"رفضتني لأني لا أتحدث الإنجليزية"... عن "عقدة" اللغة الأجنبية التي تحاصرنا

الاثنين 10 مايو 202105:26 م

"شقيقتي تنتقدني، تصفني بـ 'البيئة' بسبب اختياري اللغة العربية لهاتفي المحمول، ورغم أنني أجيد الإنجليزية، أتجنّب الحديث بها على مواقع التواصل، وعادة أتحدث في غرف الشات باللغة العربية، وكثيراً بالعامية المصرية"، تقول هدى عبد الحافظ، موظفة في القطاع الخاص، تسكن في مصر الجديدة بالقاهرة ، 

لا تقتصر شكواها على أختها، تشير عبد الحافظ إلى أن الكثير من أصدقائها يستخدمون "الفرانكو آراب"، وهي كتابة كلمات عربية بحروف وأرقام إنجليزية.

"رفضتني بسبب اللغة"

رغبت فاطمة العطار، ربة منزل، تسكن في مصر الجديدة، بشدة في إلحاق ابنها بمدرسة لغات، ما كان سيتسبب في طلاقها بسبب إصرار زوجها على إلحاقه بمدرسة حكومية "عربي". تقول فاطمة لرصيف22: "الأمر بالنسبة لي كان مصيرياً، لأني أبحث عن مستقبل ابني، فإجادته لغة أجنبية سيتيح له فرص عمل أكبر، وتعلم اللغة العربية يمكن أن أقوم به أنا لطفلي، فهو أمر غير مهم، كما أني أخشى على مصير ابني بين الأطفال والمراهقين، وحتى المدرسين في المدارس العربي، وما تعانيه من عشوائية وأجواء بلطجة".

عدم إجادة اللغة الإنجليزية هي عائق أسامة محمد فيصل، محامي شاب، أمام زواج محتمل بفتاة أحبها، رفضته بعد فترة تعارف قصيرة، يقول: "علمت بعدها من إحدى صديقاتها أن سبب الرفض هو عدم إجادتي التحدث بالإنجليزية، وهو أمر سبَّب لها حرجاً وسط أصدقائها وصديقاتها، اللي 'عاوجين بقهم وبيرطنوا' طوال الوقت".

"علمت بعدها من إحدى صديقاتها أن سبب الرفض هو عدم إجادتي التحدث بالإنجليزية، وهو أمر سبَّب لها حرجاً وسط أصدقائها وصديقاتها، اللي 'عاوجين بقهم وبيرطنوا' طوال الوقت"

ويستطرد المحامي الشاب لرصيف22: "كنت أعاني كثيراً عند الحديث معها عبر الشات، لأنني لم أكن أفهم أغلب ما تكتبه، سواء بالإنجليزية أو الفرانكو آراب، حصار عقدة اللغة الإنجليزية يطاردني في كل مكان تقريباً، وهو ما يشعرني بالضيق الشديد، خصوصاً عند ارتيادي لأحد المطاعم، فعادة تقدم لي قائمة طعام لا تتضمن كلمة عربية واحدة، رغم أن 90% مع رواد المطعم من المصريين وجنسيات عربية أخرى".

الأمر يتجاوز الرفض، وقد يصل إلى السخرية، إذا ما حاولت مثل سامي أحمد، مصور فوتوغرافي، أن تتمسك بنطق صحيح بعض الوقت للغة العربية.

يقول سامي: "أصدقائي يسخرون مني، لأنني أقول أمي، وأخرج طرف لساني عند نطق حرف، وفي حقيقة الأمر أنا من يسخر منهم، لأن غالبيتهم يكتبون عربية مليئة بأخطاء إملائية مثيرة للضحك، منها أن أحدهم لا يعرف أن كلمتي برتقان وكمترا، حسب طريقة النطق المصرية، أصلهما برتقال وكمثرى، يومها امتنعت عن إخباره بما هو الإجاص".

"عاهة ثقافية"

تشكو آلاء مراد، مدرسة في إحدى الحضانات الخاصة، أن جميع الآباء يلقنون أبنائهم "مامي وبابي"، وكلمات أخرى، سواء إنجليزية أو فرنسية، وذلك من باب التفاخر والتباهي بالأبناء، وسط التجمعات والأقارب، وتضيف: "النتيجة خروج أجيال تشعر بأن العربية لغة من الدرجة الثانية، وأن من يتمسك بها أقل في المستوى المادي والاجتماعي من المتحدثين باللغات الأجنبية".

وهذا ما يشعر به مصطفى بدوي، موظف بأحد البنوك، "التميّز"، يقول لرصيف22: "لأنني خريج إحدى المدارس الأجنبية لا أستطيع الاندماج مع خريجي المدارس الحكومية 'العربي' لأسباب متعددة، منها اللغة وطريقة التفكير، والسلوكيات بشكل عام".

وأضاف: "أتذكر أن أبي كان يهددني وإخوتي ونحن صغار، بأنه سيقوم بنقلنا لمدارس عربي، في حال تقصيرنا في الدراسة واستذكار دروسنا، وهو أمر كان يخيفنا كثيراً، ويدفعنا لتنفيذ تعليماته وعدم إثارة غضبه".

على عكس والد مصطفى، تحكي راقية يوسف، موظفة متقاعدة، عن والدتها أنها كانت تحذرهم من استخدام كلمات أجنبية في أي تجمعات، وكانت تلتزم بالعربية في حديثها، رغم تعليمها في مدارس فرنسية، وكانت مصر بلد محتلة من الإنجليز آنذاك، وتقرأ القرآن بصعوبة.

تقول راقية: "كانت والدتي تقول لنا إن استخدام كلمات أو جمل بلغة أجنبية وسط جمع من الناس، به شخص واحد لا يفهم تلك اللغة قلة ذوق، وعدم تربية".

أما شريهان يحيي، طالبة جامعية، والتي تستخدم جملاً وكلمات إنجليزية في ثنايا حديثها، فتدافع عن تصرفها قائلة: "مش حكاية إني بحب أعوج لساني، كما يتهمني البعض، ولا أفعل ذلك للتباهي والمنظرة، ولكن طريقة تعليمي فرضت علي استخدام مصطلحات وجمل أجنبية، ولا أعرف لها بديلاً في العربية، وأنا لست فخورة بذلك، ولكن للأسف لغتي العربية ضعيفة".

"كانت والدتي تقول لنا إن استخدام كلمات أو جمل بلغة أجنبية وسط جمع من الناس، به شخص واحد لا يفهم تلك اللغة قلة ذوق، وعدم تربية"

د. سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في القاهرة، يصف عدم معرفة الأجيال التي تتخرج من الجامعات باللغة العربية، بمقابل الاهتمام بتعلم الإنجليزية مثلاً، بأنه "ظاهرة خطيرة، يمكن تسميتها بالعاهة الثقافية، نتيجتها أجيال لا تعرف لغة البلد التي يعيشون بها، وللأسف بعض الأهالي يتفاخرون بكون أبنائهم لا يعرفون قراءة العربية وكتابتها أو حتى التحدث بها".

وتابع: "بعض أولياء الأمور يتمسكون بتعليم أبنائهم اللغات الأجنبية، لضمان توظيفهم في وظائف تعود عليهم بدخول مرتفعة، أو سعياً لتعيينهم مستقبلاً في شركات أو بنوك دولية، وربما تحضيرهم للهجرة خارج البلاد".

"ابن خلدون تحدث منذ القدم عن المجتمع المهزوم، الذي يقلد المنتصر، وهو ما يبرر شعور العرب بأن الثقافة الغربية أكثر رقياً، وهذا الرقي يشمل الجوانب العلمية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك أصناف الطعام وأسمائها والأزياء، ومن ثم أصبحنا ننظر إلي الشخص الذي لا يتقن لغة أجنبية نظرة دونية".

المسؤول الرئيس عن تلك النظرة الطبقية، بحسب رأي صادق، هو الفجوة التعليمية والثقافية والاقتصادية التي نعيشها الآن، في مجتمعاتنا العربية، بين أبناء البلد الواحد، وأيضاً التنشئة الاجتماعية الخاطئة التي لعبت دوراً في إقناع النشء بأن من يتقن اللغات الأجنبية أكثر تحضراً، أو "ابن ذوات"، وتأصل تلك المفاهيم ساهم في ظهور أجيال لا تخجل من عدم إتقانها التحدث بالعربية، لكن الأمر سيكون مثيراً للدهشة إذا طلب من شاب عربي يعمل في جهة أجنبية، أن يكتب خطاباً بالعربية، ويتبين أنه جاهل بلغته الأم.

ورغم خطورة الأمر – يستكمل أستاذ علم الاجتماع – لكن لا شك أن التعليم الأجنبي يفوق بكثير مثيله المحلى، وأن تعلم اللغات أمر ضروري، ولكنه ليس عذراً لترك وإهمال تعلم اللغة الأم.

افتقاد للذوق

ويشعر علي مرزوق، مدرس لغة عربية بإحدى المدارس الخاصة بالقاهرة، بالتمييز مقارنة بمدرسي اللغات الأجنبية، يقول لرصيف22: في الحقيقة أجور المدرسين سواء، لكن الفارق في الأوضاع المالية يحدث بسبب اهتمام الطلاب وأولياء الأمور بالحصول على دروس خصوصية في اللغات الأجنبية، بعكس اللغة العربية".

وسط ضجيج المصطلحات والكلمات الأجنبية التي يرددها الكثير منا، تناسى البعض أن الأمر يورطهم دون أن يدركوا في تجاوزات في حق الآخرين، وأن عليهم الكف عن مضايقة غيرهم، وهو ما تكشفه رضوى نجيب، استشارية الإتيكيت، إذ تقول لرصيف22: "إصرار شخص على التحدث بلغة أجنبية مع أشخاص لا يجيدونها أو لا يفهمونها تماماً، سلوك يمكن وصفه بعدم التحضر ومرفوض، لأنه يفتقد للذوق، خصوصاً إذا كان غرضه الأساسي هو التباهي والتفاخر".

الخبير التربوي محمود عبد التواب، يربط بين تراجع الاهتمام باللغة العربية، وحالة الضعف التي تشهدها المجتمعات العربية بشكل عام، في كافة المجالات، خاصة التعليم.

"اللغة العربية تعيش الآن واقعاً مؤلماً".

وتابع: "اللغة العربية تعيش الآن واقعاً مؤلماً تعددت أسبابه، ومنها مزاحمة اللغات الأجنبية لها في مراحل التعليم الأساسي، وضعف مستوى الكثير من معلمي اللغة العربية، وعدم قدرتهم على تعليم الأطفال مهارات اللغة بشكل صحيح، إضافة لعدم تقدير المعلمين أدبياً ومادياً، ليؤدوا دورهم بشكل جيد، وضرورة إعادة النظر في طرق تدريس اللغة العربية، وتحسين المحتوي الدراسي الخاص بها".

وحمل عبد التواب بعض الحكومات العربية مسؤولية إهمال اللغة العربية، بسبب تجاهل بعض الأمور، مثل سن قوانين وتشريعات تحفظ اللغة والتراث، وتمنع من يتصدرون المشهد الإعلامي من الاستمرار في الإسفاف اللغوي، وقبل كل ذلك الارتقاء بالمعلمين وابتكار برامج تعليمية وألعاب إلكترونية تشجع النشء على تعلم لغتهم الأم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard