شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
سجناء وسجينات في زمن الانهيار:

سجناء وسجينات في زمن الانهيار: "زاد شوقنا إلى أهلنا وإلى لقمة عيشنا"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

السبت 20 نوفمبر 202112:24 م

في لبنان، نسير بحريّة تحت السماء، مثقلين بالقلق اليومي الناتج من صعوبة العيش وتأمين أدنى الحاجات. في الشوارع، يطالب الناس بالقليل من الطعام وبشيء من الراحة قد يعيدهم إلى مسار طبيعي يريهم المستقبل القريب. في المنازل، تحوّلت البرادات إلى آلات تقنين للطعام بدلاً من الحفاظ عليه. وفي الصيدليات، بعد رفع الدعم، وجوه الناس يملؤها الخوف من سيطرة الأمراض عليهم. وفي السجون، المعاناة تصل إلى خلف القضبان مضاعفة.

الفقر يزيد وحشة السجون

تشرح المحامية والناشطة في مجال حقوق الانسان، حسنا عبد الرضا، أن ظروف الحياة في السجون صعبة من الأساس، واليوم ازدادت صعوبتها بسبب الأزمة. فالسجناء والسجينات حرموا من لقاء الأهل، ومن الطعام الجيّد، ويعانون من انقطاع الماء والكهرباء مثلهم مثل الجميع، وكل هذا يجري في غرفة واحدة، أصبحت اليوم مظلمة. وتقول: "هنالك انقسام طبقي واضح داخل السجون، يترجم بالسجناء الذين لديهم منفذ إلى الدولار والسجناء الفقراء. الطبقة الأخيرة تعمل داخل السجن لدى الطبقة الغنية، أي ملاّك الدولار، كي تأكل وتشرب وتعيش".

تعطّلت المحاكمات والجلسات وتوقّف نقل السجناء إلى المحاكم بشكل شبه تام، ممّا أدّى إلى تأخير سجناء وسجينات بالآلاف عن خروجهم من السجن وبقائهم لأشهر طويلة فوق أحكامهم الطبيعية.

تلفت حسنا إلى أن كل هذه التفاصيل موجودة بالأصل في السجون، لكنّها اليوم تفاقمت. فالسجينة التي يملك أهلها عملة الدولار تعيش ملكة في الداخل، أما تلك التي أثّر الانهيار على عائلتها فهي فقيرة. وتفيد أنه في هذه الظروف، كما دائماً يتم بناء مجتمع صغير داخل السجن يتعاون فيه الأفراد، لكن بالطبع، لكل شيء مقابل. وتكمل: "السجناء كانوا ياخدوا روح بالأصحاب، بالأهل وباللقمة الطيبة، بس الوضع اليوم صار صعب، وعم بزيد الوحشة بالسجون".

 سجناء/سجينات من سجن رومية

بسبب ارتفاع أعداد الإصابات بفيروس كورونا، يتعذر الوصول إلى السجون، ومقابلة السجناء والسجينات بشكل مباشر. لكن بمساعدة الفنانة والمخرجة اللبنانية زينة دكّاش تم التواصل مع سجناء/سجينات، سجن رومية الذين ردوا على الأسئلة. حين سئلوا عن التغييرات التي طالت حياتهم بسبب الانهيار الاقتصادي، جاء ردّ المحكومين بقضايا عليا، والذين تمّ التحفّظ على هوياتهم على الشكل التالي:

"لقد تأثّر الوضع داخل السجن بشكل كبير نتيجة الانهيار الاقتصادي على كافّة الأصعدة. بارتفاع سعر صرف الدولار، ارتفعت أسعار السلع داخل السجن بشكل فاحش. كما انعدمت الزيارات العائلية بسبب تفشي وباء كورونا، أو انخفضت بسبب الوضع المادي الذي يعاني منه الجميع. داخل السجن ازدادت نسبة الفقر، خصوصاً أن الدولة غير قادرة على تغطية كلفة احتياجاتنا التي كانت تقدّمها بعض الجمعيات التي توقّف عملها أيضاً بسبب كورونا.

ما حصل في الخارج عطّل حياتنا داخل السجن. فعلى الصعيد النفسي، يوجد انهيار، وقلق يسيطر علينا ويمنعنا من النوم. على الصعيد المادّي، الأسعار مضاعفة، فمثلاً قنّينة الزيت التي كان يبلغ سعرها 25 ألفاً أصبح سعرها 86 ألفاً. لذلك، استغنينا عن احتياجات عدّة وصرنا نبتاع ما هو ضروري فقط. على الصعيد العاطفي، التخفيف من الزيارات بسبب الوضع المادّي، زاد شوقنا إلى أهلنا. وعلى الصعيد الصحّي، وبعد أن كان العلاج على نفقة الدولة، ألقيت اليوم تكاليفه على عاتقنا. ونحن بالكاد نستطيع تأمين لقمة عيشنا. أما على الصعيد القانوني، فقد تعطّلت المحاكمات والجلسات وتوقّف نقل السجناء إلى المحاكم بشكل شبه تام، ممّا أدّى إلى تأخير سجناء وسجينات بالآلاف عن خروجهم من السجن وبقائهم لأشهر طويلة فوق أحكامهم الطبيعية. كما أنّ القضاة لا يحضرون إلى قصور العدل. وعندما نسأل عن السبب، يقال: لا يوجد كهرباء". كل هذه التعطيلات أدّت إلى اكتظاظ شديد داخل السجون".

 "هنالك انقسام طبقي واضح داخل السجون، يترجم بالسجناء الذين لديهم منفذ إلى الدولار والسجناء الفقراء. الطبقة الأخيرة تعمل داخل السجن لدى الطبقة الغنية، كي تأكل وتشرب وتعيش".

تشير حسنا عبد الرضا إلى تأثير الأزمة على السلك القضائي وسير المحاكمات. وتقول: "التراكمات بدأت منذ العام 2019، مع بداية الانتفاضة، وتفشي وباء كورونا وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي والإضرابات. أحياناً كثيرة، لا يذهب السجين إلى محاكمته لأن الآليات العسكرية خالية من الوقود أو معطّلة. بعض السجناء لا يتم تأسيس ملفّاتهم لأن كاتب المحكمة لا يملك أوراق هامش، وقد يضطر السجين إلى طلب الأوراق من المحامي، حتّى أن الأقلام مفقودة.

أما القضاة فهم أيضاً يعانون، وراتبهم الشهري لم يعد يكفيهم للتنقّل من منازلهم إلى المحكمة، وبات حضورهم محصوراً بأيام محدّد في الأسبوع، ولذلك قد يقبع السجين في السجن أسبوعاً لأن القاضي أو الكاتب لم يتمكّنا من الحضور. بعض القضاة يحاولون تسهيل الأمور وتسريع الاجراءات عبر إتمام جلسات فرضية، لكن هذا الخيار ليس متوفّراً للجميع، وبعضهم لا يرضى به. بالنتيجة، كل هذه الاضطرابات والمصاعب التي يواجهها جميع الأفراد والعاملين، يدفع ثمنها السجناء والسجينات".

قضية العاملة الأجنبية

في إحدى القضايا التي عملت عليها حسنا، كانت السجينة عاملة أجنبية قبعت في السجن عامين في ظل الانهيار الاقتصادي، لأن كل وسائل تخلية سبيلها لم تكن متوفّرة. تشرح: "العاملات الأجنبيات في السجون اللبنانية يعانين بشكل خاص. في إحدى المرات قالت لي السجينة: بليز جيبيلي تياب البسها، رفقاتي ما بقى معن مصاري يجيبولي أو يجوا لعندي".

وتضيف حسنا أنه في الأيام العادية، كانت السجينات يعتمدن على الصديقات في الخارج لتأمين احتياجاتهن الخاصّة، لكن العاملات أصبحن غير قادرات على تقديم يد المساعدة. كما أن البلد يشهد موجة هجرة لليد العاملة الأجنبية. تقول: "أحياناً تخلية سبيل العاملة قد تتطلب 500 ألف ليرة لبنانية. لكن هذا المبلغ في ظل الانهيار لم يعد متوفّراً لدى العاملات، وفي حال لم تقدّم الجمعيات والمنظّمات المبلغ تبقى العاملة في السجن".

 "أحياناً كثيرة، لا يذهب السجين إلى محاكمته لأن الآليات العسكرية خالية من الوقود أو معطّلة. بعض السجناء لا يتم تأسيس ملفّاتهم لأن كاتب المحكمة لا يملك أوراق هامش، وقد يضطر السجين إلى طلب الأوراق من المحامي، حتّى أن الأقلام مفقودة".

تعتبر حسنا أن العاملات السجينات يدفعن ثمناً غالياً جداً بسبب جرائم بسيطة. فقد تقرّر العاملة المنزلية أن تترك منزل كفيلها، فيدّعي هذا عليها بالسرقة ويُزجّ بها في السجن.

بالعودة إلى قضية العاملة التي بقيت مسجونة عامين، تشرح حسنا أن السبّب الأساسي كان تعذّر نقلها إلى المحكمة. وتقول: "ما دامت العاملة موجودة في السجن لا يمكننا أن نفعل شيئاً قبل الاستماع إليها في المحكمة، تحديداً في حال عدم موافقة القاضي على تخلية السبيل قبل جلسة الاستماع".

المطالب من داخل السجون

جاءت مطالب السجناء/السجينات كالآتي: "مطالبنا الأساسية صحيّة وقانونية، وهذه المطالب لا يستطيع المسؤولون داخل السجن معالجتها، فهم يحاولون التنسيق مع الجمعيات في ما يخص الوضع الصحي. وقد أصبح لمنظّمة الصحة العالمية حضور ومركز دائمان داخل مبنى المحكومين، مع وجود أطبّاء للمعالجة، لكن حتى هذه الخطوة لا تكفي لأنها لا تغطّي متطلبات السجناء بشكل كامل. لذلك، نطالب أن يتم النظر في موضوع العلاج والأدوية، لأن لا قدرة للسجين وعائلته على تغطية نفقات المستشفيات، وأن تتحمّل الدولة النفقة. كما نُطالب بأن يتم النظر في أسعار السلع في حانوت السجن، حيث جرى الاستغناء عن الكثير من المواد الغذائية رغم ضرورتها القصوى في حياتنا. أما قانونياً، فنحن نطالب بالإسراع في بت قضايانا العالقة من سنوات في دهاليز المحاكم حتى يحصل التخلّص من الاكتظاظ الهائل الذي يعانيه سجن رومية".

السجناء والسجينات حرموا من لقاء الأهل، ومن الطعام الجيّد، ويعانون من انقطاع الماء والكهرباء مثلهم مثل الجميع، وكل هذا يجري في غرفة واحدة، أصبحت اليوم مظلمة.

وتؤكّد المحامية حسنا عبد الرضا أن الوضع صعب جداً في لبنان، وأن جزءاً من الحلول يكمن لدى المنظمات الدولية التي يجب أن تكثّف نشاطاتها في السجون، لأن السجناء لم يعد بمقدورهم حتّى توكيل محام. وتأمل أن يتمكن السلك القضائي بالتعاون مع الجمعيات من تشكيل فروق تصب في مصلحة السجناء والسجينات إذا فُعّلت المعونة القضائية ضمن الانتخابات النقابية الجديدة.

*هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard