ما الذي يفعله شرف الرجال في أجسادنا؟

الخميس 25 نوفمبر 202101:50 م

بينما تُناقش زميلاتي الألمانيات في الجامعة، أهمية "اللغة الجندرية" في الخطاب العام السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وحتى اليومي، وكيف أنهن يرفضن عدّ جمع المذكر صيغةً تشملهن، وتعبّر عنهن، وكيف يدافعن عن هذه الفكرة، وكأنها قضية حياتهن؛ أفكّر في ما قد تعنيه المساواة اللغوية لنساءٍ من عالمٍ آخر أنحدر منه، لا زلن حتى اليوم يتعرضن للعنف، ويُحرَمن من التعليم، بل ويتم قتلهن بتهمة الحب.

يظهر هذا الجدل في ألمانيا، حتى في الحقل السياسي، وتختلف آراء الأحزاب السياسية حوله. وتأتي أهميته في المجتمعات الغربية كنتيجة منطقية للشوط الكبير الذي قطعته المرأة نحو اكتساب حقوقها، ولذلك تُعدّ المساواة اللغوية خطوةً مهمةً للقضاء على التمييز، على أساس الجنس بأشكاله كافة، خاصةً أن هذا التمييز لا يزال قائماً في مجالات عدة، وخاصةً في سوق العمل، حيث تتقاضى النساء في بعض المهن في ألمانيا، بسبب جنسهن فحسب، راتباً أقل من الرجال، مع أنهن يقمن بالجهد نفسه. 

ما المعنى من سنّ قانون هو عبارة عن واجهة تحمي الأنظمة القائمة من نقد الدول الغربية، ومنظمات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، في حين أنها لا تُطبَّق على أرض الواقع؟ 

تقول إحدى العاملات في العمل المجتمعي لدعم المرأة، في مقابلة أجرتها معها زميلتي لصالح الجامعة: "إن هذا العمل مليء بالإحباط، ولكن الآن بعد سنوات من نضالنا لمراعاة 'الجندر' في الخطاب، وعندما أرى أن مؤسسات الدولة السياسية والتعليمية بدأت تلتزم به، أجد أن هذا العمل كان يستحق الجهد الذي استثمرته فيه. لا يجب أن نقبل أن يتم إقصاؤنا لغوياً، فالأطباء غير الطبيبات، والمعلمون غير المعلمات، والقرّاء ليسوا القارئات. هذا الاختزال يخلق نوعاً من الاعتقاد بأنها حقول مخصصة للرجال، وبأننا بطريقة أو بأخرى غير معنيات بما يدور حولنا".

في الثقافة العربية/ الشرقية تكون هناك هوة بين جسد المرأة، وما تشعر به، أو ما تحلم بأن تكونه. هذه الهوة التي تتسع يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، لا تتمثل في سلوك المجتمع اللغوي تجاهها، فهذا ترفٌ لا تمتلكه، إذ يتوجب علينا كنساء عربيات، وليس لسببٍ إلا تكويننا البيولوجي، أن نتعلم قوائم خاصةً بنا، تتضمن المسموحات والممنوعات التي تنطبق علينا وحدنا، ولا يتشاركها معنا الرجال، بدءاً بالمظهر الخارجي، وانتهاءً بالسلوك، وتحقيق الذات، وأننا لسنا نحن من نمتلك أجسادنا، وحيواتنا، وأحلامنا، بل العائلة والمجتمع بأكمله هما من يمتلكانها.

‏‎إن وعينا بذواتنا كنساء شرقيات، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخوف، الخوف من المجتمع، ومن ألسنة الناس ونظراتهم، والخوف من ألا نستطيع محاكاة توقعاتهم عنّا، ومن أن يؤذونا، عقاباً على ذلك؛ هكذا نتربى، ونكبر.

بينما تُناقش زميلاتي الألمانيات، أهمية "اللغة الجندرية" في الخطاب العام، وكيف أنهن يرفضن عدّ جمع المذكر صيغةً تشملهن، وتعبّر عنهن؛ أفكّر في ما قد تعنيه المساواة اللغوية لنساءٍ من عالمٍ آخر أنحدر منه، لا زلن حتى اليوم يتعرضن للعنف، ويُحرَمن من التعليم، بل ويتم قتلهن بتهمة الحب

أذكر الآن حوادث كثيرة عن قتل نساء من قبل عائلاتهن، حدثت، وسمعت عنها. أشدّ تلك القصص تأثيراً ووضوحاً في ذاكرتي، هي حادثة قديمة تعود إلى العام 2007، حين لم تكن في زمان "السوشال ميديا"، ولذلك لم تتحول إلى تراند لبضعة أيام، ثم تصبح طي النسيان، إذ قتل أخ أخته، بعد أن رماها بطوب كان في فناء منزلهم، حتى تهشم رأسها تماماً. كنتُ في السادسة عشر من عمري، عندما صحوت على صوت جارنا يروي لعائلتي القصة بتفاصيلها. كان قد بدأ حديثاً في ذلك الوقت، انتشار الهواتف المحمولة التي تحتوي على كاميرا؛ هذا التطور التكنولوجي الذي دفعت تلك الفتاة حياتها ثمناً له. الأخ المهووس بمشاركة المقاطع الإباحية مع أصدقائه، صُدم ذات يوم بفيديو يشاهده أصحابه، ويتناقلونه، ولكن لا أحد منهم يقبل أن يرسله إليه، أو أن يسمح له بمشاهدته، ليكتشف في النهاية أن بطلة الفيديو هي أخته، وشاب من شباب البلدة "الزعران". عاد إلى البيت، وقتلها من دون أن يسمع منها، أو يسمح لها بأن تبرر ما فعلته، أو تشرحه، أو حتى يتأكد إن كان الفيديو حقيقياً، وليس مفبركاً. كان يريد أن "يغسل عاره"، ويتخلص من تلك التي "لوّثت شرف عائلته، ودسّت رؤوسهم في الوحل".

‏‎لم تُقِم العائلة مراسم عزاء، أو دفن، بل ألقوا الجسد بعيداً في مكان مهجور. وكانت ستأكله الحيوانات لولا أن بعض فاعلي الخير قاموا بحفر قبرٍ لها، ودفنوها.

عائلة الفتاة حمت الأخ، وأخفته بعيداً، حتى لا يُسجَن، وفي الأحوال كلها، لم يكن ليسجن أكثر من ستة أشهر، فهذه "جريمة شرف".

‏‎الشاب الذي صوّر الفتاة التي أحبته، ووثقت به، ولعله كان السبب في انتشار الفيديو، قامت عائلته بحمايته أيضاً، حتى تمكّنت في النهاية من إرساله إلى تركيا، ولم يمسّه أحد بسوء.

‏‎في ذلك الصباح، شعرتُ بأن الطوب يهشّم رأسي، وأن الدماء الدافئة تسيل على وجهي. تكورتُ على نفسي، وأنا أرتجف خوفاً. كنت أشعر بالرعب، ولم يفارقني هذا الاحساس بعد ذلك أبداً. ما زلت حتى اليوم، كلما قرأت عن حادثة عنف ضد النساء، أو سمعت عن جريمة قتل لإحداهن، شعرت بالألم ينتشر في جسدي، وكأنه امتداد لأجسادهنّ جميعاً.  

ما زلت حتى اليوم، كلما قرأت عن حادثة عنف ضد النساء، أو سمعت عن جريمة قتل لإحداهن، شعرت بالألم ينتشر في جسدي، وكأنه امتداد لأجسادهنّ جميعاً.

‏‎المذهل في تلك الجريمة، كان المتعاطفون مع الفتاة، والتبريرات التي قدّموها: "من الواضح أنها لم تكن بكامل وعيها، فما تقوم به في الفيديو لا تفعله إلا العاهرات".

اختراع سيناريوهات تنسجم مع توقعات المجتمع عن سلوك المرأة الطبيعي، لتبرير فعلٍ ما تقوم به، لا يتوافق مع المقبول، هو ليس إلا محاولة لتبرئة الضحية، بدلاً من عقاب المجرم. وهل لو كانت تفعل ذلك بوعيها، وإرادتها، لأصبح قتلها مبرراً ومشروعاً؟

‏‎على كل حال، وعلى الرغم من التعاطف الضئيل، كان الرأي أن القتل هو النتيجة الحتمية، فلم تعد إلى هذه المرأة أي حياة بعد الآن، ولن يقبل أي رجلٍ بأن "يستر عليها"، بعد أن عرف كل من في هذه البلدة الصغيرة بالفضيحة. لكن، لربما كان لا بد من دفنها بطريقة لائقة؛ هكذا عبّر المتعاطفون عن استيائهم!

كيف يمكن للنساء أن يشعرن بالأمان، عندما تتحول العائلة التي يُفترض أنها المصدر الذي يؤمّن الحماية، والرعاية، والدعم، إلى سبب الخطر، ومنبعه، وعندما تفقد الأخوّة والأبوّة معانيها كلها، وتتحول إلى فعلٍ مرعب، وبشعٍ، وإجرامي؟ تخيل أن معظمهن يعشن كامل حياتهن، وهنّ خائفات من عائلاتهن. نخاف من أن نرتكب خطيئةً لا يمكن أن يغفروها لنا. فكيف سننجو؟ ومن الذي سيحمينا إذاً؟

بعضنا محظوظات بالفعل، لأنهن ولدن لعائلات تفكّر بشكل مختلف. لكن المشكلة تتوسع، وتتمدد إلى الأقارب والعشيرة، فالمرأة ملك لهؤلاء جميعاً، لا تربيها عائلتها فحسب، بل المجتمع بأكمله. سيظهر دوماً أشخاص من هذه المنظومة الاجتماعية المهترئة ليمارسوا الضغط على عائلتها، ويهددونها بالنبذ، أو الإقصاء، إن لم تنصع لرغبتهم، وفي معظم القصص والحالات ينتصر هؤلاء، فالشرف شرفهم جميعاً، والعار عارهم، وغسل هذا العار مهمة الجميع.

‏‎الندوب التي تخلّفها هكذا تجارب في مجتمعاتنا، سواء أكانت على المستوى النفسي، أو على المستوى الجسدي، لا يمكن تجاوزها بسهولة، وقد لا يكون تجاوزها ممكناً على الإطلاق. وهنا بالذات يأتي دور القانون، وأهميته، الذي ظل لسنوات طويلة في سوريا، وفي الكثير من الدول العربية يحمي هؤلاء المجرمين من خلال أحكام مخففة، والذي وعلى الرغم من أنه بدأ يُجرّم هذه الأفعال مؤخراً، إلا أنه لا يزال يحتل المرتبة الثانية، بعد العادات والأعراف القبلية، ويمكن تجاوزه، والقفز عنه بكل سهولة، في ظل عقلية سائدة تمجّد القتلة، وتحميهم. ما المعنى من سنّ قانون هو عبارة عن واجهة تحمي الأنظمة القائمة من نقد الدول الغربية، ومنظمات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، في حين أنها لا تُطبَّق على أرض الواقع؟ وما الشيء الذي يُعدّ مهماً في الحقيقة: حياة النساء، أم الصورة التي نريد تصديرها عنّا؟

عندما أخبرت بعض المقربين مني بأني أكتب مقالاً عن العنف، والتمييز ضد النساء، كان جوابهم متطابقاً إلى حدٍّ مذهل: "الموضوع حساس، فانتبهي كيف ستطرحينه". وفي الواقع، إن ردّة فعلهم مفهومة، إذ إنَّ مشكلة الخطاب النسوي كونه أحياناً شديد التطرف

‏‎‎عندما أخبرت بعض المقربين مني بأني أكتب مقالاً عن العنف، والتمييز ضد النساء، كان جوابهم متطابقاً إلى حدٍّ مذهل: "الموضوع حساس، فانتبهي كيف ستطرحينه". وفي الواقع، إن ردّة فعلهم مفهومة، إذ إنَّ مشكلة الخطاب النسوي كونه أحياناً شديد التطرف، إذ يتخذ شكل المعارضة السياسية الداعية إلى الحريات، عندما تطالب بنبذ الديكتاتورية، بأساليب هي نفسها دكتاتورية. هكذا تفعل النسوية، عندما تعدّ الرجل وحشاً بلا قيمٍ، أو أخلاق، وعدواً لدوداً لا يجب الوثوق به، وتحوّل المسألة إلى حربٍ يجب أن يفوز في نهايتها طرف واحد. إن خطاباً كهذا، لا يُقدّم حلولاً، بل يتبنّى فكرة الإقصاء والتمييز الذكورية ذاتها، لصالح النساء هذه المرة.

فالحل ليس بالانتقال من نظام أبوي/ ذكوري، إلى آخر نسوي متطرف، بل من خلال بناء مجتمعات تؤمن بأهمية الآخر، واختلافه، مجتمع يؤمن بقيمة الفرد بغض النظر عن تركيبته البيولوجية، أو ميوله ومعتقداته. ولعل واحدةً من أهم الخطوات لبلوغ هذا الهدف، هي انتقال الشرف العربي من أجساد النساء إلى عقول الرجال، فما الذي يفعله شرفهم في أجسادنا؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard