سفر الخروج بلا عودة

الجمعة 28 أغسطس 202011:48 ص

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في عدد الاثنين، العاشر من آب/ أغسطس 2020، قصة حب أوروبية في سوريا زمن الحرب، تحت عنوان: "كيف التقينا: تم إطلاق النار علينا من قبل قناص"، وبصورة جذابة لرجل حليق بقبعة إنكليزية وفتاة شقراء. تبدأ الحكاية بلقائهما الأول في دمشق العام 2012، حيث انتدب "بين" ليعمل مع منظمة الأمنستي إنترناشيونال، وكانت "لاورا" هناك سابقاً وتعمل مع اللاجئين. انجذاب ودعوة ثم شراب، لقاءات متفرقة ووقوع في الحب.

بعدها، ينتقل الشاب البريطاني إلى حلب، بينما يتم نقل حبيبته الإيطالية إلى عمّان، فتتقطع بهما سبل اللقاء، لكنه يعدها بزيارة. وعندما يقرر السفر بالطائرة، يتم إغلاق الطريق إلى مطار حلب، ويتعرض لإطلاق نار عند محاولته سلك طريق آخر، فلا بد من بعض التشويق والصعوبات. لكن، وعلى الرغم من ذلك، وبتعدد أماكن وظائفهما لاحقاً، تمكن الحبيبان من اللقاء في بيروت، دبي، لندن وغيرها الكثير من المدن الأخرى.

في مطلع الألفية والانفتاح النسبي الذي حصل في سوريا كان الطلاب والصحفيون والباحثون الغربيون يأتون إلى البلاد بكثرة، وكنا أشبه بمحطة قطارات، يمر بها هؤلاء سريعاً عبر حيواتهم المختلفة، نقص عليهم حكايتنا ويكررون أسئلتهم، ثم يذهبون ونبقى

حملني هذا المقال إلى ذكرياتي عن مطلع الألفية والانفتاح النسبي الذي حصل في البلاد. كان الطلاب والصحفيون والباحثون الغربيون يأتون إلى سوريا بكثرة، وكانت تلك فرصة غنية بالنسبة لنا كشباب في مطلع عشرينياتنا، للتعرف على العالم من زاوية أخرى، التحدث بلغات أجنبية والانخراط في أنماط حياة جديدة، حيث بدا الأمر وكأنه فسحة للتملص من الكثير من التعقيدات المحمّلة على علاقاتنا المحلية، بالإضافة إلى الخوض في غمار مواضيع حساسة ومختلفة.

تفاجأنا وفاجأناهم!

أذكر في ذلك الوقت أن أحد الأصدقاء بعلاقة مع فتاة أميركية، كانت قد تطوعت للعمل معنا في إحدى المنظمات غير الحكومية. كنا مندهشين من إصرارها أن يعلم الجميع بعلاقتهما، لأن هذا دليل التزام من الطرفين برأيها، وليس عيباً أو أمراً لا يتم الحديث عنه. أما الصدمة الكبرى، التي توازي صدمتها بعد أن شرحنا لها كيف يمكن لأخ أن يقتل أخته باسم الشرف، فكانت عندما علمنا أنها لا تدرك متى خسرت غشاء بكارتها، لأنها تمارس ركوب الخيل مذ كانت طفلة، و"هذا لا يهم حقاً"، كما أضافت.

المثلية الجنسية، اليسار في تركيا، وهم الديمقراطية الغربية بعيون أبنائها، المقارنات بين نبيذنا والأنواع الفرنسية، تحضير قهوة الموكا الإيطالية، المذاهب المسيحية والإسلامية، الكثير من السياسة، بعض الشعر والغناء، السفر... وغيرها الكثير الكثير من المواضيع والسجالات الحامية، قدمت لنا العالم بصورة مختلفة ومن زوايا جديدة. تفاجأنا وفاجأناهم بالكثير، في وقت كان الموبايل للأغنياء فقط، وشبكة الإنترنت لإرسال البريد الإلكتروني. كل ذلك بدا محمّلاً بالكثير من المعارف، ولكن بالخيبات والانتكاسات أيضاً.

السفر حلم... كالعودة

مع مرور الوقت، بدأ الشعور يتزايد بأننا أقرب إلى محطة قطارات، يمر بها هؤلاء سريعاً عبر حيواتهم المختلفة والمتنوعة، نقص عليهم حكايتنا ويكررون أسئلتهم، ثم يذهبون ونبقى، فالسفر ورؤية العالم كانا حلم السوري العادي، قبل أن يأتي الطوفان ويبعثرنا في جهات الأرض الأربعة. وهنا أذكر صديقة من تركيا، كانت تردد دوماً أن "لا شيء يعلمك في الحياة مثل السفر"، ولكني أفكر اليوم، بأي ثمن؟!

في الماضي كان السفر حلم السوري العادي، قبل أن يأتي الطوفان ويبعثرنا في جهات الأرض الأربعة لاجئين ومهاجرين ومرتزقة، لنصبح غرباء هذا العصر، ولكن بلا جوازات سفر

تمر السنوات، تتغير الأحوال ويكشر الزمن عن أنيابه، فنغرق في تصوراتنا القاصرة ولغتنا المثالية ومطلقاتها. نتجاهل عشرات السنوات من التجهيل والإفساد للمجتمع، أزمة هوية جمعية ماتزال تعزز انقساماتنا وموقع جيوسياسي ملعون، فتلفظنا الحياة على أطرافها، لاجئين ومهاجرين، وبفضل حفيد السلاطين، مرتزقة أيضاً، لنصبح غرباء هذا العصر، ولكن بلا جوازات سفر. تتنازعنا الانتماءات ونعيش حياة مهربة بانتظار جنسيات جديدة، لنكتشف لاحقاً قلة أهميتها أمام راحة البال.وقتها، وعند الحديث عن البلدان والأماكن، كان أصدقاؤنا الغربيون يباغتوننا دوماً بسؤال مستفز، بالرغم من موضوعيته: "هل زرت هذه البلد من قبل؟"، حيث يختصر هذا السؤال تاريخاً، ثقافة وطريقة تفكير، كما يحاكي منطقاً استكشافياً يقوم على البحث والبرهان والتشكيك بكل شيء، والذي كانوا يعبرون عنه من خلال لغتهم وآرائهم، لكن الأهم من ذلك، أنه يحمل في متن الجواب عليه بالنفي غالباً من قبلنا، صيغة تحكم العالم وتتحدث بلغة القوة، فليس بإمكان الجميع السفر والتنقل متى وأينما شاؤوا. أولئك المسجونين في بلدانهم الأم لأسباب عديدة، يشكلون آراءهم عن العالم والحياة من خلال التصورات والانطباعات، بما تسمح به السلطات من معلومات، وبالتأثير الكبير للخلفية الاجتماعية في محاكمتها.

وما بقي اليوم أنه بالإمكان ربط السياسة بالاقتصاد بشكل أفضل، الخروج باستنتاجات واقعية والوعي بقيمة الوقت، ولكن ليس على صعيد الإنتاج، بل المراكمة. فبفهم ما خلفته الحرب العالمية الثانية في وعي الغربيين، كونها المحاولة الأخيرة للإنجاز عن طريق الخطف والصدمة، يمكن فهم طريقة سير السياسة الدولية ودهاليزها، وتأثيرها بأدق تفاصيل حياتنا جميعاً، والتي تتراوح بالنسبة لنا بين عبد الناصر وسيد قطب، أما بالنسبة لهم، فبالاستفادة من الصراع اللانهائي بينهما، بينما نحن المتعجلين والساذجين، نصفق ونهلل لأي انتصار "إلهي".

جمعت سوريا "لاورا" و"بين" الأوروبيين بالحب، تزوجا بعدها وعاشا في بيروت، وأنجبا طفلتهما التي أسمياها "أمل"، لتعلقهما بالمنطقة وتطلعاتها ورغبتهما بعيش الأمل بانسجام مع نفسيهما. وفي العام 2019، غادرا إلى مهمة جديدة في مكان آخر من العالم، لأنهما أرادا ذلك ويستطيعان فعله، بينما تبقى بلادهما دوماً مفتوحة لعودتهما، ليبدو هذا شرطاً جوهرياً قبل أي رحيل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard