كأن هناك مدرسةً سرّيةً يذهب إليها الرجال المسيئون والمعنِّفون

الخميس 25 نوفمبر 202105:53 م

صدرت إحصائيةٌ صادمة مؤخراً في مصر، تفيد بأن 42% من النساء هناك تعرّضن للعنف الأسري من أزواجهن، أي ما يقارب نصف السيدات المتزوجات، وذلك بالتأكيد غير العنف النفسي الذي يشمل التلاعب النفسي، و"الجاز لايتنج" (التلاعب بالعقول)، وغيره. هذه النسبة المفزعة، لا يمكن أن نمرّ أمامها مرور الكرام. شخصياً، رأيت نساءً من المستويات كلها، ومن أعلى القامات، تعرضن للعنف البدني على يد أزواجهن. وفي الوقت ذاته، خرج علينا الشيخ مبروك عطية، في أحد البرامج، يبرّر العنف الزوجي، بعد أن أخبرته الضيفة بأنها تعرّضت للضرب المبرح على يد زوجها، وأخبرها بأن النساء دائماً ما يبالغن في الشكوى، وأنها ربما استفزّته. تبدو نسبة الدراسة منطقيةً، إذا كان هذا هو الخطاب المتصدر في الإعلام عن العنف ضد النساء.

وفي دراسة عن مفاهيم العنف المنزلي أُجريت تحت إشراف نسرين البغدادي، وأريج البدراوي، عضوتَي المركز القومي للمرأة، تبيّن أن أسباب العنف متداخلة، ومتشابكة، ويصعب تحديد سبب واحد، وقُسّمت إلى عوامل اجتماعية، مثل العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء من الأجداد، والفكرة الراسخة بأن قيادة الرجل لا بد أن تكون بالعنف، والقوة، والتمييز بين الجنسين. وذكرت الدراسة أيضاً، عوامل اقتصادية، مثل تراكم الديون، وفقدان الوظيفة، مما يزيد الإحباط من ممارسة عنف الفرد تجاه أسرته، وبيّنت أنه كلما قلّ دخل الأسرة، كلما ازدادت نسبة العنف النفسي، والاجتماعي فيها.

كامرأة تعرّضت لعلاقة مسيئة، من الصعب عليّ أن أجد سبباً، أو تبريراً للإساءة، لكني كنت مهتمةً بأن أفهم لماذا يفعل المسيئون هكذا؟

على الجانب الآخر، يخبرني صديقي، رجائي موسى، صاحب دار نشر "هن" في القاهرة، بأن الدار أصدرت ترجمة كتابٍ بعنوان "أبيوز"، للكاتب لندي بانكروفت، المتخصص في التعنيف الأسري، أو بالإنكليزية "لماذا يفعل هكذا؟"، والذي يجمع شهاداتٍ لنساء معنَّفات نفسياً، وجسدياً. أثار اسم الكتاب شجوني، لأني لطالما سألت هذا السؤال في السابق؛ إنه يقول إنه يحبني، لماذا يفعل هكذا؟ اشتريت الكتاب على الفور، لاهتمامي بتحليل العلاقات المسيئة.

كامرأة تعرّضت لعلاقة مسيئة، من الصعب عليّ أن أجد سبباً، أو تبريراً للإساءة، لكني كنت مهتمةً بأن أفهم لماذا يفعل المسيئون هكذا؟ وكدت أُجنّ من تطابق بعض التفاصيل التي ذكرها الكتاب مع ما جرى معي، ومع أصدقاء، مثل أن يقوم المسيء بفعل المعروف الذي لا تريدينه من أجلك، أو أن يظهر الكثير من الكرم، مما يشعرك بعدم الارتياح. تبدو الذكرى بعيدةً الآن، لكن أعرف بوضوحٍ اليوم أن ذلك كان رغبةً منه في السيطرة، ولم أكن أيضاً أعلم أن هناك مصطلحاً يُسمّى "الجاز لايتنج"، ولا أن شريكي يتلاعب نفسياً بي من الأساس، لكي أفعل ما يريده هو، وليس ما أريده أنا، أو أن أعتذر عن أخطائه، لكني الآن عرفت، وأدركت أنني لست متفردةً في هذا العناء، وعرفت أيضاً أن شعوري بعدم الراحة كان سبباً كافياً لأن أرحل.

وأتعجّب كيف تكررت تفاصيل بعينها، مع تفاصيل جرت مع أخريات، كأن هناك مدرسةً سرّيةً يذهب إليها الرجال المسيئون، والمعنِّفون، ليتعلّموا نمطاً موحّداً للإساءة، أو أن هناك كوداً عالمياً للعلاقات المسيئة.

لا أعرف لماذا لا يرحمنا المُسيء من هذا الحب القاسي، حتى جعلنا نربط دائماً بين الحبّ والأذى؟ أو لماذا عليّ أن أدفع ثمن اصطفائك لي، لكي تحبّني، وتدمّر حياتي في المقابل؟

خرافات عن الرجل المسيء

في كتاب "أبيوز"، يُفنّد بانكروفت، الخرافات المنتشرة عن الرجال المسيئين، والتي هي من صنع الرجال المسيئين أنفسهم؛ هناك تعبير مصري يُطلَق عليه "قلب الترابيزة"، أو تبادل الأدوار، مثل الخرافة الشائعة بأن الشخص المُعنِّف قد عانى من التعنيف في أثناء طفولته، وربما ما زال يتذكّر ضرب أبيه له وهو طفل، أو تعنيف أمه له نفسياً، وربما كان يريد أن يصبح رسّاماً، لكن أمه كانت تمزّق رسوماته، وتجبره على المذاكرة، ولم يلقَ العطف اللازم من والديه، إذ كانا يسيئان إليه. فهل تشعرين بأنكِ سمعتِ هذه الحجج من قبل؟

هذه الخدعة يمارسها المُعنِّف، ويجعلكِ تصدقينها، وهي أن يُلقي اللوم على امرأةٍ أخرى، أو أن يجعلكِ تبحثين عن سببٍ لإساءته، أو يجعلها حجةً ليتنصّل من مسؤوليته عما فعله، فهو ضحية مثلك تماماً.

الحجة الثانية، هي أن هناك امرأةً أخرى، حبيبته السابقة مثلاً، سبّبت له أذى ما، أو أنه تعرّض للخيانة، ولكيلا تثيري هذه الواقعة، عليكِ مثلاً عدم مصادقة الذكور، أو أي شيء يتحكّم به في حياتك، فدائماً ما تكون تصرفات الشخص المسيء خارجةً عنه، فهناك شخص آخر مذنب. إنه ضحية للظروف، وللعالم. إنه شخص تعيس الحظ، وإن الظروف تتآمر ضده. قد يكون الشخص المذنب أنتِ نفسك، أما هو، فليس له أي ذنب. أتذكّر شريكي السابق، عندما كان يخبرني بأنه قد أخطأ في حقّي، على قدر ما كان يحبّني بشدة، وكنت أتساءل: ما هي الفائدة من الحب؟ هل أصابتني لعنة أنك تحبّني، وعليّ التكفير عن هذا الذنب؟ ليجيب بانكروفت على سؤالي، بأن من الخرافات التي ينشرها الشخص المسيء، أن "المشاعر تسبّب السلوك"، فيقول المُعنِّف أنه يغضب لأنه يحبك كثيراً. في الحقيقية، وبشكل شخصي، لا أعرف لماذا لا يرحمنا المُسيء من هذا الحب القاسي، حتى جعلنا نربط دائماً بين الحبّ والأذى؟ أو لماذا عليّ أن أدفع ثمن اصطفائك لي، لكي تحبّني، وتدمّر حياتي في المقابل؟

نصيحتي أنا لكِ، هي ألا تصدقي ألعاب الشخص المسيء بأنه مريض بكِ، أو بأنه يحتاج إلى برنامج إدارة الغضب، أو أنه فقد أعصابه عندما عنّفكِ، فلا عذر للشخص المسيء، ولا تبحثي معه عن أعذارٍ تبرر أفعاله

احذري: علامة حمراء

نسمع كثيراً في هذه الآونة، كلمة "ريد فلاج"، ويقوم البعض على وسائل التواصل الاجتماعي بكتابة صفةٍ، أو موقفٍ، كعلامة تحذيرية على أن هذا الشخص مسيء. لم نتوقف عندها في بداية العلاقة بالطبع، لكننا عرفنا بعد حينٍ، أنها كانت جرس إنذار، لكننا لم ننتبه إليه، مثل أن يقوم هو بسبّ حبيبته السابقة أمامك، أو أن يمارس ما يُطلق عليه (ghosting)، أو التشبّح، مثل أن يختفي فجأةً من حياتك، ثم يظهر، ثم يختفي، وهكذا. فإذا كان هناك كود عالمي للعلاقات المسيئة، لماذا لا نقوم نحن النساء بتحذير بعضنا البعض من العلامات المبكرة للإساءة؟

دينا ماكميلان، أخصائية نفسية اجتماعية، عملت في مجال العنف الأسري، تقول إن إطار العلاقات المسيئة الآن، أصبح مرئياً، ونستطيع إدراكه، وتقول إن هناك علاماتٍ تحذيريةً يمكن ملاحظتها على الشخص المسيء، وتقول إنه يمكنكِ الوقاية من العنف، وليس الردّ عليه فحسب. ويؤكد لنا بانكروفت، أن الأعذار والحجج والخرافات عن الشخص المسيء، كلها لا تبرّر أفعاله، فهو ليس مريضاً نفسياً، وليست الكحول ما يجعله يفقد أعصابه. كل ما يفعله هو مسؤوليته تماماً. ونصيحتي أنا لكِ، هي ألا تصدقي ألعاب الشخص المسيء بأنه مريض بكِ، أو بأنه يحتاج إلى برنامج إدارة الغضب، أو أنه فقد أعصابه عندما عنّفكِ، فلا عذر للشخص المسيء، ولا تبحثي معه عن أعذارٍ تبرر أفعاله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard