكن بشكل أعنف، ربما فرضته حالة الضعف والتفكك التي لم تصادفها الجماعة في تاريخها منذ تأسيسها عام 1928.

عصفت الأزمات بالجماعة، منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 تموز/يوليو 2013، وتمكن بعض أعضائها من الهرب خارج البلاد، في حين بقي آخرون في السجون منذ هذا التاريخ وبعده، ويحتاجون إلى حلول للخروج، ويعولون على إخوان الخارج للوصول إلى "مصالحة" مع السلطات المصرية تحسن من أوضاعهم في السجون أو تتيح لهم استعادة حريتهم. لكن اتحدت خلافات قيادات الجماعة على القيادة وضربات الأجهزة الأمنية والقضاء المصريين، لتنقطع المساعدات عن كثير من أسر المسجونين على إثر هذا الصراع.

بيعة المقابر

بين الصراع على كرسي الإرشاد في الخمسينيات وما بعد سجن المرشد العام محمد بديع، واجهت الجماعة انقسامات وصراعات أخرى، وإن كانت محدودة. تعرض إلى أحدها الباحث الراحل حسام تمام في مؤلفه "تحولات الإخوان المسلمين" إذ يقول: "في أوائل عام 1996 أخذ مأمون الهضيبي، نائب المرشد آنذاك، البيعة علناً لمصطفى مشهور، بعد الفراغ مباشرة من تشييع جنازة المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر، وقبل الانصراف من المقابر. وهو الإجراء الذي رأت قيادات [الجماعات] من خارج مصر أنه تم بدون العودة إليهم، وبغرض الالتفاف عليهم وسلبهم أي حق في اختيار قيادة الجماعة وتوجيه سياساتها".

لم يقبل قيادات الخارج آنذاك المبررات التي ساقها مأمون الهضيبي، وقيادات الداخل لتبرير إسراعهم في اختيار المرشد الجديد، "حفظاً لوحدة الجماعة من الانقسام" الذي كان يهددها بقوة جراء أزمة انشقاق أعضاء التنظيم وتأسيسهم حزب الوسط (أبو العلا ماضي وصلاح سلطان وغيرهما)، وكذلك المحاكمات العسكرية التي طالت بالسجن أكثر من تسعين قيادياً من الكبار في كل أنحاء مصر.

وبحسب تمام، لم تعلن قيادات الخارج خلافها على الملأ آنذاك حفاظاً على كيان الجماعة في ظل الصدام مع نظام مبارك، لكنهم أصروا على اعتبار تصرف الهضيبي خروجاً على اللائحة التي تنظم عمل التنظيم والمعتمدة من قيادة الجماعة في 29 تموز/يوليو 1982، والتي تنص على أن اختيار المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد يجري عبر مجلس شورى التنظيم، الذي يضم ممثلين من جميع تنظيمات الإخوان القُطرية.

ويؤكد الباحث الراحل أن مأمون الهضيبي وقيادات التنظيم في مصر تجاوزوا هذه اللائحة، وقصروا عضوية مكتب الإرشاد الموكل إليه انتخاب المرشد من بين أعضائه على أعضاء مجلس شورى التنظيم المصري فقط والبالغ عددهم 85.

هذا الأمر لم يظهر للعلن فجأة، لكن مأمون الهضيبي لم يحتفظ منذ البداية بعلاقات جيدة مع أقطاب التنظيم الدولي وقياداته من خارج مصر التي طالما اختلفت معه في طريقة إدارته وتعامله مع مخالفيه لأنه تعمد تهميش أي دور للقيادات الإخوانية من خارج مصر.

ويشير حسام تمام إلى أن الصدام وصل ذروته مع إصرار الهضيبي حين كان نائباً للمرشد على توحيد جهة الحديث باسم الجماعة وجعلها من اختصاصه فقط، وذلك بإلغاء منصب المتحدث الرسمي للإخوان في الغرب، الذي كان يحتله القطب الإخواني البارز كمال الهلباوي، المصري المقيم في لندن، الذي استقال احتجاجاً على تهميش الهضيبي قيادات الخارج.

أزمة تصعيد عصام العريان

يموت البعض ويستمر الصراع وتغيب العبرة. هكذا يمكن وصف حال الجماعة، التي أسسها حسن البنا دعوية، لكنها أصبحت ملعباً لتصفية الحسابات والصراعات الشخصية، فلم تكد تمر سنوات قليلة على واقعة مأمون الهضيبي حتى عصفت بالجماعة أزمة كبرى، لم يكن للسلطات المصرية يد فيها، وإنما صنعتها أيدي الإخوان. ففي 20 أيلول/ سبتمبر عام 2009، توفي محمد هلال، أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سناً آنذاك (مواليد عام 1920)، ومن هنا بدأت الأزمة التي عرفت بـ"تصعيد العريان إلى عضوية مكتب الإرشاد".

أراد محمد مهدي عاكف، المرشد العام الأسبق، تصعيد عصام العريان، رئيس المكتب السياسي، إلى عضوية مكتب الإرشاد، خاصة أنه حصل في الانتخابات التكميلية لعام 2008 على نسبة 20% من أصوات أعضاء مجلس الشورى العام، ومن ثم يصبح من حقه التصعيد بشكل تلقائي بدلاً من محمد هلال.

لم يرحب أعضاء مكتب الإرشاد بالفكرة، ما جعل "عاكف" يقدم استقالته في 18 تشرين الأول/أكتوبر عام 2009، وبدأت حالة من المشاحنات، وخرج محمد حبيب، نائب المرشد ليعلن أن الأول فوّض إليه إدارة شؤون الجماعة.

وكان لا بد في هذا التوقيت من إجراء انتخابات عاجلة على منصب المرشد، في حين يظل محمد حبيب المتحكم في شؤون الجماعة إلى حين اختيار المرشد الجديد. وبالفعل أعلن المرشد العام الذي كان مقرراً أن تنتهي ولايته يوم 13 كانون الثاني/يناير 2010 انتخاب مكتب الإرشاد الجديد، لكن حمل البيان مفاجأة!

استبعد بيان عاكف الدكتور محمد حبيب، النائب الأول للمرشد، ومعه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب الإرشاد، من قائمة المكتب، وصعد عصام العريان.

على إثر ذلك، تقدم حبيب باستقالته من جميع مواقعه التنظيمية داخل الجماعة، في 31 كانون الأول/ديسمبر عام 2009، وأكد في تصريحات أن الانتخابات خالفت لوائح الجماعة، خاصة أن الدعوة إليها جاءت من عاكف، وليس من المكتب المنوط به ذلك، معتبراً أن إجراء الانتخابات على هذا الشكل من الاستعجال كان الهدف منه تمكين فريق ضد آخر.

وربما يقصد الدكتور محمد حبيب من عبارة "تمكين فريق ضد آخر" الإشارة إلى الخلاف القائم آنذاك بين تيارين داخل الجماعة عرفا بـ"المحافظين والإصلاحيين"، الأول يتبع سيد قطب ويتبنى آراءه "التيار القطبي"، والآخر يسير على نهج "البنا"، المعنون بـ"الوسطية والاعتدال"، وهو ما لم يكن مرغوباً فيه.

ويختصر الباحث الراحل حسام تمام ما حدث آنذاك في كتابه "الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة"، فيقول: "وتمت محاصرة التوجهات الإصلاحية تماماً في انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2009، بحيث خرج أهم رموزها محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح من مكتب الإرشاد، وانتخب عصام العريان، الأقرب للتفاهمات، عضواً في المكتب كسبيل لاحتواء الرجل. بينما انتخب محمد بديع، العضو التنظيمي القوي، مرشداً ثامناً لجماعة الإخوان المسلمين في كانون الثاني/ يناير 2010".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard