"أقبّل حبيبي خلال دوام العمل"... الانهيار الاقتصادي في لبنان يتسلّل إلى الحب

السبت 27 نوفمبر 202112:00 ص

يتسلّل الانهيار الاقتصادي في لبنان إلى مسائل القلب، فتصير العلاقات العاطفية مقيّدة بالقدرة على التنقّل وبالعوامل المادية والأماكن التي لا تزال تفتح أبوابها أمام الذين يعانون العجز من تلبية بعض ضروريات العيش الكريم.

القصّة بسيطة، شخصان متحابان يقرّران أن يلتقيا لتناول الطعام أو لاحتساء القهوة. قبل الأزمة الاقتصادية الحادة كانت هذه الأمور لا تستدعي الكثير من التفكير. ومع وصول سعر صرف الدولار الأمريكي الواحد إلى 25 ألف ليرة لبنانية في ظل ثبات الحد الأدنى للأجور على 650 ألفاً، أي ما يعادل حالياً 26 دولاراً، بات تواعد المتحابين والعشاق صعباً ومحكوماً بعدّة عوامل.

مستقبل بلا حبّ

"مشاعري موجودة، وهذا أمر جيّد. فهي تعلمني أنّي لم أزل قادراً على الإحساس بشيء ما في ظل تخبّطي بين الجامعة ودوام عملي. لكن هذه المشاعر لن تدفعني لاتخاذ خطوات ملموسة. والسبب بكل بساطة هو أنّي غير قادر على تحمّل كلفة الحب". هذا ما قاله نزار عيسى (22 عاماً) الذي يعمل في إحدى حانات بيروت باحثاً عن مستقبله في ظل الانهيار الاقتصادي. وأضاف: "أحاول أن أزيل الخراب من يومياتي كي أحظى بيوم واضح وعادي، وفي أغلب الأحيان أعجز عن إتمام المهمّة. ليس لأنّي غير قادر على تنظيم يومياتي بل لأنّي فاقد السيطرة بسبب العوامل الخارجية. تالياً، أفضّل أن أكون وحيداً في ظل هذا التخبّط بدلاً من التصرّف على أساس مشاعري والمبادرة نحو علاقة عاطفية ولو لليلة واحدة".

الانهيار حدّد أشكال التلاقي بين الأحبّة والعائلات والأصحاب، وتحكم أيضاً بمسارات الحب.

وشرح نزار أنه حتّى لو قرّر أن يخرج في موعد مع إحداهنّ، لن يتمكّن من تحمّل التكلفة. بشيء من التحسر، تابع: "صرت أتنقّل على الدرّاجة النارية بدلاً من السيارة لأن سعر الوقود مرتفع جداً. أعمل حتى ساعات الصباح الأولى ثمّ أستيقظ في باكراً وأتوجّه نحو الجامعة. علماً أني أساعد أسرتي التي تعاني بسبب الأزمة. بكل صراحة، لا أستطيع أن أتحمّل تكاليف المواعدة لان كل ليرة لا أدفعها على بدل إيجار المنزل أو المولد الكهربائي أو الطعام، ستهدّد قدرتي على تلبية حاجاتي حتى نهاية الشهر. لذلك لا يظهر الحب ضمن خططي في الوقت الحالي. ربّما حين أرى شيئاً من مستقبلي بوضوح وأستقر على أرض صلبة أدعو فتاة تعجبني إلى العشاء".

إقفال المساحات الآمنة للمثليين

يجلس موسى (اسم مستعار، 20 عاماً) خلال فترة استراحته على الكرسي المواجه لمدخل المقهى الذي يعمل فيه، منتظراً قدوم حبيبه. يأتي الأخير ويجلس معه 30 دقيقة ثمّ يفترقان. يعود موسى إلى العمل ويذهب حبيبه إلى منزله. أحياناً، يبقى الأخير معه بضع ساعات إذا أُتيح له الوقت. لكنّهما يلتقيان غالباً بعد دوام العمل، أي في ساعات متقدمة من الليل.

يقول موسى لرصيف22 إن الحياة في بيروت هي في الأساس صعبة على أفراد مجتمع الميم، وازدادت صعوبةً في ظل الوضع القائم. يشرح: "منذ تفشّي وباء كورونا، ثمّ الانفجار وصولاً إلى الانهيار المالي والاقتصادي ونحن نشهد إقفال المساحات العامّة التي تقدّم لنا، نحن المثليين، الأمان وفرص التعبير عن مشاعرنا وميولنا الجنسية. كما أنّنا نعاني كثيراً للحصول على وظائف برواتب محترمة بسبب ميولنا الجنسية".

يعمل موسى ست ساعات يومياً في أحد المقاهي المعروفة في شارع الحمراء، ويكرّس الساعات المتبقية لإكمال دراسته في اختصاص المحاسبة بالجامعة اللبنانية.

عن تأثير الانهيار الاقتصادي على علاقته العاطفية وقدرته على الخروج في مواعيد غرامية، يجيب: "انتهى زمن المواعيد العفوية، فمنذ أن ارتفع سعر صرف الدولار إلى العشرين ألفاً ونحن نقسّم المواعيد على أساس رواتبنا الشهرية". يضيف: "راتبي لا يتخطّى المليون ونصف ليرة (60 دولاراً أمريكياً). إذا أردت أن أتناول عشاءً خفيفاً في الخارج مع شريكي، فسأدفع حوالى 200 ألف (ثمانية دولارات). وإذا أردنا أن نكرّر هذا الفعل أسبوعياً، فستصل الكلفة إلى 800 ألف (32 دولاراً) في الشهر الواحد. أتكلّم عن وجبة طعام لشخصين دون أن أذكر كلفة التنقّل من منطقة إلى أخرى، وهي تناهز الـ25 ألفاً (دولار واحد). إذا أردت أن أكون دقيقاً بعض الشيء فإن المواعيد الغرامية ستكلّفنا في الشهر الواحد حوالى المليون ليرة (40 دولاراً) ونحن لا نملك هذه الرفاهية".

"الخروج في مواعيد غرامية في بيروت يسبب اكتئاباً أكثر ممّا يسبّب متعة. الجميع محبطون. هذا الإحباط يظهر على وجوه الناس في الشوارع والمقاهي والمطاعم".

عن الحلول التي يعتمدها للحفاظ على التوازن في كل جوانب حياته، وتحديداً الجانب العاطفي، يفسّر: "الجانب العاطفي في حياتي هو أقل ما يقلقني. طبعاً، لقد تأثّر بسبب الانهيار. سُلب حقّنا بخوض تفاصيل حياتنا العاطفية، وصرنا نعتمد على ميزانية لا يمكن تخطّيها. كما أننا نلتقي غالباً في أماكن عملنا، حيث نتشارك الأفعال الحميمة بطريقة علانية، فنغتنم الفرصة لتبادل القبلات. هكذا نحاول أن نحارب الغلاء الفاحش وصعوبة الأحوال المعيشية فنجتمع يومياً ولو نصف ساعة رغم القيود الاجتماعية والاقتصادية".

مواعيد منزلية

"حتّى لو كانت لي القدرة على الخروج في مواعيد رومانسية كل ليلة في بيروت، لن أفعلها. إذ من الغباوة أن أدفع 60 ألف ليرة (ثلاثة دولارات) مقابل كأس نبيذ بينما بإمكاني أن أبتاع قنّينة بـ130 ألفاً (خمسة دولارات)".

خلال فصل الصيف الماضي، طلبت سما (اسم مستعار، 26 عاماً) من شريكتها أن تنتقل للعيش معها في شقّتها بمنطقة الجعيتاوي لأسباب عدّة، أهمها السبب الاقتصادي. تقول: "أولاً، ثمة تجارة واضحة في لبنان في ما يخص كل شيء. ابتداءً من بدل إيجار المنزل وصولاً إلى أسعار المأكولات. وكي نحاول تجنّب هذه الدوامّة، قرّرت أنا شريكتي أن نعيش تحت سقف واحد، ونتقاسم التكاليف بدلاً من أن تعيش كل منا في بيت مستقل".

بهذه الطريقة وفّرت سما وشريكتها نحو أربعة ملايين ليرة شهرياً (160 دولاراً)، وقرّرتا الاستفادة من هذا المبلغ. تشرح: "الخروج في مواعيد غرامية في بيروت يسبب اكتئاباً أكثر ممّا يسبّب متعة. الجميع محبطون. هذا الإحباط يظهر على وجوه الناس في الشوارع والمقاهي والمطاعم. لذلك، كي نعزل نفسينا قليلاً عن الوضع العام، حوّلنا منزلنا إلى مكان آمن وجميل يشبهنا. حصل هذا تحديداً بعد إقفال أماكننا المفضّلة بسبب الانهيار الاقتصادي كما حدث في "باردو" أو بسبب الانفجار".

وتضيف: "الشهر الماضي، حلّت الذكرى الثانية لارتباطنا فقرّرنا أن نخرج لتناول السوشي "إنو عن ندلّع حالنا". وصلتنا الفاتورة في نهاية الأمسية ومقدارها 800 ألف ليرة (23 دولاراً بحسب سعر الصرف الحالي). طبعاً، لمن يتلقى راتبه بالعملة الخضراء يعادل هذا المبلغ الـ38 دولاراً. لكن من هن مثلي، يتلقّين الجزء الأكبر من رواتبهن بالليرة، والجزء المتبقّي بالدولار تشكّل هذه الفاتورة عبئاَ. لذلك قرّرنا عقد المواعيد في المنزل حيث نستمع إلى الموسيقى ونعد الطعام ونستقبل أصحابنا. هكذا، أقله، نحمي نفسينا من كل ما يحصل في الخارج".

"مشاعري موجودة، وهذا أمر جيّد. فهي تعلمني أنّي لم أزل قادراً على الإحساس بشيء ما في ظل تخبّطي بين الجامعة ودوام عملي. لكنّها لن تدفعني لاتخاذ خطوات ملموسة. والسبب بكل بساطة هو أنّي غير قادر على تحمّل كلفة الحب".

المواعيد العاطفية أو حرية الخروج من المنزل والالتقاء بمن نحبّ في أطر غير محدودة بهدف تكوين ذكريات جديدة، والتعرّف على وجوه لا نعرفها، هي رغبات بديهية يجب أن تكون من المسلمات. لكن في لبنان، حيث التفاصيل الطبيعية تموت تدريجياً أو تُقمع، لم يعد بإمكان الذين يتلقّون رواتبهم بالليرة، أي غالبية الشعب اللبناني، أن يخرجوا ويلتقوا بمن يحبون، بل عليهم أن يلتزموا التقشف والصبر تحت وطأة الانهيار الذي غيّر فضاء المدينة ومزاجها وأدّى إلى إقفال العديد من الأماكن التي كانت تستقبل الجميع، وحدّد أشكال التلاقي بين الأحبّة والعائلات والأصحاب، وتحكم أيضاً بمسارات الحب. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard