الرواية الأخرى لولادة لبنان الكبير

الجمعة 26 نوفمبر 202101:20 م


لا يزال السياق التاريخي لإنشاء دولة لبنان الكبير يثير الجدل، حتى بعد انقضاء مئة وعام. وغالباً ما ترتبط الرواية السائدة لهذا الحدث، بصورة الجنرال غورو والبطريرك الماروني والمفتي السني، في قصر الصنبور في بيروت، لتعكس الإطار الطائفي الذي رافق ولادة هذه الدولة.

لكن إعادة النظر بالسياق التاريخي لنشأتها، يكشف مساراً آخر، تبلور في نهاية القرن التاسع عشر، حول مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان، يروي قصة مشروع آخر للبنان لم يكتب له النجاح.

انسحاب العثمانيين

مع انسحاب العثمانيين من الولايات العربية في أيلول 1918، استأنف مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان عمله، وتولى مسؤولية حكومة الجبل لمدة عشرين شهراً، بين 1918 و1920. طرحت مشاريع ووعود عديدة ومتضاربة لإدارة المنطقة خلال هذه الفترة، وسعى هذا المجلس، وفي إطار الواقع الإقليمي والدولي إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، إلى الدفاع عن مبدأ الحكم الذاتي للجبل ومشروع توسيعه.

فبعد إعلان نظام المتصرفية عام 1861، اكتسب جبل لبنان الحكم الذاتي، وأصبح له نظام أساسي يحكم بموجبه وبضمانة دولية، وجهاز إدارة وقضاء وأمن محلي. شهدت هذه الفترة بداية الحياة السياسية التنافسية، عبر انتخابات المخاتير وأعضاء مجلس الإدارة، وانتشار الوعي السياسي الشعبي.

أدار هذه الأجهزة موظفون محليون من القاعدة الشعبية المثقفة، يعملون ضمن نظام سياس قائم على التحالفات الطائفية، محورها مجلس الإدارة، الذي كان يمثل طوائف المتصرفية.

لا يزال السياق التاريخي لإنشاء دولة لبنان الكبير يثير الجدل، حتى بعد انقضاء مئة وعام. وغالباً ما ترتبط الرواية السائدة لهذا الحدث، بصورة الجنرال غورو والبطريرك الماروني والمفتي السني، في قصر الصنبور في بيروت، لتعكس الإطار الطائفي الذي رافق ولادة هذه الدولة

يحلل تاريخ هذه الفترة، المؤرخ التركي إنجين أكارلي في كتابه عن المتصرفية "السلام الطويل"، ويشرح أن نتيجة هذا التفاعل أو "السلام الطويل" بين طوائف جبل لبنان، صعود حركة علمانية فيه، وتحول تدريجي من مفهوم الكنيسة المارونية للبنان إلى مفهوم شبه وطني واسع، يؤكد التعايش السلمي.

دافع عن هذا المفهوم نخبة ليبرالية، معظمها من الطبقة الوسطى المتعلمة في مدارس وجامعات الإرساليات، تمثلت في أواخر القرن التاسع عشر بأغلبية أعضاء مجلس الإدارة، وطالبت بتوسيع حدود المتصرفية وبإدارة ذاتية موسعة وبتقليص نفوذ المؤسسات الدينية. إذن، وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدت المتصرفية مستعدة للاستقلال نظرياً، على الرغم من التحديات الاقتصادية ومعدلات الهجرة المرتفعة.

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، عُقد مؤتمر الصلح في باريس، وتم الاعتراف بالمجلس حين تواقفت مواقفه مع المصالح الفرنسية، كممثل رسمي للبنانيين. أرسل المجلس وفوداً إلى المؤتمر حملت مطالب الاستقلال والتوسيع والدعم الفرنسي. في هذه الأثناء، كانت فرنسا تفاوض الأمير فيصل، ابن الشريف حسين، الذي حصل على وعد بريطاني بإنشاء مملكة عربية هاشمية، على إقامة دولة سوريا تحت النفوذ الفرنسي.

وعندما تم التوصل إلى اتفاق مبدئي بينهما في أبريل 1919، رد مجلس الإدارة بإعلان استقلال لبنان "بصفته ممثلاً لشعب لبنان". ولاحقاً، طلب المجلس من البطرك الماروني الياس الحويك، ترأس الوفد الثاني إلى فرنسا، وهو الذي حصل على ضمانات بشأن الاستقلال والحدود في تشرين الثاني 1919.

 إعادة النظر بالسياق التاريخي لنشأة دولة لبنان الكبير، يكشف مساراً آخر، تبلور في نهاية القرن التاسع عشر، حول مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان، يروي قصة مشروع آخر للبنان لم يكتب له النجاح

تدهورت العلاقات بين الأمير فيصل والفرنسيين، وفي 7 آذار 1920، أعلن المؤتمر السوري العام استقلال المملكة السورية، وفيصل ملكاً عليها. اعترف المؤتمر بحق استقلال جبل لبنان، شرط تجنّب النفوذ الأجنبي، وضمن حدود ما قبل الحرب.

رفضت الكنيسة المارونية ومجلس الإدارة القرار، لكن سرعان ما تبدل الموقف، واعترفت الحكومة السورية بحق اللبنانيين في الاستقلال الكامل، وشرعية توسيع الحدود، شرط التخلي عن طلب الدعم الفرنسي أو قبول الانتداب الفرنسي.

وتزامناً مع تدهور العلاقة مع فيصل، والتدخلات العسكرية الفرنسية في إدارة الجبل، وعدم احترامها مبدأ الحكم الذاتي، أعلن المجلس في 10 تموز استقلال لبنان التام، وضرورة توسيع الحدود، والرغبة في الحياد والعيش بسلام، ورفض الانتداب الفرنسي. كان هؤلاء أصحاب رؤية ليبرالية للبنان، حيث يشكل الدين أساس الهوية الثقافية الفردية، دون أن يكون العنصر الأساسي في نظام الحكم. كما وكانوا من دعاة نظام ديمقراطي تشاركي، متأثر بالغرب، يأخذ بعين الاعتبار التقاليد السياسية المحلية، يكون وسيلة رئيسية للحفاظ على سبل التقدم والسلام الداخلي.

مع الأزمة الراهنة، والصراع على هوية ودور ونظام لبنان، تطرح تساؤلات عديدة: هل كانت نظرة الليبراليين ملاءمة لتكوين دولة حديثة أكثر من الطرح الطائفي؟ وهل تستحق هذه الرؤية العودة إليها، للمصالحة مع التاريخ ولبناء لبنان آخر؟  

إثر الإعلان، غادر سبعة من أعضاء المجلس إلى دمشق، بنية إبرام اتفاق يؤكد استقلال البلدين والتعاون بينهما، وضرورة رفع الأمر إلى مؤتمر الصلح، والحصول على الدعم الدولي. اعتقل الجيش الفرنسي الوفد على طريق دمشق، وتمت محاكمة أعضائه أمام محكمة فرنسية عسكرية بتهمة التآمر والخيانة العظمى، وبيع لبنان للمشروع الهاشمي، والتخلي عن فرنسا "الحامية الأبدية للبنان واللبنانيين".

هكذا، أسكت الفرنسيون صوت المعارضة الرئيسي في جبل لبنان بحل مجلس الإدارة ونفي أعضائه. من ثم، وجه الجنرال غورو إنذاراً إلى فيصل أدى إلى وقوع معركة ميسلون في 24 تموز 1920، وإلى فرض الانتداب الفرنسي على المنطقة بالقوة العسكرية. وفي سياق رسم الخريطة السياسية للمنطقة، أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920.

نظرة الليبراليين

حقق غورو بذلك المطلب الماروني الرئيسي، وهو إنشاء الدولة اللبنانية، لكنه تغاضى عن المطلب الآخر وهو الاستقلال، ووضع لبنان تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر. لاحقاً، ومع اعتماد دستور 1926، أُعلنت الجمهورية اللبنانية، وكرس الدستور الطائفية السياسية وسلطة المؤسسات الدينية على الأحوال الشخصية والتعليم.

هكذا، ومنذ فترة الانتداب، يبدو لبنان وكأنه، في أحسن الأحوال، كونفدرالية طوائف غير معلنة، تبقى فيها الطوائف منفصلة، تتشارك في السلطة، وترفض العلمانية بما هي تهديد وجودي لسطوتها السياسية والاجتماعية الاقتصادية، وتبقى الطائفية السياسية بصيغة شبه متحجرة منذ 1861، الصفة المتأصلة في الشعب ونظام الحكم في لبنان.

منذ 1926، ومن بعد كل أزمة أو صراع أهلي، يتم إعادة إنتاج هذا النظام الطائفي. ومع الأزمة الراهنة، والصراع على هوية ودور ونظام لبنان، تطرح تساؤلات عديدة: هل كانت نظرة هؤلاء الليبراليين ملاءمة لتكوين دولة حديثة أكثر من الطرح الطائفي؟ وهل تستحق هذه الرؤية العودة إليها، للمصالحة مع التاريخ ولبناء لبنان آخر؟  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard