لماذا علينا كنساء أن نكتب؟

الأربعاء 24 نوفمبر 202111:30 ص

كانت تنتابني رغبة عارمة، وأنا أصغي باهتمامٍ رصين إلى أوجاعهنَّ التي تُسرد بين جدران أربعة. أحزانهم وتعاطفي يتحولان إلى تاريخ من السرد الشفاهي، بحضرة شهرزاد الحكايات، وألف قصة وغصّة تُحكى. ما كان يحدث معنا في أثناء جلسات البوح التي كانت من أكثر المهام مشقةً خلال عملي في مجال الدعم النفسي والاجتماعي للنساء المعنَّفات والمهمشات، وتشجيعهن على البوح والتحدث عن مشكلاتهن، كان الإصغاء لبوحهنَّ باهتمام الخطوة الأولى لبناء جسر من الثقة والأمان الضائع؛ كانت لحظة مسروقة من فم الأوجاع، ومحاولة في طريق التعافي، وتمكينهنَّ من اتخاذ القرار في حياتهن الشخصية.

حين يسردن معاناتهن في الحياة، مع أشكال العنف الذي برع العقل الذكوري في تدويرها عبر العصور، وتوارث حُسن ممارستها، من جيل إلى جيل، المقصد هنا، هو العنف القائم على النوع الاجتماعي (المرأة)، من دون اعتبار لإنسانيتها المنتهَكة، فمصطلح المساواة بين الرجل والمرأة لا زال تائهاً في الوصول إلى دروبنا.

كيف سيكون وقع تلك الحكايات، وهي تصف بكلمات مكتوبة أوجاع النساء الكثيرة؟

لعلَّ تحويل تلك السرديات الشفهية إلى كلمات مكتوبة، مجابهة حقيقية لعملية الترويض الطويلة التي نالت المجتمعات الأبوية، وأنتجت القمع بأشكاله كلها، وفرضت نوعاً من الرضوخ والتعايش. أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي: كيف سيكون وقع تلك الحكايات، وهي تصف بكلمات مكتوبة أوجاع النساء الكثيرة؟ أوجاعها وهي تدفع ضريبة عشقها خوفاً وقتلاً، وهي تُخفي ألمها الشهري عن أخوتها الذكور، وكأنه ارتكاب لمعصية، وعن ذاك الشعور البغيض الذي يلاحقها، وهي تتعرض للتحرش الذي يمضي من دون حساب، وعن الاغتصاب الذي تتعرض له النساء من أزواجهن باسم طقوس الطاعة الزوجية، وعن الفقر الذي ينهش من أحلامها، وعن عجزها وهي تقول نعم لأي شيء، لأنها خائفة، وعن البخل الذي يحيطها من الجهات كلها، وعن ألم أرملة ومطلقة محكومتين بقيودٍ ثقيلة، وعن شعور مرير يرافقها طوال الوقت وينقر في رأسها: أنتِ لستِ إلا جسداً لأنثى مباحٌ الاعتداء عليه، ضرباً وقتلاً وحرقاً واغتصاباً وإهانة.

تقول صديقتي الكاتبة السودانية، الدكتورة إشراقة مصطفى حامد، في مقدمة الكتاب الذي كان نتاج مشروعنا المشترك لدعم النساء المهاجرات، وتشجيعهن على كتابة سيَرهن المعنون باسم "نون المنفى... سيرة نساء من هناك": "لا أحد سوانا يستطيع أن يكتب سيرتنا، وحكاياتنا، وأحلامنا، ومعاناتنا، وعذاباتنا، وهواجسنا، وإحباطاتنا، وحقول الألغام التي تنبت كل يوم في طريقنا، لا أحد سوانا...".

لعلَّ تحويل تلك السرديات الشفهية إلى كلمات مكتوبة، مجابهة حقيقية لعملية الترويض الطويلة التي نالت المجتمعات الأبوية، وأنتجت القمع بأشكاله كلها، وفرضت نوعاً من الرضوخ والتعايش

الكتابة ما هي إلا ظلال لأفكارنا التي تصول وتجول في خواطرنا. هي تلك الأحاديث الداخلية المتزاحمة بعداً وقرباً، صخباً وهدوءاً. هي تلك الأمور التي تكون جزءاً من التفاصيل الكثيرة المتشابكة في الحياة، حين تعلن عن نفسها بشجاعة قلبٍ وقلم، هما كل ما تملكه المرأة حين تُقرر الكتابة. هي كل ما يمكننا أن نفعله ونحن جاثمات في أماكننا، بينما هناك كلُّ ما يفعله الآخرون بنا، ومن حولنا، في محاولات متكررة لإعادة تشكيلنا، وكأننا مجرد هياكل ومجسّمات مصنوعة من الطين، أو ما يشبهه.

لماذا من المهم علينا كنساء إتقان حرفة الكتابة؟

وأي فائدة نرجوها؟ وأي ثمن سندفعه ضريبة عما نكتب؟ وأي أثر سنترك حين نكتب عن حياتنا وأمورنا الخاصة؟

لقد كانت نوال السعداوي محقّةً بقولها، وكأنها كانت في قلب كل امرأة، وهي التي جعلت من كتاباتها ثورةً ضد ظلم الإنسان، وظلم المرأة: "لا تحدثُ الثورات في الخفاء، والثورة والكتابة كلتاهما لا تعرفان السرّية. حطمي قفل الدرج واكتبي في النور، واغضبي، وثوري، ولا تستكيني".

شاعَ عن النساء، وما أكثر ما يُشاع عنا، بأنَّنا أكثر مقدرةً على البوح، وسرد الأمور شفاهةً، إلى درجة أننا متّهمات بالثرثرة.

شاعَ عن النساء، وما أكثر ما يُشاع عنا، بأنَّنا أكثر مقدرةً على البوح، وسرد الأمور شفاهةً، إلى درجة أننا متّهمات بالثرثرة. لعل ذلك كان سبباً وجيهاً في ضياع جهود الكثيرات، اللواتي يجدن صعوبة في ترجمة تلك الأمور الحياتية الكثيرة التي تحدث معهنَّ، إلى الكتابة الصريحة. مما لا شكَّ فيه أنَّ التعبير والتدوين بالكتابة يستدعيان الكثير من الشجاعة للتغلب على شبح الخوف والتحرر من التابوهات، وسلطة الذات، لذلك لا أحد يمكنه أن ينفي أهمية ما كُتب من الإرث الذي تركته الكتابات النسوية من الأدب والفكر والسير الشخصية، لنساء تخطّين الحدود الجغرافية، وتغلبنَّ على الخوف والصمت، أو الوقوف أمام حاجز الاعتبارات المجتمعية. كانت إنسانيتهن بذواتهن، هي الحبر الذي كتبن به مسيرتهنَّ. وأعتقد بأن الكتابة كانت ولا زالت من الطرق المثلى لمناهضة العنف ضد المرأة، فأن تسرد امرأة واحدة عن حياتها، فهي بذلك تزيل حملاً عن ظهرها، ولكن امرأةً واحدةً حين تكتب، ترمي أعباء جمّة عن الكثيرات من أمثالها، وهنا تكمن أهمية تحويل السرد الشفاهي إلى تاريخ مدوَّن من قبل النساء أنفسهن.

تقول الكاتبة السودانية إشراقة مصطفى حامد: "لا أحد سوانا يستطيع أن يكتب سيرتنا، وحكاياتنا، وأحلامنا، ومعاناتنا، وعذاباتنا، وهواجسنا، وإحباطاتنا، وحقول الألغام التي تنبت كل يوم في طريقنا، لا أحد سوانا..."

لا زالت أجسادنا نحن معشر النساء، وخاصةً المنتميات إلى جنوب الكرة الأرضية، أداةً مشتهاةً يُمارَس عليها العنف الذكوري بحرفية، ولاعتبارات جندرية. النساء لا زلن في قائمة الممتلكات الخاصة للرجال الذكور في حياتها، وبإقرار مبرم ممن بيدهم القانون، والشرع، والأعراف المجتمعية، ولغاية كتابة هذه الأسطر. لن نخوض الآن في جزئيات هذا الثالوث المتجذر الذي نسعى إلى تفكيكه بالكتابة أيضاً. وها قد مضت عشر سنوات على هبوب رياح الربيع العربي، وعلى تاريخ من الثورات كانت النساء من أكثر الفئات التي دفعت أثماناً باهظة فيها، وكدنا نفقد الأمل بأن تحصد النساء ثمارها. الكتابة شكل من أشكال النضال النسوي، الذي يحتاج إلى صبر طويل، وهي تتوجه إلى مجتمع ينظر إلى المرأة بعينين إحداهما ذكر، والأخرى عوراء. ولكن الفكرة تكمن في أن نعلم أولاً بأن نكتب عن أنفسنا الحقيقية كنساء.

وإلى أن يتحقق حكم العدالة الاجتماعية، أمامنا متّسع من الوقت، والكثير من الأشياء التي يجب أن نكتب عنها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard