نشوة الخمر والتحرر في مطعم زوربا اليوناني وسط إسطنبول

الاثنين 29 نوفمبر 202105:48 م

كانت إحدى ليالي نهاية الأسبوع الأشد برودة. لم تكن بالنسبة لنا نحن الأصدقاء برودة المدينة الجميلة عائقاً، بل كانت الأجواء الشاعرية والرومانسية دافعاً لاختيار مكان مميز للسهر والأكل و الرقص.

هل نحن على الساحل اليوناني

في ذلك المساء، كانت الساعة تشير إلى الثامنة ونصف؛ هو الوقت الذي يفتح فيه مطعم "زوربا" أشهر وأرقى المطاعم اليونانية في إسطنبول أبوابه في وجه زواره ومرتاديه كل ليلة. أول ما تطأ قدمانا المطعم نجد عازف الغيتار يرحب بالزوار ببعض الأغاني التركية الشعبية، والطاولات عليها أطباق صغيرة لمقبلات بحر إيجه تسمى "مزة"، إذ يُعتبر الزبادي وزيت الزيتون المكون الرئيسي لها.

اسم المطعم وموسيقاه وأطباقه والرقصات وكسر الصحون، والشعور بنشوة التحرر، كلها جعلتني أشعر أنني في أحد مطاعم الأحياء القديمة لأثينا

بينما كنا منشغلين بتذوق الجبن اللذيذ والبطيخ والذرة والقاروص المتبل وهريس الباذنجان وعدد من المقبلات الأخرى، تتوسطها كؤوس من مشروب "الراكي"، بدأت الأوركيسترا بعروضها المنفردة. كان الطعام لذيذاً والموسيقى مختلطة. يقول صديقنا التركي "مرات": "صحيح أن الأتراك واليونانيين لم يكونوا أصدقاء على مرّ التاريخ، لكن الرقص والأكل يوحدانهم، وينسيانهم القصص السيئة".

يعتبر مطعم "زوربا" مشروعاً عائلياً لأسرة يونانية الأصل، يقع في الجانب الأوروبي لمدينة إسطنبول، وهو قريب من أرقى أحياء المدينة "نيشان طاشي"، و غالبية مرتاديه من العائلات الميسورة في هذه المدينة.

يوفر المطعم، تجربة لا تنسى بأطباقه الشرق أوسطية ومأكولاته الشهية مثل الكباب اليوناني المشوي مع البطاطا المقرمشة والخضراوات الطازجة، إلى جانب السلطات اليونانية وطبق السلطعون المشوي. أما الديكور، فيمتاز بالبساطة، مع ألوان ساحرة جعلتني أتساءل هل نحن على الساحل اليوناني؟

الرقص هنا، هو النشوة القصوى لتحرر

"زوربا هل علمتني الرقص؟

زوربا: هل قلت الرقص... ؟

تعال يا ولدي لنرقص معاً!".

لا يمكننا أن نتحدث عن زوربا دون محاولة أن نرقص مثله. فأن ترقصين رقصة زوربا معنى ذلك أنكِ ستصلين إلى تلك النشوة القصوى من التحرر، الرقص، هو تأكيد على أن الحياة مجرد رقصة ترمم العواطف المكسورة 

كان هذا الحوار مقتطف من رواية "زوربا" (الذي أُخذ منه اسم المطعم). الرواية للكاتب والفيلسوف اليوناني نيكـوس كازنتزاكيس، وتعتبر من ضمن أفضل الروايات العالمية في القـرن العشرين. تدور أحداث الرواية حول رجل مثقف، ثري، يلازم الكتب، يلتقي بالصدفة رجلاً شبه أمّي، لتنشأ بينهما صداقة وتدور بينهما مناقشات في كافة مجالات الحياة.

دعتني صديقتي غزلان، للرقص. امتنعت في البداية كوني لا أعرف الرقص خصوصاً هذا النوع من الرقص وهذه الأنواع من الحركات. فقالت بابتسامة عريضة مألوفة: "لا يمكننا أن نتحدث عن زوربا دون محاولة أن نرقص مثله. فأن ترقصين رقصة زوربا معنى ذلك أنكِ ستصلين إلى تلك النشوة القصوى من التحرر. الرقص هو تأكيد على أن الحياة مجرد رقصة ترمم العواطف المكسورة".

فأطلقت العنان لساقيّ، بل لجسدي كله ليصعد وينزل، يُسرع ويُبطئ، يسمع ويبصر، يقفز و يقفز، يهمس ويصرخ، و القلب يفيض بالوجع والفرح والعبث في الآن ذاته. كانت محاولة للهروب من السواد. كان خليطاً حسياّ مجنوناً جاءني بالأمل، وجعل قلبي جاهزاً للحياة في أول خطوة خطوتها وأنا أغادر هذا المطعم.

كسر الصحون عادة المرفهين لبلوغ نشوة الخمر

مع أصوات الموسيقى والرقص، دخل نادل من نُدل المطعم يحمل في كفه كمية كبيرة من الصحون ما لا يقل عن مائة صحن. وضعها أمام أحد مرتادي المطعم ليشرع هو الآخر في تكسير الصحون واحداً تلو الآخر. كان ذلك في انسجام مع أجواء الموسيقى ولحظات بلوغ نشوة الخمر وانسجاماً مع الرقصات. تكرر مشهد كسر الصحون أمامي أكثر من مرة في تلك الليلة. جعلتني هذه المشاهد استحضر مقولة كان يرددها اليونانيون القدامى تقول: "إذا فرح اليونانيون كسروا الصحون".

تكسير الصحون هو تقليد من الثراث اليوناني القديم كانت عادة تخص المرفهين تعبيراً منهم عن أجواء الفرح والسعادة ونشوة الخمر التي يعيشونها في تجمعاتهم، إذ كانوا يعتقدون أن تكسير الصحون يجلب الحظ ووينشر السعادة والسرور.

اسم المطعم وموسيقاه وأطباقه والرقصات وكسر الصحون، والشعور بنشوة التحرر، كلها جعلتني أشعر أنني في أحد مطاعم الأحياء القديمة لأثينا.

كل شيء في إسطنبول يحكي قصة؛ للوهلة الأولى تشعرون أن المدينة مشغولة وسريعة لا تتوقف، لكن عندما تتعبون تجدون فيها أماكن يلتقي فيها الشرق بالغرب تجتمع فيها طبقات مختلفة من التاريخ والثقافة والألوان والروائح والطعام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard