صحافيو وصحافيات لبنان... "تعبنا"

الاثنين 29 نوفمبر 202102:38 م

لم نكن نتوقع في أسوأ كوابيسنا أن نعيش، تزامناً، واحدة من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية في التاريخ الحديث، وانتشاراً لفيروس كورونا الذي يطور نفسه باستمرار، وثالث أكبر انفجار غير نووي في العالم.

ونتيجة لذلك يعاني 30% من اللبنانيين واللبنانيات من أمراض نفسية، بحسب ما أشار إليه رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى "أوتيل ديو" ورئيس الجمعية الفرنكوفونية للأمراض النفسية في لبنان، الدكتور سامي ريشا، الشهر الفائت.

من بين هؤلاء، صحافيون وصحافيات لم يملكوا "رفاهية" الحداد والتعافي خلال السنتين الماضيتين، لأن "هيدا شغلهن". مطلوب منهم، كما يقولون، أن يخفوا تعبهم وقلقهم وخوفهم لينقلوا صوت الناس، وكأنهم يعيشون في فقاعة لا تطالها الأزمات التي يعاني منها كل مقيم ومقيمة في لبنان.

ظروف عمل خارج المنطق

تشير اليسار قبيسي، منتجة مستقلة وعضو لجنة التنسيق في تجمع نقابة الصحافة البديلة، إلى أن الضغوط النفسية التي يتعرّض لها الصحافيون/ات هي على أكثر من مستوى: الأول هو على صعيد ظروف العمل التي "أصبحت خارج أي منطق. يعني من وقت الثورة من سنتين لليوم، لم يعد هناك ساعات عمل محددة، وباتت تتجاوز 15 و17 ساعة يومياً"، وفق قولها.

أما المستوى الثاني من الضغوط النفسية الذي تحدثت عنه قبيسي، فيأتي من شعور الصحافيين/ات بعدم توفر الحماية الجسدية والقانونية لهم/نّ خلال تأدية عملهم/نّ.

صحافيون وصحافيات لم يملكوا "رفاهية" الحداد والتعافي خلال السنتين الماضيتين، لأن "هيدا شغلهن". مطلوب منهم أن يخفوا تعبهم وقلقهم وخوفهم لينقلوا صوت الناس، وكأنهم يعيشون في فقاعة لا تطالها الأزمات

وبحسب حديث قبيسي مع رصيف22، فإن الكثير من المراسلين والمصورين اضطروا لتغطية اشتباكات وأحداث أمنية من دون دروع واقية، كما أنهم "غير محميين قانونياً، في ظل غياب دور فاعل لنقابة المحررين في حمايتهم من الانتهاكات التي يتعرضون لها بشكل متزايد، إن كان من خلال المحاكمات أمام المحاكم العسكرية، والاعتداءات من قبل جهات أمنية رسمية وغير رسمية، وتعرضهم للتوقيفات والاستدعاءات".

ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، اضطرت العديد من وسائل الإعلام المحلية الى التأخر في تسديد المستحقات، أو دفع جزء منها، وصولاً الى الصرف التعسفي.

في هذا الصدد، يقول حسن هاشم، محرر في موقع vdlnews، إنه في ظل الأزمة الاقتصادية، بات الموظفون/ات هم/نّ الحلقة الأضعف، مشيراً إلى أن"هناك مؤسسات ترفض تصحيح الأجور بحجة الضائقة المالية التي تمرّ بها، في حين أن المؤسسات التي زادت المعاشات زادت من المهام الملقاة على عاتق المحررين والمراسلين، ما زاد الضغوط عليهم".

ويتفق معه حسين (اسم مستعار) والذي يعمل محرراً، بأن بعض المؤسسات باتت تستغلّ الوضع الاقتصادي وضيق سوق العمل، على قاعدة "ما رح تلاقو شغل برا يدفعلكن هيك معاشات".

ويضيف حسين لرصيف22، أن العاملين/ات في الإعلام باتوا أكثر عرضة "لمضاعفة ساعات العمل وسوء المعاملة من ناحية، والقرارات التعسفية، كإلغاء الإجازات السنوية والشهرية، وأحيانا إلغاء الإجازات الأسبوعية، بسبب وجود أحداث مستجدة".

"نعيش على حساب معاناة الناس"

واقع الإعلام هذا يضع الصحافيين/ات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا القبول بظروف العمل المجحفة، أو الاستقالة والعمل بشكل حرّ، مع ما يحمله ذلك من عدم استقرار وقلق حول تأمين مدخول ثابت يؤمن لهم/نّ الحدّ الأدنى من المتطلبات.

يقول أيمن (اسم مستعار) الذي يعمل في المونتاج، إنه يشعر بالذنب لأنه يعمل وفق أجندة "لا تقف على مسافة واحدة من الناس الذين يتعرضون لشتّى أنواع المآسي".

ويضيف لرصيف22، أنه "مثلاً في أي ملف إقليمي تغطيه القناة، فإنه في الكثير من الأحيان يتم غض النظر عن مأساة مجموعة من الناس مقابل المبالغة في تغطية مأساة أخرى، بهدف خدمة أجندتها السياسية"، معتبراً أن "المؤسسات الإعلامية تدعي الإنسانية فقط مع الأطراف التي تؤيدها".

هذا الواقع يزيد من غضب أيمن الداخلي، بالإضافة إلى عدم تمكنه من تغيير مكان عمله بسبب ظروف سوق العمل وتدني المعاشات في المؤسسات الإعلامية الأخرى.

الصحافيات: "استُنزفنا"

"ببساطة الصحافي الرجل بينرد عليه موقف بموقف، أما نحن النساء فيتم شخصنة أي رد علينا"، تشرح اليسار قبيسي الضغوطات الإضافية الملقاة على الصحافيات بشكل خاص.

عادة ما تتعرض الصحافيات لمضايقات عبر الإنترنت أو بشكل مباشر بسبب مواقفهنّ، وعادة ما يأتي الرد عليهن "بأنه عنّا عقدة ما. وحتى الهجوم يكون على شكلنا أو لبسنا أو نمط حياتنا. ولا مرة كان الرد بموقف على موقفنا أو عملنا"، تقول قبيسي.

وتتشارك اليسار مع العديد من الصحافيات بإحساسهن بأنهن "الفريسة الأسهل، وبدنا نبذل جهداً مضاعفاً لندافع عن حالنا، ما يستنزفنا بطريقة أكبر".

هذا التمييز الذي تتعرض له العديد من الصحافيات يضعهنّ أمام خيار اللجوء الى "آليات دفاع قد تكون عدوانية ومبالغ فيها في نظر البعض، إلا أن البيئة التي نمارس فيها عملنا ليست بيئة آمنة"، بحسب تأكيد قبيسي، كاشفة أنه مطلوب من الصحافية "أن تبذل جهداً مضاعفاً لتثبت أنها جديرة بهذه الوظيفة، الأمر الذي من المفترض ألا يكون مطروحاً أساساً".

هذا عدا عن التحرش الذي تتعرّض له بعض الصحافيات والعاملات في مجال الإعلام داخل مؤسساتهنّ وخارجها. وكثيرة هي القصص التي تسردها الصحافيات حول تحرش شخصيات معروفة بهنّ خلال إجراء مقابلات، أو الطلب منهنّ صراحة تقديم خدمات جنسية من أجل الحصول على وظيفة أو حتى إجازة، بغض النظر عن كفاءتهنّ المهنية.

"هيدا شغلكن ولا وقت لتضميد الجراح"

رغم مرور أكثر من عام على انفجار بيروت، ما يزال الصحافيون والصحافيات، خصوصاً الذين غطوا الانفجار، يعانون من آثار ما بعد الصدمة.

يقول حسين (اسم مستعار): "عرفت إنو بيتي اتضرر بإنفجار المرفأ من خلال فيديوهات وصلتني وكان لازم ضمنّها بتقريري. هيدا الشي حطمني نفسياً بوقتها، بس كان لازم اشتغل، وما اقدرت أعمل الحداد اللي بيعمله أي شخص بهيك حالة، نتيجة لهيدا الشي بعدني للآن ما فرغت هيدي المشاعر".

بدورها تقول اليسار قبيسي التي عادت بعد أقل من أسبوع للمكان الذي أصيبت فيه بسبب الانفجار، وذلك بغية تصوير فيلم وثائقي: "فكرت أنو فيني أتعالج من خلال الشغل، وهذا جزء من الخطأ الذي نرتكبه كصحافيين/ات.

وتشير اليسار إلى أن الكثير من المؤسسات كانت تتلاعب بمشاعر الصحافيين/ات وتجبرهم/نّ على العمل مباشرة بعد الانفجار، بحجة أن "هيدا شغلكن".

وبسبب ذلك، تقول قبيسي إنها دخلت بحالة من الإنكار قبل أن تدرك متأخرة الضرر النفسي لما حدث: "قطعت وقت طويل لانتبهت إني عم بأذي حالي وانو لازم وقف وقول لأ، بس كنت فعلياً عم بفرط".

شبكة الأمان النفسي

تشير المعالجة النفسية، لمى أمهز، إلى أنه بحكم طبيعة عمل الصحافيين/ات وتسارع الأحداث، فإنهم/نّ عادة ما لا يأخذون/ن الوقت الكافي لعملية التوافق مع ذاتهم/نّ، أو التعامل مع الصدمات التي تعرضوا/ن لها، وبالتالي، يصبحون/ن غير قادرين/ات على التعامل مع الأزمات بشكل صحي.

وتوضح أمهز لرصيف22، أن ذلك يظهر من خلال معاناتهم/نّ من القلق والإحباط وكبت المشاعر، والتي "قد تجعل الفرد عرضة للدخول في أعراض عصابية، قد تؤدي الى الاكتئاب والشعور بالهلع، إلى جانب الإحساس بالأعراض النفسية الجسدية".

وتلفت الى أن الأساس بالصحة النفسية هو الوصول الى التلاؤم "الذي يساوي التوافق مع الذات زائد التكيّف مع المحيط. فأي مشكلة بالتكيّف تؤدي إلى مشكلة بالتوافق مع الذات".

واقع الإعلام هذا يضع الصحافيين/ات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا القبول بظروف العمل المجحفة، أو الاستقالة والعمل بشكل حرّ، مع ما يحمله ذلك من عدم استقرار وقلق حول تأمين مدخول ثابت يؤمن لهم/نّ الحدّ الأدنى من المتطلبات

وتضيف المعالجة النفسية أن لوم الذات لدى الصحافي أو الصحافية يأتي "نتيجة أزمات نفسية أصيلة لديهم/نّ، أو بحكم انتمائهم/نّ الى الأكثرية المتضررة، فالصحافي/ة هو/هي من الشعب في نهاية الأمر"، مشيرة إلى أن وظيفة الصحافي تحتم عليه نقل الخبر بغض النظر عن سيئاته وإيجابياته، ولا بدّ للصحافيين من "التفريق بين المسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقهم بحكم وظيفتهم، وبين عدم قدرتهم على القيام بمساعدة الناس التي هي من واجب المؤسسات العامة. ومن هنا يأتي الإحساس بالتقصير، وبالتالي الإحساس بالذنب".

وتعتبر أمهز أن "المردود المادي للصحافيين يشكل حافزاً للاستمرار في عملهم بهدف تأمين معيشتهم، إلا أنه يصطدم مع إحساسهم بالإحباط، ويولّد بالتالي تناقضاً بين مصلحتهم الذاتية ومسؤوليتهم الاجتماعية وواجبهم المهني. وعندها يشعرون أنهم يستفيدون على حساب معاناة الناس"، كما تقول.

تجدر الإشارة الى أن تجمع نقابة الصحافة البديلة بدأ بالإعداد لجلسات علاج جماعية مجانية للصحافيين والصحافيات، والعاملين والعاملات في التصوير والإعلام، بحيث "تكون بداية توسيع شبكة الأمان النفسي". 

*هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard