شباب فوق العجلات يكتبون فصلاً جديداً في سيرة "وسط البلد"

الخميس 18 نوفمبر 202110:33 ص

من شوارع المطرية التي باتت تنقسم شوارع داخلية ذات أرضية يصعب المشي فوق الردم المتراكم فيها وشوارع واسعة ممهدة لا ترحب بالسائرين، جاء محمد عادل ابن الـ18 عاماً إلى شارع الشريفين المعروف باسم "البورصة"، حاملاً لوحاً للتزلج (سكيتنغ بورد) ادَّخر من أجل شرائه، ليلحق بمجموعة من الشباب، تراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، يستقلون "سكيتينغ بورد" أو ينتعلون حذاء التزلج "رولر سكيت"، رآهم في فيدوهات قصيرة على شبكات التواصل الاجتماعي ينطلقون غير عابئين بالحياة، يهربون من وتيرة يومهم الروتينية إلى سرقة لحظات من الانطلاق والنشوة، فعقد العزم على الانضمام إليهم. 

يقول عادل لرصيف22: "أشعر وأنا أتزلج أنني أنطلق بأقصى سرعة. أخترق الهواء والناس والطرقات. منذ أن تعرفت على تلك الساحة اعتدت أن أهرب إليها عندما تحيطني الأزمات. أقف فوق السكيتينغ بورد وأنطلق في شوارع وممرات وسط البلد، أفتح ذراعي وأسمح لنسمات الهواء أن تلامس كل جزء في جسدي، تلك اللحظات تمنحني الحرية والنشوة".

 "أشعر بنسمات الهواء" -وسط القاهرة - تصوير محمود الخواص- خاص لرصيف22

يقضي عادل نحو ثلاثة أيام أسبوعياً في ممارسة رياضة السكيتينغ (التزلج)، يأتي لأجلها من منزله الواقع في شمال غربي القاهرة إلى وسطها، ليشعر بحرية لن تتاح له في منطقته السكنية المزدحمة والتي تفتقر إلى الساحات الرياضية المجانية. 

يمثل وسط البلد بالنسبة لمحمد عادل "مكاناً فيه أفكار مختلفة". هناك فقط يستطيع أن يعلن عن تطلعاته وهواياته التي يعدها أقرانه في منطقة سكنه "غريبة" و"مستوردة". 

يقضي عادل نحو ثلاثة أيام أسبوعياً في ممارسة رياضة السكيتينغ، يأتي لأجلها من منزله الواقع في شمال غربي القاهرة إلى وسطها، ليشعر بحرية لن تتاح له في منطقته السكنية المزدحمة التي تفتقر إلى الساحات الرياضية المجانية.

ميلاد بعيد

منذ ميلادها في نهايات القرن التاسع عشر، مثلت القاهرة الخديوية مساحة مغايرة تماماً عن القاهرة التاريخية.

يمتد عمر نواة القاهرة الموجودة حالياً آلاف السنوات. برغم أن نشأة القاهرة نفسها حديثة نسبياً بالنسبة إلى تاريخ مصر (عمر القاهرة نحو 1400 عام) فقد أخذت في التمدد لتحوي مناطق طاعنة في القدم، منها حي المطرية الذي يأتي منه محمد عادل، حيث تقع "أون" التي حملت لاحقاً اسماً يونانياً هو "هليوبوليس" وفيها واحدة من أقدم عواصم مصر .

لكن عند إنشاء القاهرة الخديوية، كانت حدود العاصمة المتعارفة عليها هي ما تحويه مدينة الفسطاط وامتدادها وهو ما بات يعرف بالقاهرة القديمة وأسوارها المحيطة. أنشئت القاهرة الخديوية كامتداد أوروبي الطابع والمعمار للقاهرة "الإسلامية" وإليها فاض النبلاء وأبناء الجاليات الأجنبية ليتمتعوا بأجواء مماثلة لأجواء بلدانهم. 

تمتد القاهرة الخديويّة من كوبري قصر النيل إلى ميدان العتبة الذي بنيت فيه قديماً دار الأوبرا الخديوية. شهدت شوارعها وبناياتها تاريخاً ممتداً نحو مئة عام، مثّل فيه "وسط البلد" مركزاً ثقافياً يلتقي فيه الشعراء والكُتّاب والمثقّفون والساسة.

كذلك شهدت العديد من الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ ولعبت دوراً محورياً في تشكيل حاضر الدولة المصرية ومستقبلها بدءاً من الصراع مع الاحتلال البريطاني، مروراً بثورة يوليو، وصولاً إلى ثورة 25 يناير 2011.

دار الأوبرا الخديوية - القاهرة

الممرات شرايين وأوردة

يقول يحيى وجدي، رئيس تحرير جريدة "منطقتي" (متوقفة عن الصدور) التي عنت بمنطقة وسط البلد، ومنها ممر البورصة، "إن الممرات التي توصل بين شوارع وسط البلد مثلها مثل الشرايين والأوردة، فهي نابضة بالحياة والأفكار الخلاقة. عندما أسمع تصريحات رسمية عن تحويل وسط البلد إلى متحف مفتوح أشعر بانزعاج شديد، ولا أفهم المغزى من وراء ذلك الكلام. ما يميز وسط البلد أنه فعلاً ساحة مفتوحة للتنوع والاختلاف".

ويضيف وجدي: "أجيال تعقبها أجيال ارتبطت بوسط البلد وشوارعه وممراته، فكان قبلة الأفكار المتحررة والرؤى المختلفة. تجد هناك تنوعاً ثقافياً كبيراً لا يمكن أن تجده في أي مكان آخر. وجاءت ثورة 25 يناير لتضيف بهاءً لوسط البلد فوق بهائه، فأصبح مرتبطاً بالانتصارات والهزائم التي تلقتها الأفكار المختلفة. لا أعتقد أن أحداً ممن شاركوا في ثورة 25 يناير ليس لديه ذكريات في شوارعه وممراته. أما الجيل الجديد فقد ارتبط به أدبياً، فسمع عنه وقرأ وشاهد مقاطع فيديو لاشتباكات وتظاهرات ومناقشات سياسية وثقافية دارت هنا في تلك الممرات".

ويرى وجدي أن محاولات محو ذاكرة الثورة من شوارع وسط البلد لن تنجح. 

يحيى وجدي: "أجيال تعقبها أجيال ارتبطت بوسط البلد وشوارعه وممراته. تجد هناك تنوعاً ثقافياً كبيراً لا يمكن أن تجده في أي مكان آخر"

في أبريل/ نيسان 2015، قامت محافظة القاهرة، تعاونها الأجهزة الأمنية، بحملة لإغلاق مقاهي البورصة ومحو الشعارات والملصقات التي ارتبطت بالثورة من الشارع في إطار خطة لتطوير القاهرة الخديوية. 


في تلك الحملة وضعت كلمة النهاية لمقاهي الشارع، التي يعود تاريخها إلى العام 1904 حين أنشئت بورصة القاهرة، وتلاها في الشارع نفسه مبنى الإذاعة القديم، قبل بناء مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم "ماسبيرو". فتأسست تلك المقاهي وقتذاك لخدمة التجار والعمال في المنطقة التجارية الناشئة.

برفع المقاهي التي كانت محلاً لالتقاء المشاركين في الثورة، فرُغ شارع الشريفين (ممر البورصة) وانتشر في جنباته ممثلو الجهات الأمنية القائمين على حراسة وسط البلد بعدما باتت رمزاً لـ"صداع المعارضة".  

برفع المقاهي التي كانت محلاً لالتقاء المشاركين في الثورة، فرُغ شارع الشريفين (ممر البورصة) وانتشر في جنباته ممثلو الجهات الأمنية القائمين على حراسة وسط البلد بعدما باتت رمزاً لـ"صداع المعارضة"

بورتريه للحياة

في كتابه "مقتنيات وسط البلد"، كتب الروائي ومؤرخ وسط البلد الراحل مكاوي سعيد: "مقاهي وسط البلد ترسم خريطة حياتي، وعلى كراسيها تلك الشخصيات، التي ألهمتني ما أكتب، وبين مبانيها وفي شوارعها تحركت أفكاري وأحلامي ومارست نزقي وشرودي".

ممرات البورصة التي أزيلت مقاهيها، هي حلقة الوصل بين شارعي صبري أبو علم وشارع قصر النيل، اللذين يلتقيان عند ميدان طلعت حرب. ما بين الشارعين والميدان توجد الممرات حيث مبنى البورصة وقاعة التداول التاريخية التى تحولت إلى متحف، ومبنى الإذاعة، ومقر مكتب العمل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومدخل عمارة البنك المركزي، ومداخل المقر الرئيسي للبنك الأهلي.

الأدرينالين محرك أساسي

يقول محمد طارق وشهرته "مزيكا"، لرصيف22 إن رياضة السكيتينغ تسمح له بأن يشعر بالأدرينالين يسري في عروقه، وهو يهرب من الزحمة في عقله، لينطلق معرضاً نفسه للخطر "من دون أن تكون الخسائر فادحة". 

تعرّف مزيكا على منطقة البورصة منذ قرابة أربعة أشهر. يقول: "منذ طفولتي وأنا أشاهد تلك الرياضة [السكيتنغ] في مسابقات عالمية، ولم أكن أعرف أنه يمكن أن أمارسها في مصر، لكن قرأت على إحدى الصفحات في فيسبوك دعوة إلى تجمع محبي السكيتينغ. تشجعت وقررت أن أشارك بالرغم من أنني لم أكن أملك اسكيتينغ بورد".

يساعدون بعضهم على لعب الرياضة الجديدة- وسط القاهرة - تصوير محمود الخواص- خاص لرصيف22

رياضة السكيتينغ ليست رخيصة، ويختلف آراء ممارسيها بشأن جودة الأدوات التي يعتمدون عليها. بعض ألواح التزلج التي يعتمد عليها المبتدئون تبدأ أسعارها من 350 جنيهاً للوح ذي الخامات الفقيرة، ويصل إلى نحو 2000 جنيه للوح ذي خامات صلبة. وهو مختلف عن اللوح الذي يستخدمه محترفو تلك الرياضة. 

أما حذاء التزلج "الرولر سكيت"، وهو حذاء متصل بعجلات يتم السير عليها، فيبلغ سعره قرابة 400 جنيه للفئة الأدنى ويصل إلى 2000 جنيه. 

اضطر مزيكا إلى اقتراض نحو 400 جنيه من أشقائه لشراء لوح التزلج، لكنه كان يعرف أن وسط البلد لن بلفظه. يقول: "أخذت السكيتينغ بورد لخوض أولى تجاربي. سقطة تلو الأخرى، قم بدأت أقف على اللوح بمساعدة شباب يمارسون نفس اللعبة. ثم تكوّنت حلقة أصدقاء من مناطق مختلفة يجمعها حب الرياضة".

لماذا وسط البلد؟ 

وسط البلد حالة فريدة من نوعها. هناك تجد طبقات اجتماعية مختلفة، ومحالَّ متراصة متبانية، ومكاتب صغيرة تكاد تندر فوق رفوفها البضائع، وهي ملاصقة لمحال تبيع بضائعها للنخبة. تنوع يغذي روح وسط البلد ويجعل منه وجهة للجميع. 

يقول يحيى وجدي: "غالبية ممرات وسط البلد متسامحة. لن تصيبك الدهشة عندما ترى مسجداً صغيراً ملتصقاً ببار يقدم مشروبات كحولية. يرحب وسط البلد بالجميع. ما يميزه أن هناك دائماً ما يتم اكتشافه في شوارعه وممراته. الجيل الجديد الذي لم يحضر الثورة ما زال متعلقاً به، في الوقت الذي بدأ جيل الثورة في الابتعاد عنه قليلاً بعد الهزيمة التي أصابته. خاصة أن الحكومة خلال الفترة الماضية عمدت إلى تغيير شكل ميدان التحرير وحولته إلى مجرد معرض للقطع الأثرية التي تستهدف التذكير بالجذور الفرعونية للدولة دون سواها". 

ويرى وجدي أن الأجيال الأصغر سنّاً حوّلت شوارع وسط البلد وممراته، ومنها ممر البورصة، إلى "مسرح خاص بهم". ويلفت إلى أن "وسط البلد بالرغم مما ألم به ما زال يحتفظ برمزيته في التغيير واحتضان الاختلاف". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard