إضرابات واعتصامات... الأساتذة المتعاقدون في المغرب ضد سياسة الدولة

الجمعة 29 أكتوبر 202105:07 م

بدل الذهاب إلى مدارسهم، يتوجه أساتذةٌ مغاربة إلى العاصمة الرباط للاحتجاج. يجمع بينهم أنهم أساتذة متعاقدون، وهو نظام أطلقته الحكومة المغربية قبل بضع سنوات، لتوظّف أساتذةً بعقود محدودة الأجل، من دون أن تدرجهم في الوظيفة العمومية. أشرف حكم واحد منهم، وهو قادم من مدينة أزيلال (وسط المغرب)، وهي مدينة تقع بين جبال الأطلس المتوسط، والأطلس الكبير.

بعد أن قطع نحو 300 كيلومتر ليصل إلى العاصمة الرباط، ليشارك في الإضراب الوطني الذي دعت له تنسيقية الأساتذة المتعاقدين، يتحدث إلينا عن معاناته مع التعاقد، مشدّداً على أنها معاناة "بالطول والعرض، والشكل والمضمون"، وتتعلق بما هو "مهني، وما هو نفسي، ففي أي لحظة يحق لمدير أكاديمية التعليم، ومن دون إخبار، أو تعويض، أن يلغي عقد العمل الذي نعدّه عقد إذعانٍ من طرف واحد". ما يأتي على لسان أشرف، على هامش مظاهرة، يتردد على لسان المئات من رفاقه، ويضيف بنبرة أسى: "ليس من حقي المرض، وإن كنت أعاني من مرض، فقد يحول هذا دون أن أتمّ عملي".

"أُسحَل الآن، لأنني أنتمي إلى أشرف أسرة، أسرة من ينيرون دروب الناشئة، ومن يعلّمون الحكمة والعلم". الأساتذة المتعاقدون في المغرب غاضبون

ويضيف الشاب الذي يأمل مثل أصدقائه أن يُدمَج في الوظيفة العمومية: "تطالنا اقتطاعات، دعني أسمّيها سرقةً كاملة الأركان. لقد وصلت الدولة في سرقتها لجيوب الأساتذة إلى نحو 2550 و4000 درهم (270 و440 دولاراً)، ولو أنه في هذه المناسبة يجب تقديم منح للأساتذة، لأدائهم واجبهم، بينما يتفاجأ الأساتذة بالسرقات الموصوفة، مع العلم أن هناك أستاذات وأساتذة يعيشون معاناةً يصعب وصفها".

موسم آخر من "الغضب"

انطلق في المغرب، الموسم الدراسي الجديد، وانطلقت معه صفحة جديدة من الإضرابات، والاحتجاجات، التي تخوضها "التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد"، كما يفضّلون تسمية أنفسهم. منذ مدة تزيد عن ثلاث سنوات، يحتجون في شوارع المملكة المغربية، رفضاً لملف التعاقد الذي جاءت به حكومة حزب العدالة والتنمية، والتي كان يرأسها عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية.

تعود جذور الملف إلى سنة 2017. حيتها، وُظّف الأساتذة بعقود مؤقتة، بدل التعيين المباشر، والإدماج في الوظيفة العمومية، وكانت الوزارة المعنية قد أعلنت في بيان لها، أن الحكومة تبنّت نمط التعاقد في توظيف المُدرّسين: "جاء في إطار إرساء الجهوية المتقدمة، من خلال استكمال اللا مركزية واللا تمركز في قطاع التربية الوطنية، وملاءمة وضعية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، بصفتها مؤسسة عمومية، مع مستلزمات القانون المتعلق بالمراقبة المالية للدولة".

وقد أسال هذا الملف الكثير من المداد، وكان نقطة تحول في مسار توظيف رجال ونساء في وزارة التعليم المغربية، فضلاً عن الجدل السياسي الكبير، والرفض المجتمعي والنقابي. هذا الرفض جعل أطر الوزارة ينتظمون تحت لواء التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، في الرابع من آذار/ مارس 2018، وقد شكّل هذا اليوم الانطلاقة الفعلية لتكتل يضم الأساتذة الرافضين التوظيف بالتعاقد، ليسطّروا جملةً من المطالب خلال بيانهم الأول، أهمها التراجع عن بند التعاقد والإدماج الفوري في سلك الوظيفة العمومية، فضلاً عن الأجور، والاستفادة من التعويضات كافة، والحق في المشاركة في حركة الانتقال بين المؤسسات التعليمية على المستوى الوطني".

على امتداد ثلاث سنوات، لم تصمت حناجر رافضي التوظيف بالتعاقد، بل كسبت تعاطفاً شعبياً من طرف فئات المجتمع، فضلاً عن سياسيين، وناشطين حقوقيين، كما حظيت بدعم نقاباتٍ، كالجامعة الوطنية للتعليم "التوجه الديمقراطي"، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ولم تملّ التنسيقية من الحضور القوي في الشارع، في مدن المغرب كلها، وعبر الاحتجاجات والإنزالات الوطنية، وكذا الجهوية، في مدن المملكة المغربية؛ فاس، ومراكش، وطنجة، وغيرها من المدن المغربية.

"لا أحلم بتوزيعٍ عادلٍ للثروة. ما أريده هو عيش بسيط جداً، وإسقاط للمتابعات في حق زملائي الأساتذة". موسم جديد من إضراب الأساتذة المتعاقدين في المغرب

لم تعد نضالات التنسيقية لصيقةً بفئة الأساتذة، بل تجاوزت ذلك لتمتد نحو الفئات الشعبية، وتحضر قضية رافضي التعاقد في المحطات النضالية كلها، وغيرها، وصارت حراكاً تتناقله المؤسسات الإعلامية الدولية، وعُرفت بحراك الأساتذة، ولم تكتفِ الحركة بالتعرض للاعتقالات، بل تجاوزت ذلك إلى سقوط ضحية، هو عبد الله حاجيلي، الذي يعدّونه "شهيداً"، و"أباً روحياً" لهم. وقد توفي الأب الذي كان يرافق ابنته إلى التظاهر، في الرباط، بعد تدخل القوات العمومية، خلال اعتصام ليلي دعا إليه المجلس الوطني، خلال إضراب وطني في عاصمة المغرب، ليلة 25 نيسان/ أبريل 2018، نُقل على إثره إلى مستشفى ابن سينا في العاصمة الرباط، ليفارق بعدها الحياة، وسط حسرة أسرة التعليم، وابنته الأستاذة التي عادت أدراجها إلى مدينتها وحيدةً، من دون أب، وقد جرى في ما بعد تشييع جنازته، بموكب مهيب.

قمع أمام نضال دائم

دائماً ما تقابَل احتجاجات رافضي التعاقد، بالقمع، والتوقيف، والمطاردات، في الشوارع، وهو الأمر الذي يرفضه الناشطون المتعاطفون مع الحراك الذين يرون أن التدخل الأمني الذي يطال الأساتذة المحتجين، والاعتقالات، محاولاتٍ من الدولة المغربية لثنيهم عن مواصلة الطريق، والمطالبة بإسقاط مخطط التعاقد، وإسقاط التهم التي تلاحق أساتذة متابعين، على خلفية احتجاجاتهم في الرباط، وبقية المدن المغربية. وعلى الرغم من بعض التراجعات من الحكومة، لا زال الأساتذة يئنّون تحت وقع الركل، والتنكيل، فضلاً عن مشكلات اجتماعية، وعن أزمات حقيقية يسردها أساتذة لرصيف22، من قلب مكان اعتصامهم الذي افتتحوا فيه الموسم الدراسي، والذي جاء بناءً على دعوة المجلس الوطني لإضراب وطني، يتخلله إنزال وطني، يومَي 14 و15 تشرين الأول/ أكتوبر من السنة ذاتها.


على جنبات حلقات الاحتجاجات، واعتصامات الأساتذة، تصدح الحناجر بشعارات إسقاط التعاقد، حيث لا صوت يعلو على صوت الأساتذة: "الشعب يريد إسقاط التعاقد"، و"عار هجومك على المدارس"، وشعارات أخرى أبدع فيها رافضو التعاقد، وتغنى بها حراك الأساتذة.

يفتح رافضو التعاقد نقاشات هامشية حول وضعيتهم الاجتماعية والنفسية، في جو من التآزر والوحدة في ما بينهم، الواحد يكمل الآخر، تارةً مع بعض رجال الأمن الذين يسترقون السمع في الهامش، وتارة مع بعض المارة الذين يدفعهم الفضول لمعرفة ماذا يقع، وتارة أخرى بين المتضامنين من الفئات الشعبية الرافضة للمخططات الطبقية، والتي تجهز في تقديرهم على ما تبقى من مكتسبات التعليم، وكلهم أمل في تعليم ديمقراطي يتساوى فيه الأساتذة كلهم، من دون تفاضل.

وعن الاعتقالات التي لاحقت أكثر من 16 أستاذةً وأستاذاً، على خلفية احتجاجاتهم، يتحدث أشرف حكم، بحزنٍ، عن هذا الجانب، ويتساءل: كيف يعقل أننا في القرن الحادي والعشرين، ولا زالت الاعتقالات تحدث في صفوف الأساتذة، فضلا عن المطاردات الهوليودية، وكأننا في فيلم سينمائي؟ من العيب أن هناك من يملك إجازةً وشهادات عليا، كالماستر، والدكتوراه، بينما يطالب بمطلب بسيط، هو الإدماج في الوظيفة العمومية. فلا يطالب لا بالتوزيع العادل لثروات الفوسفات، ولا بثروات البحار، بل يطالب باستقرار مهني ونفسي فحسب، أسوةً ببقية الأساتذة المرسّمين في الوظيفة العمومية.

في حديثها لرصيف22، تقول أستاذةٌ لمادة التربية الإسلامية في التعليم الثانوي، قادمة من الدار البيضاء إلى العاصمة الرباط، إنها تشعر بضيق شديد إزاء ما يقع لزميلاتها وزملائها كلهم، وتتساءل على هامش احتجاج الأساتذة عن سبب هذا المنع من التظاهر، والمتابعات التي تطال الأساتذة كلهم، والترهيب الممارَس، والضغط الأمني على كل خطوة، وكل حركة؟

بحزن عميق، ونفس عالٍ، تقول الأستاذة إنها صارعت البقاء، وصارعت الفقر، وإقصاءها من المنحة الجامعية، لإكمال دراستها في شعبة الدراسات الإسلامية، لتحصل على شهادة الإجازة، وبعدها شهادة الماستر، وتلج بعد ذلك إلى أشرف مهنة في تقدريها، إلا أنها تقول: "أُسحَل الآن، لأنني أنتمي إلى أشرف أسرة، أسرة من ينيرون دروب الناشئة، ومن يعلّمون الحكمة والعلم".

في حديثها العفوي، تورد أنها خرجت من دوامة الفقر والهشاشة، لتدخل دوامةً أكبر. فهي تدخل فصلها الدراسي كل صباح، بحيوية، ونشاط، وعزيمة على تقديم الكثير لطلبة العلم، إلا أنها لا تعرف هل ستعود إليهم في ما بعد، خصوصاً بعد كل دعوة للاحتجاج لإسقاط مخطط التعاقد، إلا أن الاحتجاج أصبح عندها عيداً وطنياً، ومحطةً لتجديد العهد، وللصمود في درب التنسيقية التي انتمت إليها طواعيةً.

"ليست لدي أحلام كبيرة. أريد أن أستقر، وأعيل والدتي، وإخوتي، وأكمل دراستي في سلك الدكتوراه، وأريد أن أكون مثل بقية الأساتذة والأستاذات، بعقد عمل دائم في الوظيفة العمومية. لا أحلم بتوزيعٍ عادلٍ للثروة، ولا بالامتيازات وغيرها. ما أريده هو عيش كريم، وبسيط جداً، وإسقاط للمتابعات في حق زملائي الأساتذة، وهذا كل ما لدي"، تضيف.

حيف وعدم استقرار

من جهته، عبّر الفاعل التربوي، عبد الوهاب السحيمي، في حديثه لرصيف22، عن أسفه، مشيراً الى أن "الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، يواجهون معاناةً كبيرةً، ومن الممكن أن نلخّص هذه المعاناة في عدم المساواة مع زملائهم الأساتذة الذين يعملون بعقود دائمة، أو الخاضعين للنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية"، مضيفاً أنه: "أمام هذا الواقع، يشعر الأساتذة "المفروض عليهم التعاقد" بالحيف، لكونهم غير خاضعين للنظام الأساسي نفسه، أسوةً ببقية الأساتذة".

وأورد المتحدث أن "هذا الوضع، له تبعات وانعكاسات سلبية على استقرارهم النفسي، والاجتماعي، والوظيفي، والمهني. كما أن هذه المشكلات كلها، راجعة إلى عدم خضوعهم للنظام الأساسي، ولا لأي نظام آخر خاص بهم، وهذا يعني عدم شعورهم لا بالأمان، ولا بالاستقرار في وظائفهم".

وأضاف المنسّق الوطني للتنسيقية الوطنية لموظفي وزارة التربية الوطنية حاملي الشهادات، بالقول إننا ننتظر تفاعل "الحكومة المعيّنة حديثاً، ونحن في انتظار أولى الإجراءات التي من الممكن أن تباشرها، على مستوى قطاع التربية الوطنية، كما نعلم بأن الوزير الحالي للتعليم، شكيب بنموسى، كان رئيساً للجنة النموذج التنموي، وهذه الأخيرة كانت في وقت مضى قد عرّت واقع التعليم، وقالت إن الحكومة السابقة تتحمل مسؤوليةً كبيرةً في المشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم، وقالت أيضاً إن من بين العوائق التي تعيق تنزيل الإصلاحات، ضعف المكانة، أو غياب التقدير لنساء التعليم، ورجاله، وقالت إن المدخل يبدأ بضرورة رد الاعتبار لنساء التعليم ورجاله، وبأن يُحسّن المستوى المادي والاجتماعي للأساتذة والأستاذات".

وقال المتحدث إن تقرير لجنة النموذج التنموي، يتقاطع مع البرنامج الانتخابي للحزب القائد للحكومة الحالية (حزب التجمع الوطني للأحرار)، الذي أكد أنه في حال فوزه بالانتخابات، سيقوم برد الاعتبار للأساتذة، وتقوية مكانتهم، ورفع الحيف والظلم عنهم، وتحسين مستواهم المعيشي، وما إلى ذلك.

ويرى المتحدث أن "الكرة الآن عند الوزير الجديد، من أجل النهوض بقطاع التعليم، هذا النهوض الذي لا يمكن أن يكون إلا عبر رد الاعتبار للمدرّس، وحفظ كرامته. ولا يمكن أن ننسى أنه لا يمكن أن يستقيم أي إصلاح، إلا برفع التوتر والاحتقان داخل القطاع".

وفي انتظار حوارٍ جاد ومسؤول، يعوّض المطاردات في الشوارع، والمتابعات أمام المحاكم، والاقتطاعات من الأجور، أو ما يسميه الأساتذة "سرقة جيوب رجال التعليم"، تزيد حدّة التوتر، ما يجعل حراك الأساتذة في تصعيد دائم، إلى حين تسوية وضعهم كما يريدون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard