المهر، والعذرية، والاستعارات الدينية... كيف تحولت المجتمعات البدائية للنظام الأبوي؟

الاثنين 25 أكتوبر 202105:08 م

مع الصعود المتنامي للحركات النسوية في العالم المعاصر، بدأ النقاش حول أسباب اتصاف المجتمعات الإنسانية البدائية بالصفة الأبوية/الباطريركية، يعود إلى الواجهة من جديد.

في الوقت الذي أكدت فيه الأغلبية الغالبة من الرؤى والأفكار الدينية والتقليدية على أن تسلط الرجل على المرأة هو أمر طبيعي يتسق مع الفطرة والمنطق، فإن الكثير من المخالفين قد ذهبوا إلى أن تحول المجتمعات الإنسانية للشكل الأبوي قد وقع بشكل تاريخي تطوري بحت، وبناءً على تفاعل مجموعة من الأسباب المادية التي تراكمت نتائجها على مدار آلاف السنين، الأمر الذي خلص في نهايته إلى ترسيخ النزعة الذكورية الأبوية، وإظهار آثارها في كل من المدونات القانونية والمعتقدات الدينية.

كيف تحول المجتمع للشكل الأبوي؟

على الرغم من أن العديد من النظريات الأنثروبولوجية تذهب إلى أن المجتمعات الإنسانية الأولى، كانت في حقيقتها مجتمعات أمومية/ماطريركية، وأن السلطة فيها كانت بيد الإناث دوناً عن الذكور، فان الباحثة الأمريكية غيردا ليرنر قد استهلت كتابها "نشأة النظام الأبوي"، بما يشبه الصدمة لأصحاب تلك النظريات، وذلك عندما أكدت أنه واستناداً إلى مجموع الأدلة التاريخية والأركيولوجية المتوافرة لدينا حتى اللحظة، فإنه لا يمكن إثبات قيام أي مجتمع أمومي سابقاً، وتبقى جميع النظريات التي تحدثت عن قيام مثل هذا المجتمع معتمدة -بالأساس- على مجموعة من الأساطير والتأويلات الدينية فحسب. الأمر الذي ترجحه ليرنر، أن المجتمعات البدائية قد عرفت نوعاً من أنواع التشاركية في السلطة، وأن كلاً من الإناث والذكور قد تمتعوا بحقوق شبه متساوية لفترة طويلة، حتى وقع التحول إلى الشكل الأبوي/الباطريركي المحض.

في هذا السياق ناقشت ليرنر مجموعة من السيناريوهات الشهيرة التي اقترحها كبار الأنثروبولوجيين الغربيين، والتي عملوا من خلالها على تفسير تحول المجتمعات الإنسانية إلى الشكل الأبوي. أول تلك السيناريوهات، كان ذلك الذي قدمه الفيلسوف الألماني فريدريك إنجلز في كتابه "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة"، واعتمد فيه على أعمال باحثي الأنثروبولوجية في القرن التاسع عشر الميلادي.

وملخص هذا السيناريو أنه لما كانت المجتمعات الإنسانية البدائية قد اتسمت بالشيوعية، فأن الأعمال قد توزعت بين الرجال والنساء على قدم المساواة، وبينما أضطلع الذكور بالصيد والحرب وتوفير المواد الخام، فأن الإناث قد اهتممن بتربية الأطفال وإعداد الطعام، ومع مرور الوقت، ومع تطور تربية الحيوانات، فقد ظهرت بعض الصناعات التحويلية وظهرت التجارة، مما سمح بتركز فائض الثروة في يد الرجال، الأمر الذي نتج عنه ظهور الملكية الخاصة، وظهور الحاجة إلى توريث الأموال، ومن هنا فقد تم تقييد زواج المرأة برجل واحد فقط، حتى يضمن الأزواج أبوتهن لأبناء أزواجهن، الأمر الذي أدى بالتبعية لربط أفكار البتولية والشرف والطهارة والعذرية بالمرأة، مما أتاح الفرصة لهيمنة الذكور، وهيأ الظروف لما أسماه إنجلز بـ"الهزيمة العالمية التاريخية للجنس الأنثوي".

الأنثروبولوجي الفرنسي كلود مياسو قدم طرحاً معارضاً لطرح إنجلز، عندما قال إن تطور الزراعة، قد استلزم تماسك الجماعة ومن ثم تقوية البنية الأسرية، ولما كانت هناك فائدة كبيرة للإناث والأطفال كأيدي عاملة زراعية، فقد سعي الذكور المحاربون للسيطرة على المرأة باعتبارها مصدراً للإنجاب، وبالتالي ظهرت الملكية الفردية، بما يعني أن السيطرة على الإناث كانت سبباً في ظهور الملكية الفردية، لا نتيجة للملكية كما ذهب إنجلز.

في قوانين حمورابي، التي ظهرت في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، تم التأكيد على نفوذ الأب بشتى الطرق، فمثلاً، أقرت القوانين بسلطة الأب على أولاده، وجرمت أي تمرد قد يقع من الأبناء ضده

الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس قدم طرحاً مغايراً في كتابه "البُنى الأولية للقرابة"، إذ أفترض أنه لما كانت المجتمعات البدائية تتشكل من تجمعات صغيرة عاشت بالقرب من بعضها البعض، فأنها كانت معتادة على الدخول في حروب وصراعات متكررة بسبب البحث المستمر عن الطعام والمأوى، ولما زادت حدة تلك الصراعات، فأن البشر قد وجدوا أن الحل يكمن في عقد المصاهرات بين القبائل، ولذلك ظهرت فكرة تابو سفاح القربى بحيث يتم تحريم زواج رجال القبيلة من نسائها، وتم استخدام النساء عندئذ كسلعة تبادلية لعقد أواصر المودة والتحالف مع القبائل الأخرى، الأمر الذي حط بالتبعية من قدر المرأة، وحولها لمجرد شيء يستخدم بمعرفة ذكور كل قبيلة.

أما الفرضية التي تبنتها ليرنر في كتابها، فتقوم بالأساس على ربط التحول البطريركي بتطور الإنسان من جهة وظهور العبودية من جهة أخرى، إذ تذهب الباحثة الأمريكية أنه ومع اعتياد الإنسان على الوقوف على قدمين، فقد عانت النساء من ضيق الحوض وقناة الولادة، الأمر الذي استلزم معه ولادة الطفل برأس صغير، وصار الأطفال يولدون لذلك في سن أصغر من السن التي يولد فيها بقية الحيوانات، مما أدى إلى طول فترة الحضانة والرعاية، وأجبر الأم على الانشغال بأطفالها حتى يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم. بناءً على ذلك، تمركز نشاط المرأة داخلياً، إذ كان من الصعب عليها ممارسة الصيد وهي تحمل أطفالها، بينما أهتم الرجال بالمهام الخارجية.

إذا كان ذلك التعاون قد ساوى بين الطرفين في الفترة المبكرة، إلا أنه ومع مرور الوقت ودخول القبائل في الحروب، فإن الذكور -ولا سيما أولئك الذين حققوا الأمجاد العسكرية منهم- قد انفردوا بالسلطة، ووجدوا أن فكرة اغتصاب نساء القبائل الأخرى من شأنها أن تؤكد على سطوتهم ونفوذهم "ذلك أن الإرهاب والإكراه الجسديين، اللذين كانا مكوناً جوهرياً في سيرورة تحويل الأحرار إلى عبيد، اتخذ بالنسبة إلى النساء، شكل الاغتصاب، وتم إخضاع النساء جسدياً بالاغتصاب، وحالما كن يحملن، يصبحن مرتبطات سيكولوجياً بأسيادهن، ومن هنا ااستُقيت مأسسة التسري، التي صارت أداة اجتماعية لدمج النساء الأسيرات في مساكن آسريهن، وبهذا يؤكدن لآسريهن ليس فقط الخدمات المخلصة، بل لنسلهم أيضاً".

من شريك إلى سلعة... التحول القانوني

على الرغم من غياب أي نصوص من شأنها أن تقدم رؤية واضحة لوضع المرأة القانوني في العصور السحيقة، فأن عدداً من الآثار التي تعود للحضارة السومرية في الألف الثالث قبل الميلاد، تبيّن أن بعض الإناث قد حزن سلطات واسعة، إذ شاركن أزواجهن من الملوك في حكم البلاد، وشاطروهن آيات القداسة والقوة، الأمر الذي ظهر في تجهيزات المدافن الملكية في أور على سبيل المثال.

مع ذلك، يمكن القول إنه ومع تطور الحضارة في الشرق الأدنى القديم، بدأ الطابع الأبوي في فرض نفسه شيئاً فشيئاً، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته في نصوص المدونات القانونية القديمة، ومنها على سبيل المثال، كل من شريعة حمورابي وأسفار العهد القديم.

 الكاهنة ديهيا، كاهنة جبال الأوراس، قادت الشعوب الأمازيغية وقاومت التوسع الإسلامي في القرن السابع الميلادي

في قوانين حمورابي، التي ظهرت في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، تم التأكيد على نفوذ الأب بشتى الطرق، فمثلاً، أقرت القوانين بسلطة الأب على أولاده، وجرمت أي تمرد قد يقع من الأبناء ضده، فإذا رفع الابن يده على أبيه عوقب بقطع يده، وإذا قام الإبن المُتبنى بتحطيم الرابطة الأبوية ناكراً الأب الذي تبناه، فأن العقوبة هي قطع لسان الإبن، وفي السياق ذاته، حكمت الشريعة اليهودية بالإعدام على كل ابن تجرأ على ضرب أي من الوالدين.

يلاحظ أيضاً أن جميع المدونات القانونية القديمة، قد همشت بشكل كبير من قيمة المرأة، ونظرت إليها على كونها شيئاً مملوكاً للذكر، ففي شريعة حمورابي، لم يُفرض أي عقاب على الرجل الذي يمارس الجنس مع خطيبته الطفلة، وكانت "القوانين المتنوعة ضد الاغتصاب، أدخلت كلها مبدأ أن الطرف المتضرر هو زوج أو أبو المرأة المغتصبة، وكانت الضحية ملزمة بالبرهنة على كونها قاومت الاغتصاب بالصراع أو الصراخ.."، بحسب ما تذكره ليرنر في كتابها.

أيضاً كانت عذرية العروس شرطاً قانونياً للزواج، وكان من الممكن أن يتم إلغاء العرس في حالة أن تم اكتشاف عدم عذرية العروس، بما يعني أن التربح المادي للآباء من خلال التحصل على مهور بناتهن كان مرهوناً، بالمقام الأول، ببتولية تلك الفتيات، الأمر الذي أضفى مع الوقت بعداً قيمياً للبتولية وربطه بمفهومي الشرف والعفة.

الحال في الشريعة اليهودية لم يختلف كثيراً، ويمكن التأكد من ذلك بمراجعة القانون الذي ينص على أنه في حالة وفاة زوج قبل أن تنجب منه زوجته، فأن أخا المتوفى يقوم بزواج أرملة أخيه ويولدها ولداً يحمل اسم المتوفى ويُنسب إليه، الأمر الذي تفسره ليرنر بأنه -ووفق معتقدات تلك الفترة- لما كانت تلك الأسرة قد دفعت مقابل هذه المرأة، فأنه قد وجب عليها -أي الأسرة- أن تستفيد منها بشكل أو بآخر، لأنها قد صارت تقع ضمن ممتلكاتهم.

من القداسة إلى النجاسة... التحول الديني

يمكن الادعاء بأن التحول المجتمعي للشكل الأبوي، قد ترك آثاره بشكل أكثر وضوحاً في منظومات المعتقد الديني القديمة، تلك التي عرفت في بدايتها الاعتراف بسلطة الآلهة الإناث، قبل أن تبدل ولائها بعد ذلك، لتدين بالتبعية للآلهة الذكور.

الإنسان البدائي الذي عرف منذ فترة مبكرة، أن للأنثى قدرة سحرية على خلق الحياة، قدس جميع الأعضاء الأنثوية المسؤولة عن الولادة أو الجنس، وتذكر ليرنر أن هناك الآلاف من التماثيل الصغيرة التي تم العثور عليها في مناطق متفرقة، وتعود للآلف الثالث قبل الميلاد، والتي تظهر فيها الأعضاء الأنثوية كالأثداء والمهبل ومنطقة الفخذ، فضلاً عن الكثير من التماثيل التي أخذت فيها المرأة وضعية الولادة، أو صورت فيها وهي تحمل جنينها، الأمر الذي يعكس المعتقد القديم بقداسة تلك الأعضاء، وما كمن فيها من قدرات إنجابية مدهشة. في تلك المرحلة الحضارية، ظهرت عبادة الآلهة الإناث من أمثال نينهورساك وإنانا في سومر، وعشتار في بابل، وعشتروت في فينقيا، وأنات في كنعان، وهيكاتي- آرتميس وهيرا في اليونان، وإيزيس في مصر.

في تلك المرحلة الحضارية، ظهرت عبادة الآلهة الإناث من أمثال نينهورساك وإنانا في سومر، وعشتار في بابل، وعشتروت في فينقيا، وأنات في كنعان، وهيكاتي- آرتميس وهيرا في اليونان، وإيزيس في مصر

الأمر اختلف بعد أن دخل البشر في مرحلة تدجين الحيوانات، ذلك أن الاقتراب من تلك الحيوانات، حدا بالرجال ليعرفوا أن لهم دوراً مهماً أيضاً في عمليات الإخصاب والتكاثر، وأن موهبة خلق الحياة ليست مقصورة على الإناث فحسب، ولم يمر وقت طويل على إدراك تلك الحقيقة، إلا وقد أُقحمت الاستعارات الذكورية في الشعائر والطقوس الدينية، وتشهد على ذلك التماثيل التي تصور الأعضاء التناسلية الذكورية، والتي شاع استخدامها في الحفلات والمناسبات الزراعية على وجه الخصوص.

هذا التطور المعرفي، ألقى بظلاله على منظومة المعتقدات الدينية، لنجد أن الآلهة الذكور قد احتلوا المكانة الكبرى التي شغلتها الآلهة الإناث من قبل، ومما يشهد على ذلك ما ورد في الملحمة العراقية الشهيرة إينوما إيليش، والتي ذكرت قيام الإله الذكر الشاب مردوك بقتل الإلهة تيامات مانحة الحياة، وكيف أنه قد استخدم جثمانها لخلق البشرية كلها. من جهة أخرى، ارتبطت الأعضاء الأنثوية في تلك المرحلة بالتدنيس، ومن ذلك ما تواتر في العهد القديم عن نجاسة الحائض والنفساء، ومنعهن –بشكل كامل- من ممارسة أعمال العبادة والتضرع إلى الله.

هذا الانتقال بقي محفوظاً، بشكل أو بآخر، في الذاكرة الدينية في الكثير من الثقافات القديمة، ففي الثقافة العبرانية مثلاً، تحدث سفر التكوين في بعض مواضعه عن يهوه الذي "خلق الذكر والأنثى"، بما يشير إلى حالة المساواة الضمنية بين الجنسين، فيما تحدث في مواضع أخرى عن "خلق حواء من ضلع أدم"، الأمر الذي يؤكد على تفوق الذكر وهيمنته. السفر نفسه ذكر قصة النبي يعقوب الذي يهجر أسرته وقومه ليرحل إلى مضارب زوجته، فيخدم أبيها ويعيش بين عشيرتها، الأمر الذي يقترب كثيراً من الصورة الذهنية الشائعة حول تقاليد المجتمع الأمومي. أيضاً تحدث العهد القديم عن العديد من الإناث اللاتي وصلن لمكانة مهمة في بني إسرائيل، ومنهن كل من القاضية دبورة والنبية خلدة.

في الميثولوجيا اليونانية، تكلمت القصص القديمة عن شعب الأمازونيات اللاتي برعن في أعمال القتال والحرب، وكن يقمن بقطع أثدائهن ليسهل عليهن استخدام القوس والسهم. أما في نوميديا وشمال إفريقيا، فقد بقي بصيص من السلطة الدينية في يد المرأة، ومما يشهد على ذلك الكاهنة ديهيا، كاهنة جبال الأوراس، والتي قادت الشعوب الأمازيغية وقاومت التوسع الإسلامي في القرن السابع الميلادي، حتى هُزمت في نهاية الأمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard