"شهرزاد خارج القصر"... الأدب العربي وطلاب اللغة العربية في الغرب

الجمعة 3 ديسمبر 202104:15 م

ثمة مثقفون يرتبط اسمهم تلقائياً بالأمكنة، سواء كانت أمكنة للإقامة أو ممراً سريعاً لمن يعبرون المدن، ووائل فاروق هو واحد من هؤلاء. فقد بات اسمه مقترناً اليوم، ولدى كل من يعرفه من المثقفين العرب في إيطاليا وخارجها، بمدينة ميلانو، وبكل نشاط أو مؤتمر أو مهرجان يحتفي بالثقافة العربية والأدب العربي فيها، كما صار مكتبه في الجامعة الكاثوليكية "قِبلة" الدارسين الإيطاليين المهتمين باللغة العربية، ومكاناً لالتقاء الكتاب والشعراء والمثقفين الآتين من العالم العربي، سواء للإقامة في إيطاليا أو لزيارتها.

هو أستاذ اللغة العربية في الجامعة، لكنه سبق وأن درّس اللغة العربية في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً. أطلقَ مهرجان اللغة والثقافة العربية السنوي بالتعاون مع الجامعة الكاثوليكية، وحملت آخر نسخة من هذا المهرجان عنوان "شهرزاد خارج القصر: كيف أثر حضور المرأة في الفضاء العام في اللغة والآداب والفنون؟". كان هذا قبل أن يصيب "كوفيد–19" كل المشاريع الثقافية مؤقتاً، بانتظار عودتها في الدورة القادمة.

ألّف فاروق كتاب "الهويات العربية المتصارعة: اللغة والتقليد والحداثة"، وصدر باللغة الإنجليزية عن دار نشرMuta في إيطاليا، كما ساهم مع عدد من الكتاب العرب في كتاب "مقالات في الرواية العربية"، وصدر باللغة العربية عن "منشورات المتوسط" في ميلانو. وهو مؤلف كتاب "Le parole in azione"، الكتاب المعتمد بشكل رسمي لتدريس اللغة العربية للإيطاليين في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو.

وائل فاروق

حول الأدب والثقافة العربية وتدريس اللغة في الغرب، التنميط وسوء الفهم وتأثر الثقافات ببعضها البعض وغير ذلك، كان هذا الحوار مع الدكتور وائل فاروق، الصديق والأكاديمي، الكاتب والناقد والمتابع للإصدارات الجديدة وخصوصاً ما يتناول منها الثقافة واللغة العربيتين، والمتابع للخطابات النمطية السائدة هنا وهناك، قارئاً لها ومبرزاً دلالاتها وارتداداتها الثقافية على المثقفين وعلى المهاجرين المقيمين في الغرب وفي غيره.

ثمة مثقفون يرتبط اسمهم تلقائياً بالأمكنة، ووائل فاروق هو واحد من هؤلاء. فقد بات اسمه مقترناً اليوم، ولدى كل من يعرفه من المثقفين العرب في إيطاليا وخارجها، بمدينة ميلانو، وبكل نشاط أو مؤتمر أو مهرجان يحتفي بالثقافة العربية والأدب العربي فيها

هناك اهتمام واضح اليوم بالأدب العربي وبترجمته في إيطاليا وأوروبا. ما هي قراءتك وتقييمك لتلك التجارب؟

"أشكرك يا وجه السعد، لقد غیرت حیاتي". ھذا ما قالته المستعربة الإيطالیة إيزابیلا كامیرا دا فلیتو لنجیب محفوظ وھي تقدم له ترجمتھا الإيطالیة لروايته "میرامار" في بداية التسعینیات.

كانت إيزابیلا – وھي تلمیذة المستشرق غابريیلي الذي درس لطه حسین في الجامعة المصرية في بداية القرن الماضي– واحدة من عشرات الباحثین الذين ينظر إلیھم بدونية في الأكاديمیا الغربية، لأنهم اختاروا دراسة الأدب العربي المعاصر، بینما المستشرق الحقیقي ھو من يتخصص في التراث العربي والإسلامي القديم.

لقد كانت كتبھم تعامل على أنھا كتب شعبیة، سطحیة التناول، تصلح فقط للقارئ العام ولیس للقارئ المتخصص، لقد غیّر نجیب محفوظ حیاة المستشرقة الكبیرة ومئات غیرھا عندما فاز بنوبل، وبذلك أصبح للأدب العربي المعاصر أخیراً فضاء مستقل يحظى بالاحترام في الجامعة.

أدخل فوز محفوظ بنوبل تخصص الأدب العربي في الجامعة، ولكنه أخرجه أيضاً من دائرة المتخصصین، حیث التفت الناشرون إلیه وبدأوا في طرحه للجمھور العام، وھذا ما يؤكده أرشیف المؤسسات المعنیة بالترجمة والنشر في بعض البلدان الأوروبیة، حیث مثّل عام 1988، وهو عام نوبل محفوظ، بداية منحنى يصعد باطراد في ترجمة ونشر الأدب العربي ولا سیما القصة والرواية.

قبل ذلك لم يكن مترجماً لنجیب محفوظ نفسه إلا رواية "الكرنك"، كما لم يكن مترجماً من الأدب العربي كله إلا عدد قلیل جداً من الأسماء وأغلب الترجمات كانت عن لغة وسیطة، وھنا قائمة بكل المؤلفین الذين ترجم لھم عمل أو أكثر حتى عام 1988: توفیق الحكیم، جبران خلیل جبران، غسان كنفاني، طه حسین، إمیل حبیبي، محمد تیمور، نوال السعداوي، محمد نجیب، محمد حسین ھیكل، بدر شاكر السیاب، ذو النون أيوب، أمین الريحاني، عبد الله البصیري، إدريس الشريبي، مي زيادة، فدوى طوقان، توفیق فايد، سعد الله ونوس، زكريا تامر، نزار قباني، رشید حمزاوي.

ھذا بجانب من نشرت له قصة قصیرة في أنطولوجیا من الأنطولوجیات الخمس للقصة القصیرة التي نشرت قبل فوز محفوظ بنوبل.

حول الأدب والثقافة العربية وتدريس اللغة في الغرب، التنميط وسوء الفهم وتأثر الثقافات ببعضها البعض وغير ذلك، كان هذا الحوار مع الدكتور وائل فاروق

المحصلة النھائیة لترجمة الأدب العربي إلى الإيطالیة إذن كانت أقل من خمسین كتاباً خلال ما يقرب من قرن من الزمان، بينما يصل مجموع الكتب التي ترجمت من العربية بعد فوز محفوظ بنوبل527 كتاباً، أي حوالي 88% مما تمت ترجمته من الأدب العربي، أي أن ما ترجم في الثلاثین عاماً الأخیرة يعادل ثمانیة أضعاف ما تمت ترجمته قبل ذلك، وھو في جمیع الأحوال رقم ضئیل مقارنة بما يترجم إلى الإيطالیة من اللغات الأخرى.

لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للغات الأخرى، فقد ترجم إلى الإنجليزية بحسب إحصاءات الیونسكو168 كتاباً، بینھم12 كتاباً لمحفوظ حتى عام 1988، بینما تمت ترجمة541 كتاباً بینھم62 لمحفوظ منذ ذلك العام، أما اللغة الفرنسیة فقد ترجم إلیھا160 كتاباً بینھم اثنان لمحفوظ قبل فوزه بنوبل، و867 بینھم59 له بعد فوزه بھا.

وائل فاروق مع البابا فرنسيس

هل يمكننا القول إذن، وبمعنى من المعاني، إن فوز نجيب محفوظ بنوبل جعل الأدب العربي أدباً عالمياً؟

تشیر الأرقام التي أوردتُها لك سابقاً إلى توسّع المساحة التي يشغلھا نجیب محفوظ والأدب العربي في العالم، ولكنها لا تقول إن نجیب محفوظ والأدب العربي قد صارا عالمیَین، فالعالمیة لھا شروط أخرى تفصّلھا نادين جورديمر- الجنوب إفريقیة الحائزة على نوبل عام 1991- في معرض حديثها عن التھمیش الذي يتعرض له محفوظ وتشینوا أتشیبي وعاموس أوز بالقول:

العالمیة إذن لیست أن نشغل المساحة المخصصة لنا في العالم بوصفنا "الغرائبي" جغرافیاً وعرقیاً وثقافیاً، العالمیة ھي أن نوسِّع مساحة العالم، وبقدر ما نزحزح حدوده الجمالیة نكتسب وجودنا الأصیل فیه، لا نكون ضیوفاً على الآخرين فیما ابتكروه ولكننا نفتح باباً جديداً للوعي بالذات والعالم."على الرغم من مواھبھم الاستثنائیة، فالثلاثة من الرموز البارزة للأدب المعاصر في اللحظة الراھنة، وعلى الرغم من حصول محفوظ على نوبل، وعلى الرغم من أن أعمال تشیبي تدرس في كل جامعات العالم، وعلى الرغم من أن أعمال عوز تقرأ بست وعشرين لغة مختلفة، فإن ھؤلاء الكتاب الثلاثة لا يتم تناول أعمالھم أبداً من قبل الباحثین في الأدب خارج قاعات الدرس وأطروحات التخرج، ونادراً ما يتم ذكرھم بین أھم الأدباء في العالم الیوم، فھم لم يلهموا كتاباً آخرين ليشكلوا ظاھرة جمالية جديدة، والتي يبدو أنھا العلامة التي لا تقبل النقاش في الغرب على الشھرة والقیمة الأدبیة، أي أن يكونوا موضع تقلید الكتاب الأصغر، ھكذا ظل حضورھم في أوروبا محصوراً في كونھم ممثلین لذلك العالم الذي يقع خارجھا" .

"أشكرك يا وجه السعد، لقد غیرت حیاتي". ھذا ما قالته المستعربة الإيطالیة إيزابیلا كامیرا دا فلیتو لنجیب محفوظ وھي تقدم له ترجمتھا الإيطالیة لروايته "میرامار" في بداية التسعینیات.

لیس انتشار الأدب العربي دلیلاً على عالمیته بوصفه خالقاً للعالم، الأدب العربي معولم لأن انتشاره خاضع بشكل أساسي لقواعد السوق والاستھلاك السريع، ولیس في كلامي ھذا أي مبالغة، فلحظة المد الثانیة في انتشار الأدب العربي في الغرب كانت الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن بطلھا ھذه المرة كاتباً وإنما إرھابیاً ھو أسامة بن لادن.

هكذا يتم استدعاء الأدب العربي لإشباع فضول لحظة" الحدث" الذي سرعان ما يفتر مع انشغال العالم بحدث في مكان آخر، ثم يعود الاھتمام مع عودة العالم العربي إلى صدارة نشرات الأخبار إلیه مع حدث مثل الربیع العربي، لنظل رھن الاستدعاء، ولیتقزم الأدب العربي وكتّابه من منتجین للمعنى وللمعرفة الجمالیة التي تدفع بالوعي الإنساني نحو قیم الخیر والحرية والعدالة، إلى مجرد شاھد عیان على واقع غرائبي يتبرأ منه.

لقد رأيت بنفسي أسماءً كبیرة وصغیرة في عالم الكتابة تتطوع للقیام بدور المحلل السیاسي والاجتماعي والنفسي لمجتمعاتھم الموبوءة بالدكتاتورية والتخلف الاجتماعي والتدني الإنساني، وعلى الرغم من أنھم قلة محدودة إلا أنھم احترفوا التجوال في أوروبا التي تحولت بالنسبة لھم، من أفق جمالي يتحاورن ويتفاعلون معه لإنجاز طرحھم الجمالي إلى جمھور علینا الانتباه إلى حاجته للتسلیة بغرائبيتنا السیاسیة، حیث الكتابة عن عوالم الدكتاتورية أو الحريم... وغيرها مما يشیع الاھتمام به في وسائل الإعلام الغربیة.

يكفي أن نلقي نظرة على أغفلة الكتب والفقرة التي تقدم بھا دار النشر الكتاب على ظھر الغلاف، كما أشارت الباحثة إلیزا فیريرو في ورقة ألقتھا في مؤتمر الرواية2015 ، لندرك طبیعة السلعة التي يتم الترويج لھا.

إن ھذه الظاھرة بالطبع جزء من التوجه العولمي لتسلیع الأدب في كل مكان، والذي يتجلى في ظواھر مثل "الأكثر مبیعاً" والتي تتسق مع مجتمع ما بعد الحقیقة، المجتمع الأفقي، حیث يحتل الانتشار المكانة التي كانت محفوظة لوقت طويل للعمق في سلم القیم والمعايیر، وفي حین يوفر الجھد الأكاديمي والتنظیر الجمالي نوعاً من التوازن في السیاقات الأخرى بین العمق والانتشار، فإننا في حالة الأدب العربي نفتقد لھذا التوازن، حیث دأب النقد العربي على اجترار المقولات النظرية للآخر دون إضافة حقیقیة لھا.

نبالغ كثیراً في الحماس لـ "ما بعد الحداثة" عندما نعتقد أنھا ستحرر العالم من "المركزية الأوروبیة"، وتضفي المشروعیة على "جمالیات" الثقافات المغايرة لھا، في حين يمضي واقع ممارساتھا الثقافیة في الاتجاه المعاكس

كما دأب الأكاديمیون الغربیون على إھمال ما ھو جمالي في الأدب العربي، والتركیز علیه كمادة للبحث الأنثروبولوجي، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على أطروحات الماجستير والدكتوراة في أرشیف أي وزارة للتعلیم العالي في أوروبا لندرك ذلك، ولنجد من يتحدث عن "إرھاصات الربیع العربي في أعمال محفوظ"، وعن "الحرية والثورة في رواية الكرنك"، "الجريمة في روايات نجیب محفوظ"، وھي كلھا دراسات تبحث في الأدب عن أي شيء إلا عما يجعله أدباً.

ھكذا نرى الیوم أن المساحة التي غزاھا الأدب العربي بعد نوبل محفوظ في الفضاء العام أصبحت رھینة ما يقع من أحداث ساخنة، أما المساحة التي غزاھا في الجامعة فلم تعد تھتم به كأدب، ولكن كمادة للبحث في سیاق علوم أخرى. أما الرھان الذي يعلقه الكثیرون على ثقافة ما بعد الحداثة، المعادية للمركزية والرافضة للتھمیش، في صناعة ھذا التوازن فإنه لا يبشر بالكثیر.

نحن نبالغ كثیراً في الحماس لـ "ما بعد الحداثة" عندما نعتقد أنھا ستحرر العالم من "المركزية الأوروبیة"، وتضفي المشروعیة على "جمالیات" الثقافات المغايرة لھا، في حين يمضي واقع ممارساتھا الثقافیة في الاتجاه المعاكس، فعدم السماح بظھور مركز جديد يرسخ في النھاية المركز القائم الذي يستمر في ممارسة سلطته غیر المباشرة، وفي ترسیخ صورة نمطیة لما ھو خارجه. ما زال نجاح الأدب العربي في "المجتمعات ما بعد الحداثیة" مرھوناً بقدر ما يحتويه مضمونه من غرائبیة ثقافیة أو اجتماعیة.

كتاب وائل فاروق

عادة ما يقدم الإبداع نفسه بوصفه تجلیاً لوعي مؤرق بأسئلة الجمالي في إطار اشتباكه مع الواقعي، وعي متمرد على كل الثوابت التي يمكن أن تحد من حريته في اكتشاف آفاق الذات وعالمھا، وعي ثائر على كل الحكايات الأيديولوجیة الكبرى التي يمكن أن تعرقل قدرته على الاستجابة لعالم يتغیر بسرعة فائقة، ويخلق شروطاً فیزيائیة واقتصادية واجتماعیة وسیاسیة تفرض علینا يومیاً أن نعید اكتشاف الإنسان والإنسانیة؛ ھل يجد ھذا الإبداع وھذا الوعي مساحة كافیة في إطار التلقي الغربي، أم أنه سیتعرض دائما للإقصاء كلما حاول التمرد على إطار الغرائبیة التي يتم صبّه في قالبھا؟

إن الانتشار الذي يعتقد الكثیرون أنه خروج من الھامش وانفتاح على العالم لیس إلا المظھر الأكبر – في إطار ھذه الشروط – للتھمیش.

أليست هناك مسؤولية عربية عن سوء الفهم والنظرة الغربية إلى الأدب العربي؟

ليس إحجام الكثير من الحكومات العربية عن دعم تدريس اللغة العربية على أساسٍ علمي، وعن دعم انتشار الثقافة العربية إلى جمهور اللغات الأخرى، إلاّ نوعاً من الخطيئة التي تُقترف بحق لُغة عظيمة تختزن تاريخاً هائلاً، وينطق بها أكثر من ثلاثمائة مليون من العرب، ويتعامل معها، كلغة للقرآن الكريم، أكثر من مليار وستمائة مليون إنسان على وجه البسيطة.

في عام 2012 كان عدد طلاب اللغة العربية في كل مراحل الدراسة الجامعية 80 طالباً في الجامعة الكاثوليكية. اليوم هناك 700 طالب يدرسون العربية فيها

الصين، وبرؤية بعيدة المدى، تُنفق سنوياً ملايين الدولارات من أجل دعم تدريس اللغة الصينية والتعريف بآدابها، ما وسّع من أُطر تأثير هذه الثقافة في العالم بأسره، في حين تعامل اللغة العربية وكأنها طفلٌ لقيط ليس له من يرعاه أو يهتمّ بشؤونه، ولعل هذا أحد الأسباب التي أدّت إلى أن يتعامل النقد الغربي مع الكتابة العربية ليس كنصٍ جمالي، بل كتقرير أنثروبولوجي.

اللغة العربية لم تُدرّس بشكل علمي على نطاق واسع حتى سبتمبر 2001 وما بعده، فعندما اتّخذت الإدارة الأمريكية القرار بغزو العراق احتاجت إلى تدريب ضباطها وتعليمهم اللغة العربية، وبالتالي خصّصت هذه الإدارة ملايين الدولارات لتطوير تدريس اللغة العربية، وهو ما أتاح لنا اليوم، وأخيراً، الحصول على منهج علمي لتدريس اللغة العربية.

فرغم مرور قرون على تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية للناطقين بغيرها منذ العصر الإسلامي الأول إلى اليوم، لم يكن هناك منهج علمي دقيق صارم لتدريس هذه اللغة، ولم يتحقّق هذا المنهج إلاّ في السنوات الثلاثين الأخيرة.

إن هذا الإهمال يشير الى قصر نظر عددٍ من الحكومات ورجال الأعمال وغيرهم في العالم العربي، عندما يتغاضون عن دعم الثقافة العربية باعتبارها البوابة الكبرى للدخول الى المجتمعات الأخرى، فأنت عندما تُعلّم أبناء ثقافة أخرى وأبناء مجتمع آخر لغتك، فإنّ الكثير من هؤلاء يصبحون متضامنين معك ومع قضاياك، ويتبنّون مواقفك، وكثيرا ما يحدث هذا.

أمّا أن تترك تدريس لغتك لكارهيها، فأنت تربي أجيالاً جديدة من العداوة ومن إساءة الفهم لهذه الثقافة، فيتمّ التضيق عليك لأسباب ثقافية، وهو ما يحدث للكثير من العرب والمسلمين الذين يعيشون الآن في أوروبا، والذين لا يتمّ التعامل معهم كأصحاب دين مختلف، بل كعرقية مختلفة، كمجموعة إثنيّة، وهذا ما ينبغي دراسته وبحثه، فالمسلمون أقليّة دينيّة في أوروبا، ولكنهم أصبحوا في نظر الغرب عرقاً جديداً، وصار البنغالي والباكستاني والإيراني والأفغاني والروسي والعربي، فريقاً وعرقاً واحداً، وأصبح الإسلام، كدين، علامة لا تشير إلى أصحاب إيمان مختلف. ورُغم إنّ الفضاء الأوروبي يتّسع للتعددية في الأديان، فإنّ ما يحدث في هذا الصدد لا يتطابق مع واقع الاختلافات الثقافية والإثنية بين الأشخاص والجماعات البشريّة القادمة من أصقاع ومن تواريخ وثقافات مختلفة، ولعل هذا يحدُثُ أيضاً نتيجة التقصير في تدريس الثقافة واللغة العربية في الغرب.

ولعل هذا ما دفعني إلى تكريس ثلاث سنوات كاملة لوضع كتاب أساسي لتدريس اللغة العربية وفق المناهج العلمية لتدريس اللغة للناطقين بغيرها، وأدعي أن قدمت طرحاً جديداً في تدريس القراءة مستفيداً من علم اللغة وعلم عروض الشعر العربي، وكذلك في تدريس النحو الذي تم تجريد قواعده إلى مجموعة من الرموز البصرية والمعادلات الرياضية المستندة إلى قراءات مسبقة لنصوص طويلة تتضمن ما يجب تدريسه من قواعد، حتى لا يكون فهم القاعدة على حساب الحساسية باللغة وخصائصها المتميزة. ومنذ صدر الكتاب وهو يلقى نجاحاً كبيراً وتعاد طباعته كل عام.

ما هو الدور الذي من الممكن أن يلعبه تدريس "العربية" في الغرب لخلق حوار ثقافي بين الضفتين، وما الذي تتيحه الجامعة الكاثوليكية على هذا الصعيد؟

تنظّم الجامعة الكاثوليكية أكبر تظاهرة للثقافة العربية، شعراً ونثراً ومسرحاً وسينما ولغة وفنّاً تشكيلياً. وهي تُنظّم بذلك الحدث الثقافي العربي الأكبر في القارّة الأوروبية على الإطلاق، ففي عام 2019، مثلاً، شارك في المهرجان 56 محاضراً وفناناً وكاتباً وباحثاً من 19 دولة مختلفة، وإذا أردنا الحقيقة، فإنّ الدور الذي تلعبه الجامعة هام جداً، خصوصاً في ظل وجود تيار شعبوي يتزايد ويتعاظم بإطّراد، وهو تيار شعبوي يتغذى بشكلٍ أساسي على الجهل بهذه الثقافة وفنونها.

وأعتقد أنّ الآلاف الذين تابعوا ويتابعون هذا الحدث سنوياً يخرجون بعد الحفلات الموسيقية والعروض السينمائية والندوات الفكرية والقراءات الشعرية، بفكرةٍ مختلفة عن العالم العربي وعن الثقافة العربية، وتتغير وجهات نظرهم تجاه من جاءوا من العالم العربي إلى إيطاليا تحت أي ظرف. إن القوة الناعمة الحقيقية لأية ثقافة تكمن في حضور لغتها وثقافتها في الفضاءات الثقافيّة المختلفة في العالم.

نحرص أيضاً في الجامعة الكاثوليكية على عقد لقاء ثقافي كل شهر يناقش كتاباً عربياً في حضور مؤلفه، كما نحرص على دعوة محاضرين عرب يقومون بالتدريس في الجامعة لمدة أسبوع أو أسبوعين، مما يساعد على خلق بيئة ثقافية تجعل من دراسة العربية في بيئة أجنبية أقرب لقلوب الطلاب وعقولهم.

كما تم أيضاً تأسيس معهد اللغة العربية لتشجيع الباحثين الأوروبيين على دراسة الأدب والثقافة العربية، ويوفر لهم كل ما يسهل عملهم ويشجعهم على الاستمرار، وقد عقد المعهد عشرات السيمينارات العلمية التي تناولت قضايا الأدب العربي المعاصر، وتطور اللغة العربية ومصطلحاتها، وهو يهتم بتطوير مناهج دراسة اللغة العربية وتعلمها.

كل ذلك أدى إلى زيادة عدد الطلاب الذين يدرسون قضايا العربية خاصة في المجال المعجمي، علم المصطلحات وتحقيق المخطوطات، فقد ارتفع عدد رسائل الماجستير والدكتوراه التي تتناول اللغة العربية والثقافة العربية من صفر إلى 57 رسالة خلال 4 أعوام. ولأول مرة في تاريخ الجامعة الكاثوليكية يكون لدينا ثلاث رسائل دكتوراه لثلاث باحثات في الثقافة العربية، فُزنَ بمنحة من الجامعة. ولأول مرة أيضاً، يلتقي الطلاب الذين حضروا مهرجان اللغة العربية بكتاب ومثقفين عرب من بلاد عربية مختلفة، وكتبوا عن هؤلاء رسائل ماجستير.

في عام 2012 كان عدد طلاب اللغة العربية في كل مراحل الدراسة الجامعية 80 طالباً في الجامعة الكاثوليكية. اليوم هناك 700 طالب يدرسون العربية فيها. هل هناك أمل؟ طبعاً هناك أمل، لكن المشكلة أن من يقومون بهذه الأعمال قليلون وغير متخصصين، ونتمنى في السنوات القادمة أن نصل إلى تأسيس وبناء شبكة من الأكاديمين العرب في الأكاديميا الغربية لهذا الهدف.

بالنسبة لي وفي الإطار الضيق الذي نعمل فيه، هذا إنجاز كبير...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard