محمد البحيري... الرجل القوي داخل تنظيم الإخوان المسلمين

الأحد 24 أكتوبر 202110:48 ص

خلال الأيام القليلة الماضية، نشبت خلافات قوية داخل جماعة الإخوان المسلمين، بدأت بإعلان إبراهيم منير، نائب المرشد العام للجماعة والقائم بأعماله، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، قراراً بإيقاف ستة من القادة البارزين، وإحالتهم للتحقيق، بدعوى ارتكابهم مخالفات تنظيمية وإدارية، تتعارض مع اللائحة العامة للجماعة، وعلى رأسهم محمود حسين، الأمين العام السابق.

تفاصيل الصراع داخل الإخوان

عقب القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، في 28 آب/ أغسطس 2020، صار لدى الإخوان مكتبان، أحدهما في لندن، بإدارة إبراهيم منير، والآخر أسسه محمود حسين في تركيا، باسم "رابطة المصريين في الخارج".

حاول إبراهيم منير إبعاد محمود حسين والموالين له عن المناصب القيادية في الجماعة، وبدأت الجبهتان في تبادل الاتهامات بالسيطرة على الملفات الإدارية والمالية للتنظيم، لكنهما وصلا إلى اتفاق يقضي بإجراء انتخابات داخلية.

أجريت هذه الانتخابات في تركيا، في أيلول/ سبتمبر الماضي، وخسر محمود حسين ورفاقه، لكنهم لم يقبلوا بذلك، ورفضوا ترك مناصبهم القيادية، ما جعل بعض القيادات التابعة لإبراهيم منير تطالب بإحالتهم للتحقيق.

وعندما أعلن منير ذلك، كان أنصار محمود حسين له بالمرصاد، إذ أعلنوا عزل الأول من موقعه كقائم بأعمال المرشد، في بيان لهم، ذكروا فيه أن 75% من أعضاء مجلس الشورى العام اجتمعوا، وقرر 84% منهم إقالة إبراهيم منير.

حتى الآن، ما زال الصراع مستمراً بين الجبهتين على القيادة. وفي ظل هذه الصراعات، برز اسم أحد القيادات التاريخية للجماعة، ونُسبت إليه إدارة الأزمة الحالية، وهو المهندس محمد البحيري.

من هو محمد البحيري؟

هو المهندس محمد أحمد البحيري، أحد قيادات الرعيل الأول داخل جماعة الإخوان. وبحسب محمد الصروي، في كتابه "الإخوان المسلمون الزلزال والصحوة"، كان المتهم رقم 25 في القضية رقم 12 لسنة 1965 (تنظيم 65)، مع سيّد قطب، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان حينذاك يبلغ من العمر 22 عاماً، ويعمل مهندساً كيميائياً في شركة النصر لصناعة الكوك والكيماويات في حلوان (أقصى جنوب القاهرة)، وحكم عليه بالسجن المؤبد.

وعقب خروجه من السجن، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، قبل قضاء مدة حكمه الكاملة، كُلّف محمد البحيري بالإشراف على إخوان مصر الذين كانوا يعملون بالمدارس والمعاهد التعليمية في اليمن.

ويوضح سامح عيد، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان، والذي حضر محمد البحيري أثناء تواجده باليمن، لرصيف22 أن الأخير ظل في صنعاء حوالي 20 عاماً، وكانت مسؤولاً عن الإشراف على الإخوان فقط، ولم يكن يعمل في مجال الهندسة، ثم انتقل إلى السودان.

حتى الآن، ما زال الصراع مستمراً بين جبهتي إبراهيم منير ومحمود حسين على قيادة الإخوان. وفي ظل هذه الصراعات، برز اسم أحد القيادات التاريخية للجماعة، ونُسبت إليه إدارة الأزمة الحالية، وهو المهندس محمد البحيري

وعندما اندلعت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، بدأ محمد البحيري، عضو مكتب الإرشاد حينذاك، في التردد على مصر وحضور الاجتماعات التنظيمية.

وعقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من منصبه، في 3 تموز/ يوليو 2013، عاد إلى السودان، وتولى مهمة ترتيب معيشة عناصر الجماعة الهاربين إلى الخرطوم، كما تولى بعض الملفات الإدارية والمالية في التنظيم الدولي في لندن.

ويتحدث عنه أحمد بان، عضو الجماعة المشنق، ويقول لرصيف22: "كان مسؤول الإخوان في اليمن والسودان، وأحد أهم الشخصيات العقائدية داخل التنظيم، قبل أن يصبح أحد أباطرة المال داخل الجماعة".

ويشير عيد إلى أن البحيري يمتاز بالشدة والصرامة، فعندما لم ينفّذ بعض شباب الإخوان في السودان تعليمات القيادة، في تموز/ يوليو 2016، طردهم من منازلهم وقطع عنهم الإمداد، إلا أنه عاد واحتوى الأزمة حينذاك خوفاً من تفاقمها.

مدير الأزمات في تنظيم الإخوان

عقب القبض على القائم بأعمال المرشد، محمود عزت، في 28 آب/ أغسطس 2020، أعلن إبراهيم منير نفسه خلفاً له، في منتصف أيلول/ سبتمبر من نفس العام، بدون انتخابات، وبخلاف ما تنص عليه اللائحة الداخلية للجماعة. ومن هنا بدأت الأزمة بين مكتبي لندن وإسطنبول.

في تلك الظروف، سعى البحيري الذي كان يتنقل بين تركيا وبريطانيا، إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أنه فشل في إدارة الأزمة، وتصاعدت حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.

وظهر اسم البحيري في تسريب صوتي للقيادي الإخواني، أمير بسام، في تموز/ يوليو 2019 يقول فيه إن "محمود حسين اعترف أنه أخذ ما ليس حقاً له، بمشاركة محمود الإبياري وإبراهيم منير والبحيري".

"يرى أنه لم يأخذ المكانة التي يستحقها داخل الجماعة، ويرى نفسه الأكثر كفاءة، نظراً لكونه من جيل سيد قطب"... مَن هو القيادي الإخواني محمد البحيري؟

وتعليقاً على ذلك، يقول أحمد بان إن ما تحدث عنه بسام أمير "غيض من فيض أموال لا رقابة عليها ولا صيغة مشروعة ومؤسسية لإدارتها".

لكن الباحث المختص في شؤون الحركات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة منير أديب يرى أن وجود اسم محمد البحيري في التسريب أمر طبيعي، خاصة أنه مسؤول عن ملف الأموال في الجماعة.

يرى محمد البحيري نفسه الأحق بقيادة الجماعة، لأنه من قدامى الإخوان، ومن معاصري سيد قطب. وأشارت بعض التقارير إلى دعمه لمحمود حسين، إلا أنه مع احتدام الأزمة، خرج في بيان له، في 14 تشرين الأول/ أكتوبر قائلاً: "لنا إمام، وهو الأستاذ إبراهيم منير، والإمام له السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره حسب أركان بيعتنا العشرة".

وعن التقارير التي تشير إلى دعم محمد البحيري لمحمود حسين، رغم خروجه ببيان يدعم فيه إبراهيم منير، قال أحمد بان إن "المصالح تتصالح، وتبدل الولاءات مرتبط بذلك، وأتصور أن بيانات الدعم مدفوعة أيضاً، والجميع يصرف الأموال الضخمة حرصًا على البقاء في المناصب التي تضمن لهم أموالاً طائلة وصورة إيجابية، بينما الإقالة ستشوههم وتقطع عنهم المال".

محاولة انقلاب من قلب اليمن!

كان القيادي المنشق عن جماعة الإخوان سامح عيد يعمل مدرساً في اليمن أثناء تولي محمد البحيري قيادة شباب الجماعة هناك. ويكشف بعض الأسرار عن هذا الرجل، من واقع ما رآه، في كتابه المعنون بـ"تجربتي في سراديب الإخوان".

يطلق عيد على البحيري لقب "الكاهن الأعظم"، مشيراً إلى أنه "كان لا ينادى إلا بالأستاذ، وأذكر مرة أن أخطأ أحد الإخوان وذكر اسمه محمد البحيري بدون لقب الأستاذ، فما كان من المسؤول إلا أن عنفه تعنيفاً شديداً، وأعطاه درساً في الأدب والاحترام".

ويشير عيد إلى أنه عندما اعترض على بنود الاستئذان في الزواج والسفر التي تقول بها الجماعة، رد عليه البحيري قائلاً: "ما هو أصل أنت لو بتشاور إخوانك في الزواج كنا عملنا حسابك"، مضيفاً: "قابلني مقابلة فاترة للغاية حتى أنه لم يدعُني للجلوس وقال أنا مشغول وكلمني على الواقف، رغم مجيئي من سفر طويل يتعدى الست ساعات".

وكشف عن أن "محمد البحيري كان يخطط للانقلاب والسيطرة على مكتب الإرشاد"، موضحاً: "كانت القيادة في اليمن تمارس ممارسات غريبة"، إذ كانت تعيد حوالي 400 شخص كل سنة، ما يعني أنها في 20 سنة سيكون لديها 10 آلاف إخواني "موزعين على القطر المصري بعناية فائقة".

وتابع القيادي المنشق عن الجماعة: "أظن أنه كان يخطط للسيطرة على مكتب الإرشاد، حيث كان يمنحهم أعلى الرتب، خاصة رتبة عامل، ورتبة نقيب، وكان يربيهم على عينه، ويزرع فيهم قيم الطاعة والثقة ودرجة من درجات الولاء الشخصي لشخصه. فعندما ينزل أخ إخواني بدرجة نقيب (مربي ومسؤول إداري)، من اليمن إلى مصر كان من المؤكد أن لا يكون له مكان إلا في مكتب المحافظة أو مسؤول شعبة، وعدد 10 آلاف ليس قليلاً كما يظن البعض".

ونوّه المؤلف إلى أن الخطة كانت ستسير كالتالي: "إذا استتبت الأمور ورجع (البحيري) إلى مصر فإن الانتخابات كانت ستأتي به مرشداً لا محالة، ناهيك عن قدرته على تشبيكهم (العائدين) في تنظيم سري خاص يسيطر به على مقاليد الجماعة، بدلاً من محمود عزت المسيطر حالياً"، علماً أن الكتاب المذكور صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، بعد القبض على محمد بديع مرشد الجماعة، وتولي عزت وظيفة القائم بأعماله.

ويقول عيد إنه "ربما كان يرى البحيري في نفسه أولوية للقيادة، لأنه يكبر محمود عزت سناً وربما مقاماً في تنظيم 65، ويرى أن الظروف هي التي أبعدته وأوجدته في اليمن".

ويشير من ناحية أخرى إلى أنه "استطاع السيطرة على ما يُسمى بالتنظيم الدولي أيضاً، بانتقاء الإخوة المنضبطين تنظيمياً، وعن طريق لجان الإغاثة الممولة من الكويت ودول الخليج، تمكن من الإتيان بعقود للإخوان في جيبوتي والسودان وإثيوبيا وغيرها من الدول الإفريقية، وأيضاً أمريكا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، لتتسع علاقاته الدولية، وتأثيره في التنظيم الدولي".

فشل خطة البحيري في مصر

يقول سامح عيد لرصيف22 إن محمد البحيري كان يغدق على الكثيرين من الإخوان في اليمن الهدايا، ويمنحهم رتباً عالية، أي "مسؤوليات في الجماعة"، و"عندما عاد إلى مصر، بدأ يدور على محافظات مصر، خاصة أن لديه محبين له في كل محافظة، ربّاهم في صنعاء، لكن مكتب الإرشاد تنبه إلى ذلك، وأحبط كل محاولاته، وأرسل معه مرافقين في رحلاته".

وشدد الباحث المنشق عن الجماعة على أن البحيري يمتلك نفوذاً كبيراً في التنظيم وله علاقات واسعة، وأن كل عناصر الإخوان في أوروبا تابعون له، لافتاً إلى أنه "يرى أنه لم يأخذ المكانة التي يستحقها داخل الجماعة، ويرى نفسه الأكثر كفاءة، نظراً لكونه من جيل سيّد قطب".

المرشح الأقرب لقيادة التنظيم

يقول منير أديب إن حقيقة شخصية محمد البحيري تبدو "مجهولة"، موضحاً: "يظهر أنه المرشح الأقرب لخلافة إبراهيم منير، في قيادة تنظيم الإخوان، خاصة أنه يُعَدّ المتحكم الفعلي في شؤونها حالياً".

وبسؤاله عن تأثير سن الرجل الذي يقترب من الـ80 عاماً على طموحاته، أوضح أن إبراهيم منير يقود التنظيم حالياً، وعمره 84 عاماً، وهذا لا يعني عدم قدرة محمد البحيري على القيادة، كما أنه كان في قضية تنظيم 65، وهو الأمر الذي له مكانة خاصة لدى الإخوان، بجانب أنه مر بتجارب عديدة غرست حب الجماعة في داخله".

ولفت إلى أن البحيري يؤدي أدواراً قد يكون لها علاقة بالإنفاق على الجماعة، وامتلاك أسرارها، ويشرف على العديد من المؤسسات الخاضعة للتنظيم، خاصة المهام اللوجيستية، ويمكن القول إنه من فصيل الصقور أو الحرس القديم، وكان دائم الحضور في اجتماعات التنظيم الدولي.

واعتبر أديب أن ما يحدث داخل الإخوان حالياً ليس مجرد صراع أو خلاف قد ينتهي لصالح أحد الطرفين، موضحاً أن جبهة محمود حسين (في تركيا) تمثل إخوان مصر، والأخرى التابعة لمنير تملك القيادات التاريخية والكبار، مؤكداً أنه "إذا حُسم الخلاف لصالح جبهة منير فقد يكون هذا بداية انهيار الإخوان، خاصة أنه ليس هناك ما يسمى بجماعة الإخوان بدون المصريين منهم".

وتابع: "سيكون مصير الكثير من شباب الجماعة في هذه الحالة، العزل أو تجميد العضوية أو الهروب من التنظيم إلى الأكثر منه عنفاً مثل طالبان أو داعش"، مشدداً على أن ذلك "سيكون بداية حقيقة لانهيار التنظيم، ولن يحدث ذلك بسرعة كما يعتقد البعض، وإنما يستمر لسنوات، والأهم هو انهيار الفكرة".

في السياق ذاته، يؤكد أحمد بان أيضاً أن "الأموال والمصالح هي مادة الصراع داخل الإخوان، والذي يختبئ خلف اللوائح والصلاحيات، وهنالك فساد كامل ورقابة غائبة"، مشددا على أن "الجماعة تواجه لحظة النهاية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard